|
|
|||
في غضون ثورة التكنولوجيا الحاصلة في هذا الوقت وما يرافقها من سرعة واستغلال للوقت باتت أشبه بالفرضيات في زماننا الحاضر ، دخلت علينا مصطلحات جديدة ومفردات مختلفة منها ما هو بسيط وآخر معقد …
العولمة ، ثورة الاتصالات ، التكنولوجيا و غيرها من المفاهيم التي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية ، لتكتمل الصورة سنقوم بمناقشة بعض هذه المفاهيم ودراسة أثرها على الجزئية والكلية على المجتمعات .
ثورة الاتصالات بين: الثقافة الموحدة والسيادة الثقافية
وعندما جاءت العولمة, جاءت محمولة علي أعناق وأكتاف ثورة الاتصالات; أي طوفان الموجات الالكترونية الضوئية السرعة; المرئية/ المسموعة/ المقروءة, التي تتحول بها كل ما تتخذه المعاني من أشكال أو قوالب أو رموز, أي تتحول بها رسائل المعلومات والأخبار والأفكار والتوجيهات والأوامر والايحاءات ودلالات الأعمال الفنية الدرامية والتشكيلية والموسيقية.. تتحول إلي صور وكلمات وأصوات, بالألوان والأصداء الطبيعية والاصطناعية.
فالعولمة بأي مفهوم لها, إيجابي أو سلبي; اقتصادي أو( و) سياسي أو( و) ثقافي أو( و) استراتيجي ، ما كانت لتأتي بالصورة التي نواجهها منذ أواخر القرن العشرين, وتزداد وضوحا وحدة منذ البداية الفلكية للقرن الحادي والعشرين لولا ثورة الإتصالات…
غير أن ثورة الاتصالات التي حملت أمواجها وأدواتها حقائق العولمة أو تحولها في كل لحظة إلي حقيقة فعلية تعيشها البشرية كلها تقريبا ، تستسلم لها أو تقاومها أو تتفاعل معها ـ لم تكن مجرد ثورة في التقنيات الفنية; وإنما كانت ثورة متعددة الوجوه, الثقافية, السياسية, الاقتصادية والاستراتيجية, بهذا الترتيب كما سنرى بعد قليل, تمكنت من توظيف التقنيات( أو: التكنولوجيات) الجديدة لنشر أفكار وتوجهات وايحاءات ودلالات بعينها, وتحقيق السيادة علي عقول البشرية كلها ـ عن طريق المواد الثقافية المتعددة الأنواع: من المعلومات إلي الأخبار إلي التحليلات في شكل ندوات وأحاديث.. إلخ.. حتي الأفكار والمذاهب والتصورات الأعمال الفنية وانماط السلوك…
بهذا الشكل, وفيما يجمع علماء الثقافة المعاصرة, الذين لا ينشغل أكثرهم إلا بدراسة العلاقة بين الثقافة ووسائل الاتصال الحديثة, تضاعف ، دون حدود تقريبا .
تأثير الثقافة على اختيارات الجماعات الانسانية, إلي الدرجة التي يلغي معها مبدأ الاختيار ذاته, أو مبدأ الحرية الجماعية القومية والفردية الشخصية, علي حد ما يطرحه فيلسوف ما بعد الحداثة الأشهر, الفرنسي فرانسوا ليوتار في كتابه: تفسير ألما بعد حداثي:
ThePostmodernExplained
( نشر جامعة مينيسوتا ـ1995 ـ ترجمة جماعية حررها جوليان بيفانيس ومورجان توماس. وكتب التعقيب عليها فالد جود زيش)…
كانت الثقافة( أو: المعرفة عند ليوتار وزملائه) ابداعا جماعيا وفرديا تحكمه وتستثمره أفكار ومباديء كبيرة( يسميها: سرديات كبري ـ في محاولته لتسميتها بكلمة محايدة) وكانت هذه الأفكار والمباديء تجمع بين الأسس الاجتماعية والسياسية والقواعد الأخلاقية والتوجهات المنهجية المختلفة عبر العصور والثقافات.. واستمر هذا الوضع بشكل أو بآخر حتي عصر الرأسمالية المتطورة التي حققت الثورة التكنولوجية; وكان مجال الاتصالات من أهم المجالات التي تجلت فيها هذه الثورة; وكانت المعرفة( أو: الثقافة/ أو: الثقافات) أكبر أهدافها, وضحاياها…
فالثقافة( أو المعرفة) لم تعد إبداعا ـ جماعيا ولا فرديا ـ وإنما أصبحت إنتاجا له قيمة وظيفية نفعية( استخدامية واستغلالية بتعبير الاقتصاديين)… كما أصبحت سلسلة لا نهاية لها من الرموز الرقمية التي تزداد باستمرار, ويتم تجميعها, واعادة تجميعها علي الدوام ـ مثل مكونات
Components
أي جهاز أو آلة أخرى, حسب المنفعة ـ أي الاستخدام أو الاستغلال المطلوبين من تجميعها ـ أو تفكيكها في كل مرة: هكذا تفصل الثقافة/ المعرفة ـ ليس فقط عن طبيعتها التاريخية: بوصفها ابداعا جماعيا وفرديا/ جماعيا; وإنما تفصل أيضا عن مبادئها وأفكارها الحاكمة: الاجتماعية/ السياسية( أي: القومية) والمنهجية( أي: العلمية) لكي تؤدي المنفعة التي تطلبها القوي المتحكمة في كل من إنتاج المعرفة( الثقافة الجديدة) وفي توزيعها وبثها للتحكم في وعي البشر, وفي اختياراتهم… فيلغي ـ في الحقيقة ـ مبدأ الاختيار ذاته, أو مبدأ الحرية: حرية الأمم, والأفراد.. علي السواء, مع مجيء العولمة محمولة علي أمواج طوفان ثورة الاتصالات.
هذه الحقيقة استخلصها علماء ثقافة معاصرون من مدارس وتيارات وجنسيات عديدة; حاول بعضهم أن يقدمها باعتبارها التطور الطبيعي والايجابي للثقافة الانسانية في عصرنا, وللحياة الانسانية بالتالي; ولكن أكثرهم ـ في الغرب خصوصا ـ اتخذوا منها موقفا نقديا, باعتبارها ظاهرة خطيرة تهدد الليبرالية أو الديموقراطية ـ الاجتماعية والسياسية والفكرية الثقافية ـ في بلدان الرأسمالية( الليبرالية) المتطورة ذاتها, مثلما هدد الاحتكار الصناعي والمالي أسس الليبرالية الاقتصادية في الماضي; ويهدد بالتالي بتحويل هذه الليبراليات التي أقامتها حركة الحداثة منذ الثورات السياسية القومية والاجتماعية: الانجليزية والأمريكية والفرنسية علي التوالي في القرون من السابع عشر إلي الثامن والتاسع عشرتحويلها إلي نظم شمولية, فاشية النزعة يسمونها الآن الفاشية اللينة.
ولكن القليلين من علماء الثقافة الغربيين المعاصرين ـ النقديين ـ هؤلاء ـ من اهتم بخطورة تهديد عولمة الوعي ـ الانساني ـ وعولمة الثقافات الانسانية( القومية) بالتالي والغاء خصوصياتها. ومع ذلك فما يزال عدد من هؤلاء العلماء البارزين( في تخصصات اللغويات مثل نوام تشومسكي الأمريكي; والاجتماع الثقافي مثل زيجمونت بومان البريطاني والانثرو***وجيا الاجتماعية والثقافية مثل نيجل رابورت وزميلته جوانا أو فرينج البريطانيان أيضا).. مايزالون يدافعون عن, ويبرهنون علي مفهوم وحقيقة وجود ثقافات ـ بالجمع; مقابل سعي علماء العولمة إلي تثبيت مفهوم: الثقافة بالمفرد: ولكننا من واقع متابعة ومعايشة تيار العولمة الثقافية, الذي تحول بوضوح في الخطاب الرسمي الأمريكي والبريطاني بشكل خاص إلي قرار سياسي وخطة للاختراق الثقافي بهدف فرض نظام للقيم ـ ولدلالات هذه القيم ولتطبيقاتها ـ السياسية والأخلاقية والفكرية التي يتم تصنيعها في مراكز بحوث خاصة تتعامل نتائج بحوثها مع مؤسسات وأجهزة اتصالاتنا المختلفة: مؤسسات وأجهزة التعليم والتثقيف والاعلام والدعوة الدينية, الأهلية والقومية علي السواء… أو هكذا يدبرون.. من واقع متابعة ومعايشة تيار العولمة الثقافية هذا; نلمس كما يلمس غالبية المشغولين بمصائر التنوع الثقافي الخلاق للبشرية; نلمس مدي هيمنة هذا التيار وقوة سلطته علي كل وسائل الاتصال الكبري في عالمنا الآن, ومدي تهديده بالتالي لذلك التنوع الخلاق نفسه.
إن ثورة الاتصالات التي أخضعت الثقافة( المعرفة) وتطبيقاتها العملية لمعاييرها ومصالحها الكوكبية/ التقنية/ لا تشمل فحسب مجرد وسائل الاتصال التقليدية( الراديو والتليفزيون والتليفون.. حتى الحواسب الآلية والانترنت وشبكات المعلومات الاقليمية والدولية الأخرى)
وانما شملت التعليم والتثقيف والترفيه والدعوة الدينية: من المدارس والجامعات ومراكز البحوث والجمعيات.. إلى المكتبات ودور العبادة وقاعات العرض ومنتجات فنون وأساليب العرض الجماعي أو العامة( والفردي أو الخاصة) الترفيهية والتعليمية والتوجهية.. إلخ..
أي أن ثورة الاتصالات بأدواتها وبالتقنية التي تجرد المعرفة( الثقافات) من أصولها أو جذورها أو سياقاتها الاجتماعية الخاصة ـ شملت كل أدوات وأجهزة ومؤسسات توزيع المعرفة… التوزيع فحسب, لأن الانتاج الحقيقي ـ وتقليداته المحلية المتقنة أو سيئة الصنع ـ يتم هناك ـ في مصانع إنتاج المعرفة المرتبطة بقوي العولمة الرئيسية..
لهذا ـ وغيره ـ نحتاج في عالمنا العربي بشكل خاص ـ إلي برنامج حد أدني من التنسيق ـ يخطط ـ نظريا وتطبيقيا ـ لانتاج معرفتنا( ثقافتنا السائدة وثقافاتنا الفرعية) الخاصة. برنامج نعتقد أنه لابد أن تشارك فيه مؤسسات وأجهزة الدول والمجتمعات, الرسمية أو القومية والأهلية ـ في ميادين التعليم والبحث العلمي والتثقيف والاعلام والدعوة الدينية.. برنامج نعتقد أنه أصبح من الواضح ضرورة تحديده للثوابت الثقافية, وفتحه الأبواب كلها أمام التجدد والتجديد; لا يتجمد عند ثوابت ومتغيرات الماضي الاشكالية ويجعلنا قادرين علي التعامل مع مستجدات الثقافات الأخري بما فيها الثقافة المعولمة.
ويلقي اللوم المفكر الأمريكي جوززيف استجليتز رئيس مجلس الاستشاريين الاقتصاديين الآميركي في فترة رئاسة بل كلينتون وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي الذي رأى وعاد وألف كتاباً بعنوان ( ضحايا العولمة ) على سياسات صندوق النقد الدولي واصرار العاملين فيه على آليات عمل تبنى على أسس ايديولوجية وسياسات تتفق مع مصالح أو قناعات أصحاب السلطة في تلك المراكز .
وهي مسؤولة عن حالات الفشل في أنحاء كثيرة من العالم وأثرت بشكل مرير على الفقراء بسبب سياسات الصندوق البالية بسبب اهمال الصندوق جانب التنمية الاقتصادية لذلك من الضروري مراجعة الاتفاقيات التجارية الدولية التي لعبت دوراً كبيراً في الغاء الحواجز التجارية والسياسيات التي فرضت على الدول النامية أو الأقل فقراً في إطار عملية العولمة . وعلى ذلك لابد من تناول المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها شعوب تلك الدول الأقل فقراً أو الدول الفقيرة وترك ايديولوجية منظمة التجارة العالمية جانباً وتحصر الوقائع الخاصة لكل دولة تحديداً . لأن القرارات التي تبنى على أسس أيديولوجية وسياسية تؤدي دائماً إلى مبادرات ناقصة عاجزة تماماً عن حل مشكلات الدول الفقيرة .
فالفرضية التي ترى أن السوق يصل بصورة تلقائية إلى أكثر النتائج فاعلية ولا داعي لأي تدخل من قبل الحكومات بضبط الايقاع في الأسواق نظرية قد تجاوزها الزمن ، وأصبحت الحكومات والأسواق لابد أن تكون العلاقة بينهما أكثر تكاملية تعتمد على الشراكة ، فالحكومة يجب أن تضطلع بدور هام بالنسبة لقضايا عدم المساواة والبطالة والتلوث . ومن يحطون من قدر العولمة غالباً ما يغفلون مكاسبها ، لكن كذلك موقف أنصارها غير متوازن بدرجة كبيرة بسبب ربطه بالنموذج المنتصر الأمريكي الطراز .
تأثير العولمة وتكنولوجيا المعلومات في الــصــــــيـن
ولكن لماذا نجحت العولمة في الصين وفشلت في أماكن عديدة من العالم . فالتاريخ المحلي للصين عام 1990 كان يمثل 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في روسيا ، لكن في نهاية التسعينات شهدت روسيا اتساع رقعة الفقر بينما انخفضت نسبة الففر في الصين انخفاضاً كبيراً جداً ، بسبب ان الصين نفذت برنامج تحول اقتصادي صممته بنفسها وطبقاً لظروفها بينما خضعت روسيا لبرنامج صممه صندوق النقد الدولي وكان سبباً فيما تعرضت له من أزمات . لكنها تنبهت روسيا في الوقت الحاضر لتلك المخاطر وتقترب الصين من احتلال المركز الرابع في العالم اقتصادياً وهي ثالث أكبر مصدر ومستورد للمنتجات التجارية في العالم بعد الولايات المتحدة والمانيا وأكبر دولة لديها فائض في حسابها الجاري في العالم ، يما يقارب 300 مليار دولار عام 2006 ولديها أكبر احتياطيات للعمله في العالم أكثر من ألف مليار دولار .
ونجحت الصين باعتمادها أسس بصادرات تتميز باستخدام مكثف للعماله ، وطلب متزايد على المواد الخام ، واعتماد كبير على المعرفة ، والخبرة الأجنبية المستوردة .
وانفقت على المعرفة 136 مليار يورو عام 2006 وفق ( تقرير العلوم والتكنولوجيا والصناعة لعام 2006 ) تزيد على اليابان قليلاً التي انفقت 130 مليار يورو مقابل انفاق الاتحاد الأوربي 230 مليار يورو بينما كانت الولايات المتحدة على رأس دول العالم إذ تنفق 330 مليار يورو . ويقول تقرير اليونسكو العلمي لعام 2005 ان إجمالي الاتفاق في آسيا زاد من حصة عالمية بلغت 27.9 في المائة عام 1997 إلى 36.5 في المائة عام 2004 ، مما أدى إلى أعداد هائلة من المواهب في مجال العلوم والتكنولوجيا والإدارة في آسيا ، التي لديها آفاق في تجاوزالغرب سواء في النوعية أو الكمية ، وتشهد الهيمنه الأوربية الاميركية في الابتكار في مجال العلوم والتكنولوجيا انخفاضاً خلال العقدين المقبلين ستخلق آسيا مراكز جديدة هامه للابتكار في مجال العلوم والتكنولوجيا .
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة
