الثلاثاء, يناير 13, 2026

الإطار التنظيمي للعقار الصناعي في الجزائر

لقد عرف العقار الصناعي منذ الاستقلال عدة أنظمة للاستثمار فيه، ونظرا للأهمية التي أعطيت له، قام المشرع بتنظيمه بصفة متميزة تتماشى مع النظام السياسي والاقتصادي.
ولعل أول عملية تنظيم لهذا النوع من العقار كان في بداية السبعينات، حيث ظهرت فكرة تقسيمه إلى مناطق، كالمناطق الصناعية المنشأة عام 1973 غير أن الإشكال الذي ظهر فيما بعد كان يتعلق بطبيعة عقد الملكية في هذه المناطق، وكيفية تسييره وحمايته، هذا إذا اعتبرنا أن هذه المناطق يجب معرفة حدودها حتى تخضع لنظام خاص في استغلالها.
كما نظم المشرع استغلال هذا العقار حسب المناطق، بشروط قانونية وإدارية تختلف باختلاف المنطقة والنشاطات الاستثمارية المراد انجازها، وترتبط مباشرة بالعقار الصناعي في حد ذاته وبمستغل هذا العقار من جهة ثانية.
إن أول تحديد للعقار الصناعي كان في إطار القانون رقم 73/45 المؤرخ في 18 فيفري 1973، المتعلق بإنشاء لجنة استشارية لإنشاء ما يسمى بالمناطق الصناعية، وكذا المراسيم التنفيذية اللاحقة له، والتي صدرت بعد مرور 10 سنوات أي في سنة 1984، حيث تضمنت تهيئة وإدارة وتسيير المناطق الصناعية، إلا انه مع مرور الزمن لم يظهر بوضوح الدور الذي لعبه العقار الصناعي في تطوير وترقية الاقتصاد الوطني، ثم برزت مسألة العقار الصناعي بمفهوم الأصول العقارية المتبقية في إطار قانون 88/01 المؤرخ في 12/01/1988 المتضمن القانون التوجيهي للمؤسسات العمومية الاقتصادية الذي بقي يتخبط في مشاكل قانونية وعملية ، إلى غاية صدور قانون 93/12 المؤرخ في 05 أكتوبر 1993، المتعلق بترقية الاستثمار، والذي جاء بتنظيم خاص بالاستثمار في ميدان العقار الصناعي، بشكل أوسع من الناحية القانونية.
1- المناطق الصناعية
في عام 1973 ظهرت ما تسمى بالمناطق الصناعية، وذلك بصدور القانون رقم 73/45 المؤرخ في 28 فيفري 1973 المتعلق بإنشاء لجنة استشارية لتهيئة المناطق الصناعية، حيث حدد شروط إيجاد 77 منطقة صناعية على مستوى إقليم البلديات والولايات، وعبر كامل التراب الوطني، وتم تحديد شروط إدارتها عن طريق المرسوم رقم 84/55 المؤرخ في 03 مارس 1984.
1/إدارة المناطق الصناعية:
يقصد بإدارة المناطق الصناعية حسب المرسوم 84/55 المذكور سابقا، تهيئتها كمرحلة أولى ثم القيام بإدارتها كمرحلة ثانية، ومن الناحية القانونية فان الإدارة تعني التهيئة والتسيير معا، وتتم تهيئة المناطق الصناعية عن طريق أجهزة ومؤسسات مختلفة نذكرها حسب الترتيب الأتى:
• هيئات عمومية اقتصادية منشاة بموجب المرسوم رقم 82/02 المؤرخ 09 مارس 1983 وهذا عندما تكون المنطقة الصناعية تحتوى على ما يلي:
*نشاطات ذات منفعة محلية.
* نشاطات ذات منفعة وطنية ومتنوعة تابعة لوزارات مختلفة.
•مؤسسات اقتصادية حسب الكيفيات التي كان ينتظر أن تحدد لاحقا، عندما تكون المنطقة الصناعية تحتوى على نشاطات ذات منفعة وطنية، خاصة وتابعة لسلطة رئاسة واحدة.
 • عن طريق دفتر الشروط الخاص بإدارة المناطق الصناعية والصادر بناءا على التعليمة الوزارية المؤرخة في 05 مارس 1984.
إن شروط إدارة الفضاءات العقارية داخل هذه المناطق، التزام على عاتق الهيئات المديرة وهيئات أخرى تتولى بصفة تعاقدية تهيئة هذه المنشآت المشتركة، مع احترام مبادئ التهيئة العمرانية في المنطقة الصناعية، وذلك في الحالات العادية أما فيما يخص قواعد تسيير المناطق ذات طبيعة السلطة العامة، فإنها من صلاحيات الوالي، وذلك في إطار ممارسة صلاحيات الضبط الإداري وخاصة فيما يتعلق بالأمن الداخلي للمنطقة ( قواعد السير، التوقف، الوقاية من الأخطار، وحماية البيئة…الخ )
وفي هذا السياق تقع على عاتق الأجهزة المهيأة في إدارة المناطق الصناعية، ضرورة المحافظة على:
– عملية التهيئة: تقوم بها مؤسسات عمومية اقتصادية ولا تتدخل في الملكية.
– عملية التسيير: تقوم بها مؤسسات عمومية صناعية وتجارية حيث تتلقى العقارات قانونيا ثم تقوم بإدارتها وتسييرها حسب القوانين المعمول بها.
2/تسير المناطق الصناعية :
إن التسيير الحقيقي لهذه المناطق حسب المرسوم رقم84/56 ،أسند إلى مؤسسات اقتصادية، تنشأ وفق كيفيات محددة بمرسوم، وفي هذا الإطار ظهرت مؤسسات التسيير بصفة مؤقتة، في انتظار تحديد المعيار القانوني المطبق لتحديد طبيعة هذه المؤسسات حيث كان تنظيم هذه المؤسسات في أول الأمر، محددا وفق قواعد المتعلقة بالتسيير الجماعي للمؤسسات في ذلك الوقت.
 وتطبيقا لأحكام المرسوم التشريعي رقم 73/45 والنصوص التنظيمية الملحقة به، بدأ في إنشاء مناطق صناعية عهدت مهمة تسييرها إلى أجهزة عديدة ومتخصصة نذكر منها:
*المركز الوطني للدراسات والأبحاث العمرانية
*مؤسسة تسيير المناطق الصناعية:
وتمثل المهمة الأساسية لهذه الأجهزة والمؤسسات هي تلقي العقارات واكتساب الملكية بصفة قانونية للأراضي المكونة للمناطق الصناعية والتي قد تكون ضمن أملاك الدولة أو تابعة للخواص وبعد قيام الأجهزة المهيئة بأعمال التجزئة للعقارات والتهييئات تقوم المؤسسات بإعادة التنازل عنها بواسطة عقود توثيقية ومشهرة لصالح المستثمرين.سواء في إطار المعاملات التجارية المحضة، أو في إطار التجهيزات الاستثمارية.
وفيما يخص مسؤولية الصيانة والترميم للهياكل الخارجية وشبكات ربط المنشآت الملحقة بها، فإنها تقع على عاتق المؤسسة المسيرة، وذلك عندما تكون المنطقة الصناعية في حاجة إليها، غير انه فيما يتعلق بالأشغال التي تجعل المنطقة الصناعية عقار مخدوم كالارتفاقات الإدارية، كتمرير خط للسكك الحديدة، فإنه يقع على عاتق هذه المؤسسات المرتفقة للقيام بهذه الأشغال، وكذلك الحال بالنسبة لإشغال التموين بالكهرباء والغاز، فإنه تقع على عاتق المؤسسة المتخصصة المعنية، بالتنسيق مع المؤسسة المسيرة للمنطقة الصناعية، هذه المؤسسة التي قد تكون مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري E.P.I.C قبل صدور قانون المؤسسات العمومية الاقتصادية سنة 1988.
ملاحظة
أن التعدد والتنوع في الأجهزة ومؤسسات الإدارة والتسيير، وعدم ضبط طبيعتها القانونية بدقة، وطبيعة المعاملات والأعمال التي تقوم بها، أدى إلى تداخلها في الصلاحيات والاختصاصات، مما صعب التعرف على ما هي الأجهزة أو المؤسسة المهيأة، وما هي المؤسسة المسيرة ، وما دورها، الشيء الذي نتج عنه عدة إشكالات ميدانية فيما يخص نقل الملكية على الخصوص.
ورغم أن جميع القوانين والمراسيم المذكورة سابقا، قد نظمت إدارة هذه المناطق من حيث الإنشاء والتسيير، إلا أن الوضعية الحالية للعقار الصناعي في هذه المناطق بقيت تمتاز بالصعوبات والنقائص وخاصة تلك التي تتعلق بتسييرها، وأهمها يرجع إلى الأسباب التالية:
-تعاقب أجهزة تسيير المناطق الصناعية، مما أدى إلى ظهور مشاكل في الميدان، لاسيما في عمليتي المتابعة والمراقبة.
– عدم الأخذ بعين الاعتبار المعايير الاقتصادية، وقوانين التعمير عند إنشاء هذه المناطق.
– عدم تحديد التجزئات بصفة واضحة وظاهرة ، مما أدى إلى ظهور توسعات غير قانونية.
– عدم تحديد الطبيعة القانونية لأجهزة إدارة المناطق الصناعية، من حيث اكتساب العقار والتسيير وهل هي مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري أم مؤسسات عمومية اقتصادية لا تهدف إلى تحقيق الربح.
ولمواجهة هذه النقائص التى لا تخدم المستثمر اقتضت الضرورة،إعادة ملائمة الإطار القانوني من خلال:
*تعديل أحكام المرسوم 84/55 المؤرخ في 03 مارس 1984 وذلك بإعادة تنظيم القواعد التي تضبط شروط وكيفيات تسيير هذه المناطق.
*إثراء وتكييف دفتر الشروط النموذجي المعد بتاريخ 05 مارس 1984 حسب الأبعاد الاقتصادية الحالية.
*لتسوية الوضعية القانونية للملكية في العقار الصناعي، كان لابد من الإسراع في عملية إعادة التنازل retrocession لفائدة المستثمرين للتجزئات الصناعية المنشأة من طرف الأجهزة المهيئة.
*إنهاء عمليات التهيئة في المناطق التي لم تهيئ بعد، لاسيما المناطق ذات الحيوية الاقتصادية والصناعية.
 * توجيه المشاريع الجديدة إلى المناطق الصناعية، عندما يتوافق المشروع مع طبيعة المنطقة الصناعية.
*مراعاة الاستعمال الأمثل والعقلاني للعقار المتوفر داخل المنطقة الصناعية، وذلك بالاستجابة للاحتياجات الحقيقية.
*منح الهيئات المسيرة صلاحيات الضبط الإداري، وذلك تحت تصرف الهيئات الرئيسة لها، “الوالي” حتى تتمكن من القيام بمهمة المتابعة والمراقبة.
وفي هذا السياق ومن الناحية العملية اتخذت عدة إجراءات من طرف كل الوزارات المعنية بالعقار الصناعي، قصد  جعله يتماشى مع سائر التحولات الاقتصادية .
المناطق الخاصة
ظهرت بالمناطق الخاصة في إطار قانون 93/12 المتعلق بترقية الاستثمار، حيث منحت امتيازات قانونية واقتصادية تحفيزية للاستثمار في هذه المناطق، ونشير هنا إلى أن المشرع نظم العقار الصناعي في هذه المناطق على شكل نوعين رئيسيين من المناطق هما:
-مناطق مطلوب ترقيتها: Z.A.P “Zones à promouvoir ”
-مناطق التوسيع الاقتصادي: Z.E.E “Zones d’expansion économique”
حيث يمكن حصر الامتيازات في إطار الاستثمار صناعيا، في هذين النوعين من المناطق، وخاصة تلك المتعلقة بالعقار، والتي تتمثل أساسا في امتياز الإعفاء من الضريبة على نقل الملكية بمقابل، أي شراء عقارات معينة للاستثمار فيها، كما اعفي المستثمر من دفع الرسم العقاري على الملكية ابتدءا من تاريخ الحصول عليها ولمدة 05 سنوات وأقصاه 10سنوات.
غير أن الحدود القانونية والجغرافية للمناطق المطلوب ترقيتها ومناطق التوسع الاقتصادي، استوجب على المشرع تنظيمها في المرسوم التنفيذي رقم 94/321 المؤرخ في 17 أكتوبر 1994، المتضمن تطبيق أحكام المادة 24 من قانون 93/12 المذكور أعلاه، حيث حدد شروط المناطق الخاصة وضبط حدودها في إطار تطبيق القوانين والتنظيمات المعمول بها في مجال التهيئة والتعمير، كما هي مبنية بدقة في القانون رقم 87/03 المؤرخ في 27 جانفي 1987، المتعلق بالتهيئة العمرانية، لاسيما المادة 15 منه، فبالنسبة للمناطق المطلوب ترقيتها نستنتج أن قانون 93/12 لم ينشئها لأول مرة، وإنما أكد وجودها لدعم لاستثمار بها ضمن المناطق الخاصة.
1/المناطق المطلوب ترقيتها
استجابة لحاجيات الاستثمار، وفي إطار المرسوم التشريعي 93/12، الذي أحال تكوين مناطق المطلوب ترقيتها وضبط حدودها إلى المرسوم التنفيذي رقم 91/321 المؤرخ في 14 سبتمبر 1991 مع احترام شروط المادة 51 من القانون رقم 87/03 المتعلق بالتهيئة العمرانية، تبين أن المناطق الواجب ترقيتها تتكون من البلديات التي تحدد قائمتها وتراجع عند الاقتضاء بقرار مشترك من السلطة المكلفة بالتهيئة العمرانية والسلطة المكلفة بالجماعات المحلية والمالية، وبعد استشارة السلطات المحلية، وعلى أساس المقاييس التي تعكس الضوابط الديموغرافية، المادية، الاجتماعية، الاقتصادية والمالية للبلديات، المذكورة حسب المعايير التالية:
1- المميزات الديموغرافية:
2- المميزات المادية المتعلقة بالموقع الجغرافي: وتنحصر أساسا في الجنوب، السهول، الهضاب العليا، والمناطق الجبلية، بالإضافة إلى المناطق الحدودية.
3- المميزات الاجتماعية، الاقتصادية أو درجة التجهيز.
4- المميزات المالية: تتمثل أساسا في إحصاء الموارد المالية لكل بلدية، نسبة الاستثمارات
وفي هذا الإطار نجد أن المشرع بواسطة بحكم المرسوم، المذكور أعلاه، استغنى عن المفاهيم الخاصة المذكورة في كثير من القوانين المالية السابقة لصدوره، فأدمج مفهوم “المناطق المحرومة”، “مناطق الجنوب”، “مناطق اقصى الجنوب”، “المناطق المعزولة”، “المناطق الواجب تنميتها”، في مفهوم واحد هو :
 
المناطق التي يجب ترقيتها Z.A.P ، وبهذه الصفة يمكن للدولة أن تقدم مساعدتها للبلديات المطلوب ترقيتها عن طريق إحداث أنشطة تتولد عنها مناصب شغل، ومن خلال ما يلي على الخصوص:
– تدعيم اقتناء الأراضي لتتخذ كمواقع لاستقبال الاستثمارات.
– مساعدة البلدية في انجاز منشآت أساسية للإنتاج، كمشاريع استثمارية صناعية…الخ.
2 / مناطق التوسع الاقتصادي
“Zones d’expansion Economique ”
يقصد بمناطق التوسع الاقتصادي ، الفضاءات أو الأراضي الجيواقتصادية، التي تنطوي على خصائص مشتركة من التجانس الاقتصادي و الاجتماعي متكاملة، و تزخر بطاقات من الموارد الطبيعية البشرية، أو الهياكل القاعدية، و التي يجب تجميعها و الرفع من قدراتها ، كي تكون كفيلة بتسهيل إقامة الأنشطة الاقتصادية لإنتاج السلع و الخدمات و تطويرها .
1/ المناطق الحرة
إن المناطق الحرة هي مناطق مساحتها مضبوطة، وتمثل الأملاك الوطنية العمومية للدولة، وتمارس عليها أنشطة صناعية وخدماتية وتجارية، وذلك طبقا للشروط المقررة قانونيا ووفقا لأحكام المرسوم التنفيذي رقم 94/321 المؤرخ في 17 أكتوبر، والمتضمن المناطق الحرة.
وتحدث المناطق الحرة بموجب مرسوم تنفيذي صادر عن رئيس الحكومة وبناءا على اقتراح من وزير المالية باعتباره المسئول الأول عن الأملاك الوطنية للدولة، كما تحدد الأنشطة موقعها الجغرافي وحدودها وقوامها ومساحتها، وعند الاقتضاء تحدد الأنشطة التي يسمح أن تمارس فيها، ويمكن أن يشمل العقار الذي يقع عليه أساس المنطقة على مطار أو ملك وطني مينائي، أو يقع بالقرب من ميناء أو مطار أو منطقة صناعية إذا كان نشاطها صناعي.
فإذا تضمنت المنطقة الحرة كليا أو جزئيا ميناء أو مطار، فإن التشريع والتنظيم المعمول به في مجال الأملاك الوطنية والأنشطة المينائية أو المطارية، يبقى هو المطبق عليها، ولاسيما فيما يخص المهام المرتبطة بممارسة صلاحيات السلطة العامة، علما أن جميع الأملاك العقارية، “أراضي ومباني”، والتي تشمل عليها المنطقة الحرة هي أملاك وطنية عمومية للدولة، حسب الشروط المحددة وفقا للمادة 13 من القانون رقم 90/30 المؤرخ في 01 ديسمبر 1990 المتضمن قانون الأملاك الوطنية، هذه الحالة التي تطرح إشكالا كبيرا من حيث طبيعة حق التملك، أو اكتساب الملكية العقارية في المنطقة الحرة عن طريق عقد امتياز، وبموجب اتفاقية، باعتبار أن الأملاك الوطنية العمومية غير قابلة للاكتساب أو التنازل أو الحجز عليها، الأمر الذي يشكل صعوبة قانونية في تكيف طبيعة التصرف العقاري الواقع في هذه المنطقة.
///////////////

شاهد أيضاً

إنهاء الرابطة الزوجية في القانون الجزائري

لقد لاحظنا أن أغلب الناس تجهل طرق فك الرابطة الزوجية في قانون الأسرة الجزائري أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *