آثار عقد الترخيص
الترخيص للغير في الاستفادة من الاختراع موضوع البراءة، لا يخرج عن كونه عقد يلتزم بموجبه صاحب براءة الاختراع بالسماح لشخص آخر استثمار الاختراع موضوع البراءة لمدة معينة لقاء أجر معلوم، لذلك عدّ البعض عقد الترخيص نوعا من الإيجار، لأنّه بمثابة تنازل صاحب البراءة عن الانتفاع بحق استثمار الاختراع إلى المرخص له.
يرتب عقد الترخيص التزامات متقابلة في ذمة أطراف العقد بناء على طبيعته و محله، فإن كان الترخيص الاختياري وسيلة في يد المخترع للاستفادة من اختراعه بواسطة الغير و هذا بسبب نقص الإمكانيات لديه لاستغلاله بنفسه إلا أنه يرتب جملة من الالتزامات.
توجد التزامات مهمة بذمّة المالك الذي يعد مؤجرا في عقد الترخيص تتمثل بالتزام المالك بعدم المنافسة، و كذلك التزامه بضمان العيوب الخفية و بضمان التعرض و الاستحقاق .
يلتزم مالك براءة الاختراع بالاستغلال الفعلي لاختراعه خدمة للمجتمع وهذا بمثابة المقابل لاستئثاره باستغلال هذه البراءة، لكن حق مالك براءة الاختراع في استغلال اختراعه ليس كأي حق آخر بل هو في نفس الوقت واجب عليه مراعاة لمصلحة المجتمع ولذلك فإن واجب استغلال الاختراع هو أساس منح البراءة.
أولا : التزامات المرخص ( المالك )
لصاحب البراءة دون غيره الحق في استغلال الاختراع في جميع ربوع التراب الوطني وبكافة الطرق التي يراها مناسبة، ويثبّت له الحق في الاستغلال منذ تقديم طلب البراءة، لكن متى قام المخترع بإبرام عقد ترخيص استغلال الاختراع وجب عليه الالتزام بالضمان و الالتزام بنقل المعرفة الفنية إلى جانب التزام المالك بعدم المنافسة.
1 – الالتزام بالضّمان :
يشمل عقد الضّمان التزام المالك ( المرخص ) بضمان العيوب الخفية و كذلك التزامه بضمان التعرض و الاستحقاق و يعتبر الالتزام بالضّمان من أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المرخص ذلك أنه على المخترع تمكين المرخص له من الانتفاع بالبراءة على أكمل وجه فيمتنع المرخص عن القيام بأي عمل من شأنه أن يحول دون استعمال المرخص له لتلك الحقوق التي يحددها عقد الترخيص .
أ- ضمان العيوب الخفية :
ضمان العيوب الخفية يعني على المرخص القيام بتسليم المعرفة الفنية كمحل في هذا العقد بكامل عناصره خالية من أية عيوب ، فإذا ظهر أي عيب من العيوب في عقد نقل التكنولوجيا فإن المرخص يكون قد سلم شيئا غير مطابق لما تم الاتفاق عليه ، حيث أن تحقيق نتيجة يرتبط إيجابا أو سلبا بصلاحية المعرفة الفنية لتحقيق النتيجة .
ينصب ضمان العيب في عقد الترخيص على العيوب المادية، مثل مخاطر الاستغلال أي تعذر الحصول على النتيجة الصناعية المرجوة من الاختراع، فيلتزم المرخص بتعويض الضرر إضافة إلى حق المرخص له بالمطالبة بالفسخ نتيجة لإخلال المالك بالتزامه، ويتعدى ضمان المخترع أو خلفه إلى تعويض الأضرار التي تلحق بالغير نتيجة لاستخدام الاختراع .
ب- الالتزام بضمان التعرض و الاستحقاق:
يجب على المرخص أن يضمن للمرخص له عدم التعرض سواء منه شخصيا أو من الغير ، فيمتنع المرخص من القيام بأي عمل يؤثر في الانتفاع الهادئ للمرخص له، أو قد يحد كليا أو جزئيا من استعمال المرخص له للحقوق التي يحددها العقد، و يترتب أيضا على المرخص أن يتصدى لحالة التعدي من الغير على محل العقد، أي حق من حقوق الملكية الفكرية التي يتضمنها العقد، كأن يقوم الغير باستعمال براءة الاختراع ، ففي هذه الحالة يجب على المرخص القيام باتخاذ كافة الإجراءات القانونية لرد هذا التعدي .
كما يضمن المرخص الاستحقاق بمعنى يضمن انه صاحب الحق في ملكية البراءة ، و أنها غير مقلدة، فإذا ثبت عدم ملكية المرخص للبراءة تقوم مسؤوليته و يكون من حق الطرف الثاني في العقد و هو المرخص له حق طلب فسخ العقد و استرداد كافة المبالغ التي دفعها بما في ذلك حق طلب التعويض .
2 – الالتزام بنقل المعرفة الفنية :
نجد أنّ أي مخترع في مجالات المشروعات المنتجة للتكنولوجيا لا يقوم بتسليم جميع المعلومات موضوع البراءة ، و تبقى سرية رغم أن قوانين الملكية الصناعية تشترط وجوب الإفصاح عن جميع الأسرار، حيث يصبح من الصعب اليوم استغلال أي براءة اختراع اعتمادا على البيانات الواردة في البراءة و بدون مشاركة من مالك البراءة و حائز المعرفة الفنية السرية.
يجب على صاحب البراءة و قد اتجهت إرادته للترخيص لغيره بالاستغلال أن يوضح للمرخص له بكل دقة و تفصيل دقائق الاختراع و الظروف المناسبة للحصول على أكبر إنتاج و بأحسن كيفية.
و من خلال هذا نجد أن للإفصاح دور كبير من خلال تمكين الغير من تنفيذ الاختراع و تحقيق إمكانية متابعة الانجازات المتلاحقة في المجال العلمي و التكنولوجي مع سهولة دراسة العناصر الجديدة و هذا ما يزيد من سرعة عجلة التقدم التكنولوجي .
3 – التزام المخترع بعدم المنافسة :
يعد التزام المالك بعدم المنافسة من أهم التزامات مالك الاختراع و الذي يتميز به عن عقد الإيجار في القواعد العامة، فهل يلتزم المالك تلقائيا بعدم المنافسة دون حاجة إلى نص بالعقد ؟
الحقيقة أن القضاء و الفقه الفرنسيان مختلفان بهذا الشأن، فذهب بعضهم إلى أن عدم وجود نص صريح يلزم المالك فإن عدم المنافسة تقتصر على حقه في التنازل عن حق الاستغلال للغير ، أما هو فيبقى له الحق في استغلال الاختراع باعتباره ما زال مالكا لحق احتكار الاختراع ، فهذا الحق لا ينفذ بمجرد التنازل عن حق الاستغلال ، في حين ذهب اتجاه آخر إلى رفع يد المخترع في استغلال الاختراع ما دام أنه لم يشترط في عقد الترخيص .
بالرجوع إلى قانون براءات الاختراع الجزائري لا نجد أي نص يلزم المالك بعدم منافسة المرخص له وأساس هذه الفكرة هو أن المخترع هو الشخص الوحيد الذي يملك حق احتكار و استغلال براءة الاختراع و منع استعمال الغير لها طوال مدّة الحماية.
و يجب الإشارة إلى أن فكرة عدم منافسة المرخص له للمالك قد تطرح في الترخيص العادي ( البسيط) أو في عقد الترخيص الوحيد و عليه فإن طريقة استغلال الاختراع و عدم منافسة المرخص له للمالك يجب أن تدرج في بنود العقد ، لكن لا يجوز للمرخص منافسة المرخص له في استغلال الاختراع إذا كان الترخيص استئثاريا ( حصري ) أو إذا كان التنازل عن حق الاستغلال تم دون قيد أو شرط في عقد الترخيص ـ أما إذا أراد المرخص غير ذلك فله أن يشترط ذلك صراحة في العقد ، وإلا عد ذلك من قبيل المنافسة الغير مشروعة .
كما لا يجوز للمالك أن يفرض شروط تعسفية تحد من استغلال الاختراع و هذا ما نصت المادة 37/2 من الأمر 03/07 ” تعد باطلة البنود الواردة في العقود المتصلة بالرخصة إذا فرضت على مشتري الرخصة ، في المجال الصناعي أو التجاري ، تحديدات تمثل استعمالا تعسفيا للحقوق التي تخولها براءة الاختراع بحيث يكون لاستخدامها أثر مضر على المنافسة في السوق الوطنية ” واضح أن المشرع أراد حماية المرخص له من أي شرط تعسفي الغرض منه عرقلة استغلال الاختراع بشكل يضر المنافسة في السوق الوطنية مما يؤدي إلى إلحاق ضرر بالمستهلك .
ثانيا : التزامات المرخص له
يلتزم المرخص له بالتزامات أساسية و هي:
1- القيام باستغلال الاختراع مدة الترخيص:
إن منح مالك البراءة حقا استئثاريا على اختراعه يعني منع الغير من استغلال البراءة ولكن شريطة قيام مالك البراءة باستغلال اختراعه فعلا.
منحت معظم التشريعات صاحب البراءة حق احتكار أو استغلال ابتكاره أو اختراعه ، مما ترتب عليه امتناع الغير عن التدخل أو تعطيل هذا الحق، و مع ذلك فإن المشرع في معظم الدول لم يفرق بين صاحب البراءة و المرخص له بالاستغلال تشجيعا للمخترع على البدء في استغلاله ، و ينحصر محل الالتزام في موضوع البراءة ، فإذا اخل صاحب البراءة أو من صدر له الترخيص بالاستغلال بهذا الالتزام فإنه أجيز انتزاع البراءة من صاحبها ، و تخويل من طلبها في القيام باستغلالها ، و تشمل حالات تخويل الغير استغلال البراءة إجباريا إذا ما تبين أن صاحب البراءة لم يقم باستغلالها أو أنه استغلها دون تحقيق الهدف الذي من أجله صدرت البراءة ألا و هو خدمة المجتمع و البلد الذي صدر فيه الاختراع .
يستغل المرخص له جميع الحقوق التي له بموجب عقد الترخيص، فقد ينص على استغلال البراءة بصورة استئثارية ، فيصنع و يبيع، و قد يتضمن العقد حق التصنيع دون البيع أو صنع السلعة وفقا لحاجة منشأة المرخص له .
الأصل أن المرخص له يستغل الاختراع شخصيا لأن عقد الترخيص من عقود الاعتبار الشخصي، و تراعى فيه صفات المرخص له و قدرته المالية و الفنية ضمانا لنجاح الإنتاج، فلا يجوز للمرخص له أن يعقد ترخيصا من الباطن.
كما يلتزم باستغلال البراءة بصورة فعلية و جدية ، و بنية حسنة لأنه يجب أن يكون عقد الترخيص مؤسسا على ثقة متبادلة بين صاحب البراءة و المرخص له ، لذا يقوم الأول في أغلب الأحيان بتبليغ كل ما لديه من معلومات و مهارة لمساعدة المرخص له في استثمار الاختراع ، و العكس صحيح ، إذ يجب اعتبار المرخص له ملزما بتبليغ التحسينات التي ينجزها على البراءة ، و لابد من الإشارة إلى أن عقود الترخيص تتضمن في معظم الأحوال شروط خاصة بنوعية الإنتاج و كميته من أجل إلزام المرخص له بتحقيق حد أدنى من الإنتاج ، و يتعرض المرخص له في حالة عدم استغلال البراءة او استغلالها بصورة غير كافية ، لفقدان حقه على البراءة ، كما يتعرض لفسخ العقد لعدم تنفيذ التزاماته التعاقدية
2 – دفع البدل المتفق عليه :
يعطي مالك البراءة للغير الحق في الاستفادة من الاختراع موضوع البراءة، بموجب عقــد ترخيص، يلتزم بموجبه صاحب براءة الاختراع بالسماح لشخص آخر استثمار الاختراع موضوع البراءة لمدة معينة لقاء أجر معلوم.
الترخيص باستغلال البراءة يمكن أن يتم الترخيص باستغلالها جزئيا أو استغلالها كليا، و يمكن أن يكون المقابل مبلغا ماليا يدفع دفعة واحدة ، و يمكن أن يكون عبارة عن نسبة من العائدات الناتجة عن الاستغلال.
ينطوي الالتزام بدفع الثمن على أنه قد تم الاتفاق عليه ، كما هو الحال دائما في عقود نقل التكنولوجيا و يتحدد الثمن بصفة عامة ، منذ البداية عند مرحلة المفاوضات ، و تكون قيمة المبلغ المتفق عليه جزافيا ، مع التحفظ بصدد دور شرط ربط تغيرات الأسعار أو شرط تغيير سعر الصرف .
يلتزم المرخص له بدفع مبلغ إلى المرخص لقاء الترخيص وفق الطريقة المبينة في العقد. ، و نادرا ما يتم الاتفاق على أن يكون مبلغا إجماليا ، فمثل هذا الاتفاق الأخير ليس في مصلحة صاحب البراءة ، لأن البراءة الجيدة تأتي بدخل كبير يزداد بزيادة الوحدات المبيعة و تزايد إقبال الجمهور على شرائها ، كذلك هي ليست من مصلحة المرخص له ، فالبراءة غير الجيدة لن تكون مبيعاتها كثيرة مما يلحق ضررا بالمرخص له.
3 – الالتزام بعدم تصدير الاختراع :
من حق المرخص اشتراطه عدم تصدير المنتجات إلى مناطق سبق له منح امتياز قصر توزيعها لمتعاقدين معه ، إذ يترتب على تصدير المرخص له لهذه المنتجات بتلك المناطق مسؤولية في مواجهة أصحاب امتياز القاصر عليهم ، كما قد يكون اشتراط ثمن محدد للمنتجات محل العقد ، و هذا ما يهدف لحماية مصلحة المستهلكين و ذلك بمنع المرخص له من رفع الأسعار .
4- عدم جواز التنازل للغير بالاستغلال
من حق المرخص له اشتراط عدم التنازل للغير بالاستغلال ، و هذا ما يسمح له بحق الحصرية في استغلال الاختراع محل البراءة خاصة إذا كان للاختراع قيمة اقتصادية كبيرة ، فلا يجوز للمرخص أن يقوم بإبرام عقود تراخيص مع أطراف أخرى.
تابع ..
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة