كما أباح المشرع للزوج أن يوقع الطلاق إذا دعت الحاجة إليه، أباح للزوجة أيضا حق الانفصال عن زوجها إن هي كرهته ولم تطق العيش في كنفه لكن لا تستحق ذلك إلاّ عن طريق القضاء، وقد أجاز قانون الأسرة في مادته 53 الحق للزوجة في طلب التطليق بإرادتها المنفردة وهذا إنصافا لها ورفعا لكل ظلم عليها وأنّ الحالات المذكورة في المادة السابقة هي على سبيل الحصر، كما خول لها مسلك آخر قد تلتجئ إليه لتقتدي به نفسها وتتخلّص من الرابطة الزوجية التي أصبحت لا تطاق ولدى المذهبين المالكي والحنفي فإنّ الغاية من الخلع هو إزالة الضرر الواقع على الزوجة.
مفهوم الخلـــع
المشرع الجزائري لم يتطرق إلى تعريف الخلع إلا أنه نص عليه في المادة 54 من قانون الأسرة بقوله:” يجوز للزوجة أن تخالع نفسها من زوجها على مال يتم الاتفاق عليه فإن لم يتفقا على شيء يحكم القاضي بما لا يتجاوز قيمة صداق المثل وقت الحكم “، ولذلك يستوجب علينا الرجوع إلى مبادئ الفقه الإسلامي طبقا لأحكام المادة 222 ق.أ بحيث يعرف الخلع في الشريعة الإسلامية بأنه ” إزالة عقدة النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو في ما معناه “، كما عرفه خليل في مختصره بأنه ” الطلاق بعوض ” ، وقد عرفه الفقهاء بأنه فراق الرجل زوجته ببدل يحصل له ويرون أنه لابد في الخلع أن يكون بلفظ الخلع أو بلفظ مشتق منه أو لفظ يؤدي معناه مثل المباراة و الفدية، كما قد عرفه ابن حزم الظاهري بأنه “هو الافتداء إذا كرهت المرأة زوجها، فتخاف أن لا توفيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها، فلها أن تفتدى منه ويطلقها إن رضي هو وإلا لم يجبر هو وإلا أجبرت هي، وإنما يجوز بتراضيهما “، وقد عرفه الفقهاء المسلمون بأنه عبارة عن عقد اتفاقي وثنائي الأطراف ينعقد عادة بعرض من الزوجة لمبلغ من المال المعلوم المتقوم شرعا مقابل طلاقها وبقبول صريح من الزوج لهذا العرض وللطلاق ويمكن أن يكون بعرض من الزوج وقبول من الزوجة ” .
طبيعته القانونية :
لم يتعرض المشرع الجزائري لمسألة الخلع بالتفصيل ولا لطبيعته القانونية تاركا هذه الأمور لمبادئ الفقه الإسلامي التي تعتبر المصدر التفسيري له تطبيقا لنص المادة 222 ق.أ فالخلع في رأي الفقه يعد من المعاوضات لأنه ينعقد بإيجاب وقبول ولكن الاعتبار فيه يختلف بالنسبة للرجل والمرأة ولذلك فالتكييف القانوني له هو كالطلاق على مال فيعتبر يمينا في جانب الزوج لأنه علق طلاقها على شرط قبولها المال ويعتبر معاوضة من جانب المرأة لأنه شبه بالتبرعات بحيث تدفع له مبلغ من المال في مقابل افتداء نفسها من رابطة زوجية أصبحت لا تطيقها .
وتجدر بنا الإشارة إلى أنه وقبل التطرق إلى شرح كونه يمين أو معاوضة أن نفرق بين مفهومين كثيرا ما يتم الخلط بينهما وهما الخلع والطلاق بالتراضي.
فالخلع يشبه الطلاق بالتراضي إلا أنهما يختلفان في كون أن الأول يكون طلاق رضائي مقابل مال تدفعه الزوجة إلى زوجها أي هو طلاق بعوض أو طلاق على مال في حين أن الثاني يتم بموافقة الزوجين ولكن بدون مقابل.
أحكـــــــــام الخلع
1-شروطه
إن المشرع الجزائري لم يتعرض إلى الشروط الواجب توفرها لصحة الخلع مكتفيا بالإشارة إلى جواز الطلاق بالخلع مقابل مال يتفق عليه الزوجان وفي حالة عدم اتفاقهما يحدده القاضي بما لا يتجاوز قيمة صداق المثل الأمر الذي يتعين معه الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، ولهذا يشترط لصحة الخلع توفر الأهلية القانونية لكل من الزوجين وأن تكون هناك علاقة زوجية قائمة بينهما بالإضافة إلى أن يكون الخلع مقابل مال.
أولا : بالنسبة للزوج :
فيجب أن يكون راشدا عاقلا وأهلا للتصرف في ماله بحيث لا يمكن للصغير والمجنون أن يخالع زوجته لأنه في حكم فاقد الأهلية بحيث يشترط فيه أن يكون بالغا واحد وعشرين سنة (المادة 7 ق.أ) إلا أنه يمكن للقاضي أن يجيز الخلع قبل بلوغ هذا السن إذا وجدت مصلحة في ذلك وهذا أخذا بالمذهب المالكي القائل ” من لا يملك الزواج إلا بإذن لا يملك الطلاق إلا بإذن”.
بينما السفيه فيمكنه أن يطلق لأنه محجور عليه في التصرف المالي فقط ومن ثم فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز خلعه لصحة طلاقه لكن إذا سلم العوض إلى السفيه بدون إذن ولي فهو بمثابة دين لم تبرأ الزوجة منه.
أما بالنسبة للزوج المريض مرض الموت فإنه إذا خالع زوجته فإن الخلع ينفذ والعوض يلزم وذلك حسب اتفاق الفقهاء.
ثانيا: بالنسبة للزوجة :
فيشترط فيها أن تكون متمتعة بأهلية التبرع (المادة 203 ق.أ) بحيث إذا لم تبلغ سن الرشد المنصوص عليه في المادة 40 ق.أ فلا يلزمها بدل الخلع إلا إذا وافق وليها على ذلك لأن الخلع بالنسبة لها هو في حكم المعاوضة الشبيهة بالتبرع ومن ثم فلا يصح للصغيرة أو المجنونة أو السفيهة أن تخالع زوجها بمال.
أما عن جواز إختلاع الأب على ابنته الصغيرة فالجواب إذا اختلعها بمالها أو بمهرها وقع الطلاق ولا يلزمها بشيء كما لا يلزم الأب بشيء، أما إذا اختلعها بماله فإنه يصح الخلع ويلزم المال، أما إذا خالع الأب ابنته البالغة فيقع الخلع موقوفا على اجازتها ويجوز الخلع إذا خالعها من ماله، وإن خلع المحجور عليها لسفه أو جنون لا يلزم به مال، ولكن يقع به الطلاق رجعيا هذا إذا كان مدخولا بها و بائنا إذا لم يكن مدخولا بها.
وهنا يثار إشكال بخصوص خلع المرأة التي تكون قد بلغت الثامنة عشر فهي قاصرة فالقانون يعتبرها غير قادرة على إدارة أموالها وفي هذا يرى الدكتور ” محمد أبو زهرة ” أنها تعامل معاملة السفيه في خلعها، أما بالنسبة لخلع الزوجة المريضة مرض الموت فهو مقبول وتكون ملزمة ببدل الخلع لأنها أهل لجميع التصرفات المالية.
ثالثا: قيام الرابطة الزوجية :
حسب المادة 54 من ق.أ فإنه يشترط القانون لكي تخالع الزوجة زوجها لا بد أن يكون هناك زواج شرعي وقانوني صحيح سواء أكان قد سجل في سجلات الحالة المدنية أم لم يسجل لكن لا يقبل الحكم بالخلع إلا بعد تسجيل عقد الزواج.
فلو كان الزوج مثلا أجنبيا عن الزوجة أو لا تربطه به علاقة زواج فلا يصح أن تخالعه ولا يمكن حصول هذا الخلع إطلاقا، والعلاقة الزوجية القائمة حكمها كتلك القائمة حقيقة فلو كانت الزوجة في عدتها من طلاق رجعي فلا مانع من مخالعة نفسها من زوجها لأن الطلاق الرجعي لا تزال فيه الرابطة الزوجية قائمة من جهة وملكية الإستمتاع لم ترتفع من جهة أخرى، أما في حالة ما إذا كانت الرابطة الزوجية فاسدة طبقا لنصوص المواد 32 إلى 34 ق.أ فلا يقع الخلع.
رابعا : بدل الخلع :
مقابل الخلع هو ما تقدمه الزوجة إلى زوجها مقابل طلاقها ويجوز أن يكون مقابل الخلع بكل ما صح أن يكون صداقا من نقود أو غيرها المهم أن يكون مباح شرعا (المادة 14 ق.أ)، وهذا المقابل يمكن أن يكون من النقود والأوراق المالية المتداولة داخل الوطن كما يمكن أن تكون من النقود والأوراق المالية المتداولة خارج الوطن ، وقد يكون أشياء مقومة بمال كالذهب بشرط أن يكون الشيء موجودا وقت عرضها للإيجاب وقد يكون شيء مستقبلي (المادة 92 ق.م) ويجب أن يكون الشيء مقابل الخلع معينا أو قابل للتعيين (المادة 94 ق.م) وأن يكون مشروعا وغير مخالف للنظام العام والآداب العامة (المادة 96 ق.م).
ويلاحظ أنه لا يصح بدل الخلع في حالتين:
1)-إذا كان المسمى مالا غير متقوم فإذا سمت الخمر مثلا على أنه بدل خلع فإن خالعها على ذلك وقع الطلاق ولم يثبت البدل لأن المسلم ليس له أن يطالب بالخمر إذا هو في حقه غير متقوم.
2)-إذا شمل بدل الخلع اعتداء على حق الصغير فإذا كان بدل الخلع أن يبقى الولـد تحت يدها إلى أن يبلغ ولو تجاوز سن الحضانة فإن كان ذكرا لا يصح هذا البدل وإن كانت أنثى يصح لأن بقاءها في يد أمها حتى تبلغ ليس فيه ضرر لها.
إذن فالخلع قد شرع لمصلحة الزوجة بناء على عرض أحد الزوجين وقبول الآخر مقابل مال تدفعه للزوج يتفقان على مقداره في جلسة الحكم وفي حالة عدم الاتفاق على ذلك يتدخل القاضي لحسم الخلاف القائم وذلك بتحديده شريطة أن لا يتجاوز مقدار صداق المثل وقت الحكم.
وفي هذا الشأن صدر قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 22/04/1985 جاء فيه ” من المقرر فقها أنه في حالة الإتفاق بين الزوجين على مبدأ الخلع والاختلاف على مقداره فإن أمر تقديره يعود لقاضي الموضوع، باعتبار أن ذلك يعتبر اتفاقا على مبدأ الطلاق بخلع ومن ثم يتعين على القاضي تقدير قيمة الخلع ثم الحكم بالطلاق وتأكيدا لهذا المبدأ يستوجب نقض القرار الذي يقضي برجوع الزوجة لمحل الزوجية إذا طلبت الطلاق بخلع على مقدار صداقها واشتراط الزوج خلعا قدره 50 ألف دج، رغم انصراف إرادة الطرفين إلى الطلاق بخلع وطلبــها له معا ” .
كما يجب أن نشير إلى أنه لا يسقط مقابل الخلع النفقة الواجبة على الزوج في حالة العدة ولا يجوز الخلع على أن تتنازل الزوجة عن حضانة ولدها لأبيه لأن هذا الحق للولد وبقاؤه عند أمه أنفع له.
وقد طرح إشكلان يتعلق بمدى اشتراط رضا الزوج في الخلع من عدمه ؟
وهنا قد انقسم موقف المحكمة العليا في هذه المسألة إلى اتجاهين :
الاتجاه الأول:
يرى بأن الخلع لا يكون صحيحا إلا إذا رضي الزوج به وهناك قرارات عديدة للمحكمة العليا تشترط رضا الزوج حتى يقع الخلع ومنها القرار المؤرخ في 21/12/1988 جاء فيه “من المقرر فقها وقضاءا أن قبول الزوج للخلع أمر وجوبي وأنه ليس للقاضي سلطة مخالفة للزوجين دون رضا الزوج ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد مخالف لأحكام الفقه وبما كان من الثابت في قضية الحال أن المطعون ضدها طلبت التطليق ولم يكن لها سبب أظهرت إستعدادها لمخالفة زوجها دون أن يحدد ذلك قبول من هذا الأخير فإن القضاء بتطليق المطعون ضدها على سبيل الخلع يعد خرقا للقواعد الفقهية الخاصة بالخلع ومتى كان كذلك إستوجب نقض الحكم المطعون فيه دون إحالة ” .
نفهم من خلال هذا القرار أنه كان يشترط لصحة الخلع رضا الزوج أي بمفهوم المخالفة أنه إذا لم يرض الزوج بذلك فلا يقع الخلع رغم أن الزوجة أصبحت لا تطيق العيش معه وهذا غير منطقي لأن الخلع شرع أصلا لمصلحة الزوجة في صورة رخصة وذلك لتمكينها من طلب التطليق من الزوج الذي أصبحت لا تحتمله وخافت من أن تقع في الحرام.
الاتجاه الثاني :
يرى عكس ذلك بحيث لا يشترط لصحة الخلع رضا الزوج وإنما يكفي عرض الزوجة لمقابل الخلع وفي هذا الشأن صدرت عدة قرارات عن المحكمة العليا تقضي بذلك منها القرار المؤرخ في 21/11/2000 الذي جاء فيه ” المبدأ: أن قبول الزوج لمبدأ الخلع أو المبلغ الذي يطلبه غير مشروط قانونا وذلك منعا للابتزاز والاستغلال بين الزوجين ” .
وفي نفس السياق صدر قرار آخر جاء فيه ” إن الخلع يحكم به القاضي دون اشتراط رضا الزوج وعند الاختلاف في مبلغ التعويض يحكم القاضي بما لا يتجاوز صداق المثل ”.
يفهم من خلال هذين القرارين بأن المحكمة العليا تراجعت عن موقفها السابق وأصبحت لا تشترط لصحة الخلع رضا الزوج فبمجرّد أن يتفقا الطرفين على الخلع فإنه يقع، وفي حالة عدم اتفاقهما على المبلغ المالي فإنه يجوز للقاضي المطروحة عليه القضية أن يتدخل لتقديره على أن لا يتجاوز قيمة صداق المثل.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة