تسترجع ولاية تلمسان هذه الأيام وعلى غرار باقي ولايات الوطن الـذكرى الــ 61 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة التي كانت مصدرا من مصادر الفكر الثوري في العالم وعاملا من العوامل التي شجعت وتشجع على المقاومة والكفاح من أجل انعتاق الإنسان وتحريره في العالم، حيث يسترجع الجزائريون ذاكرتهم إلى سنوات مضت، ليسترجعوا تضحيات مجاهدي الثورة الذين قاوموا الإستعمار وغامروا بحياتهم للثأر من مجازر الفرنسيين ضد الأبرياء من الأطفال والنساء، لتكون تلك المبادرة كبداية لاستقلال الجزائر بعد مرور سنوات من تضحيات الأبطال.
هي ثورة حاول المجاهدون من خلالها مساعدة إخوانهم المدنيين بجميع الفئات للثأر للمجازر التي ارتكبت بأبشع الطرق بأيادي الجنود الفرنسيين الذين لايملكون لا ضمير ولا رحمة، فلم يسلم منهم الأبرياء من المواطنين، حيث قاموا بتعذيب النساء والأطفال بطرق وحشية تخالف حقوق الإنسان بإقتحام منازلهم ليقتلوا برصاص المستعمر دون أن يرتكبوا أي ذنب سوى أنهم أرادوا أن يبقوا سالمين بكل حرية على أرضهم، هذا ما حرّك غريزة حب الوطن والثأر لدى أبناء الجزائر في هذا اليوم الموافـق لـلفاتح نوفمبر، ليقاوموا عدوانهم ويخلصوا هؤلاء الأبرياء من أياديهم، وبالرغم من أنهم لم يملكوا أسلحة متطورة كالمستعمر إلا أنهم حاولوا تحرير وطنهم بتفجير تلك الثورة الشعبية بقدراتهم البسيطة، ليشارك فيها رجال الثورة من المدنيين الذين جندوا أنفسهم للانضمام إلى صفوف المجاهدين الأبطال ليضحوا بحياتهم، حتى وإن كان الثمن أن يموتوا شهداء في سبيل الثأر لدماء الأبرياء في تلك المجازر، ولا يقتصر الأمر على تعاون رجال الثورة مع المجاهدين بل أن النساء كانت لهن تضحيات لايستهان بها سواء في إنضمامهن للمجاهدين ومحاربة العدوان الفرنسي بكل شجاعة، فقد حاولن في تلك الفترة إخفاء ملامح أنوثتهن لإظهار قوة شخصيتهن أمام هؤلاء الجنود لينجحوا في مساعدة إخوانهن المجاهدين سواء بنقل أسلحتهم بالقفة أو إخفائهن في منازلهن، كما أن ربات البيوت في تلك الفترة قدموا يد العون بتقديم مجوهراتهن للمجاهدين ليتمكنوا من شراء الأسلحة اللازمة لمقاومة المستعمر.
الدكتور والمؤرّخ والمجاهد “محمد قنطاري”
غرائب…معجزات…وقدرات إلهية
تنقد مجاهدين في الغرب الجزائري
يقول الدكـتور والمؤرّخ “محمد قنطاري” في إحدى مؤلفاته التاريخية، إن هنالك الكثير من القصص والألغاز التي ميّزت الثورة وجعلتها فريدة من نوعها، وهي قصص تدخلت فيها القدرة والعناية الإلهية، كما اختلطت في كثير من المواقف منها النية الصافية للمجاهدين بالعقيدة التي كانت بسيطة في ذلك الوقت، فالنجاة من الموت في حدّ ذاته أكثر من مرة كان أمرا غريبا بل شديد الغرابة، ويذكر ذات المؤلّف أنه عايشه ثلاث مرات كاملة، لعل أقربها للذاكرة تلك الواقعة التي جعلته يزور خاله في تلمسان ليتصادف مع هجوم المظليين التابعين للجيش الفرنسي ويرى بأم عينيه خاله وهو يذبح ثم يهرب بقدميه من رصاصات العدو، وهناك وقائع كثيرة وغريبة هذه بعضها…
في مرّات كثيرة، وأثناء وقوع معارك ساخنة في العديد من المناطق الجبلية، ومن بينها جبل عصفور بتلمسان، كانت حيوانات الغابة تجد نفسها أسيرة لتلك المعارك، ومن أبرز تلك الحيوانات نجد الذئاب البرية، لكن الملاحظ أنها كانت في حصارها تلجأ إلى الجهة التي يتحصّن فيها المجاهدون لأنها كانت تطمئن لهم أكثر…ربّـما لأنها تعرف أنهم لا يقتلونها، أما الفرنسيون فكانوا يبحثون عن قتل تلك الذئاب لنزع جلودها وبيعها أو استعمالها.
ومن بين الغرائب أيضا أنّ العديد من الأفاعي السامة كانت تتقاسم كهوفها مع المجاهدين، خصوصا عـندما يهرب هؤلاء من أي زحف أو مطاردة للمستعمر، ولم تكن تلك الأفاعي السامة تمس المجاهدين بأي ضرر في مشهد غريب وعجيب، خصوصا عندما ينسحب الثوار بعدها لأن الأفاعي كانت تشل حركتها بشكل غريب عند قدوم الفرنسيين.
ومن الغرائب أيضا كان المجاهدون متخصّصون في اصطياد وطهي لحم الضباع ليس حبّا في مذاقها الذي قد يهرب منه الكثيرون، وقد يعافه الناس في الوقت الحالي، ولكن لأن المجاهدين كان لديهم تفكير ثوري حتى في الأكل والهدف الأساسي كان معرفتهم أن الكلاب البوليسية للجيش الفرنسي تعجز عن شم تلك النوعية من اللحوم…!
وهناك أيضا قصة مجاهد دخل مغارة في إحدى جبال المنطقة الغربية وتداولت قصته الكثير من الألسنة، حيث قيل إنه دخل بجلابته تلك المغارة ليختبئ فيها، والغريب أنه لم يتم اكتشاف أمره، لسبب بسيط لكن غريب، وهو أن الفرنسيين الذين اقتربوا من تلك المغارة لم يساورهم شك بوجوده فيها لأن ذئبا كان يحرسها خارجا وكانت عليها خلايا نحل، فقيل من المستحيل أن يدخلها، البعض أكد أن العناية الإلهية وحدها من أنقذت ذلك المجاهد…؟!
وفي مرّات كثيرة أيضا كانت الجمال (الإبل) أيضا تراوغ الطائرات، فقد نقل شهود عيان تصرفها عندما تقترب منها تلك المروحيات، وأحيانا للتمويه، حيث يجلس الجمل (يبرك) في مكانه، ونظرا لاقتراب تلك الطائرات الفرنسية من الأرض فإنها تصطدم في مرات عدة بالأشجار والحجارة، ما كان يفسر على أنه أخطاء عسكرية فادحة.
وفي كثير من المواجهات، كان المجاهدون يفاجأون من الضباب في أجواء صحوة، وكان الفرنسيون لا يتحملون تلك الحالات الجوية المضطربة، ليساعد الأمر كثيرا في إنقاذ العديد من المجاهدين بقدرة إلهية أيضا…
وذكر الدكتور والمؤرّخ التاريخي “محمد قنطاري” أن المجاهدين كانوا لا يغيّرون ملابسهم إلا مرّة أو مرتين في السنة ولا يستحمّون إلا نادرا وفي (أوقات الغفلة) خوفا من تحركات العدو، وهو أمر ما تزال الكثير من العقول تستقبله بالذهول والاستغراب لهذا الصمود الأسطوري، وأضاف ذات المتحدّث أنه اضطر في أحد الأيام لمقايضة شهادات ووثائق كانت بحوزة أحد الجنود مقابل قارورة خمر، خصوصا أن كثيرا من هؤلاء الجنود كانوا مغرمين بنبيذ ولاية معسكر وغيرها من ولايات غرب البلاد، فكانت القاعدة المستعملة هنا هي…شيء ينفعني مقابل شيء يضرك…؟!
“معـركة “تيانت” الأربعاء 18 أبريل 1956
ضدّ الجباروت الضابط “لابارب”
يعـود تاريخ معركة تيانت إلى عام 1956، هذه القرية الصغيرة الواقعة على بعد سبعة كيلومترات جنوبا على مدينة الغزوات ولاية تلمسان والتي تضمّ مجموعة من المنازل المتواضعة و المحفوفة بالبساتين والمزارع الغنية والمتنوعة بالخضروات، وقبل الدخول في عرض وقائع المعركة وأسبابها وتفاصيلها، يجـدر بنا أن نشير إلى أنّ هذه القرية كانت تابعة حسب التقسيم الإداري لجبهة التحرير الوطني إلى المنطقة الثانية الولاية الخامسة، وهي ولاية ذات إستراتيجية كبيرة لكونها تقع على الحدود مما يسهل حركة العبور والاتصال بالخارج وتعتبر هذه الولاية أكبر ولاية عسكرية من حيث المساحة، تعرّضت في تلك الآونة لعمليات تفتيشية متتالية قام بها العـدو قصد القضاء على الثورة في إطار العمليات الكبرى المعروفة وذلك بهدف الحد من نشاط وتحركات فصائل وكتائب جيش التحرير، بمحاصرة المنطقة وعـزل الشعب عن الثوّار، ولهذا عمدت السلطات الاستعمارية وعلى رأسها الجيش الفرنسي إلى القيام بحملات إتلاف المزارع والممتلكات والاستيلاء على المواشي وهتك الأعراض وهي خطّـة لمحاربة الثورة أسّس على إثرها الاستعمار فرق إدارية عسكرية متخصّصة يشرف عليها ضباط تلقوا تكوينا خاصا في هذا المجال، ومن بين هؤلاء الضباط المدعو “لا بارب” والذي كان متواجدا بالمنطقة حيث اشتهر بالتهتك والاعتداء على الأعراض والحرمات ومضايقة الأهالي بجبروته وعـتوّه أنه ظالم متعجرف ضنّ أنه الأقوى، ولهذا ضجّ الأهالي ضدّه بالشكوى إلى جيش التحرير الوطني من جراء أعماله الوحشية وتصرفاته اللاانسانية وذالك بقرية جامع الصخرة المجاورة لقرية تيانت، فـنصب له أفراد جيش التحرير كمين بين مدينة الغزوات وقرية جامع الصخرة، وأعـدّ الكمين إعدادا جيّدا بحيث كلف كل فوج بالتراصف على جانب من الطريق، وأعطي الأمر بعدم التسرع في إطلاق النار على السيارة العسكرية من نوع “تجيب” التي كان يركبها الضابط “لابارب” برفقة سائقه قبل تجاوزها مكان تمركز المجاهدين، ولمّا بلغت السيارة مكان الكمين وأصبحت تحت مرمى مدفع الرشاش، اغتنم المجاهدون الفرصة بإطلاق النيران عليها، وقتل سائق السيارة في الحين على اثر إصابته بوابل من الرصاص وألقي القبض على الضابط لا “بارب” المصاب بجروح طفيفة والذي حلّ به الرعب والهلع عندما أبصر إلى سائقه وهو متساقط على مقود السيارة، فلم يبق أمامه إلاّ الاستسلام لأمر الواقع، وسيق موثوق اليدين خلف ظهره إلى قرية تيانت بسرعة كلمح البصر وذالك في يوم 17 أبريل 1956 على الساعة الرابعة مساء، وفي اليوم الموالي قامت القوات الفرنسية المحتلّة بحملة تفتيش واسعة النطاق بحثا عن الضابط المختطف، بمساعدة أحد الخونة المتعاونين مع السلطات الفرنسية، هو الذي أرشدهم نحـو الطريق الذي سلكه المجاهدون، وأخذ العدو الفرنسي بعد تعرفه على مكان تواجد الضابط “لابارب” بالتوجّه إلى عين المكان بقرية تيانت حيث شدّد الحصار على القرية وطوقت المنطقة كلها بعساكر جيش الاحتلال، وأخبر في تلك الآونة بعض سكان القرية رجال الحراسة المجاهدين بنبأ اكتشافهم من طرف العدو الفرنسي، وأخـذ العـدو يضاعف من تركيز قواته على المنطقة مستخدما عدد كبير من العساكر تركّزوا حول مختلف نقاط قرية تيانت وعلى طول محيطها بحيث لم يتركوا أي منفذ يستطيع أن يتسلّل منه المجاهدون الذين كانوا داخل القرية وفي وضعية سيئة وحصار شديد، بينما استفاد العـدو الفرنسي من إستراتجية القرية وذالك بسبب وشاية أحد الخونة، وفي هذه الحالة السيئة والحصار الشديد توجّه المجاهدون نحو أحد المنازل برفقة الضابط المختطف أين نزع هذا الأخير من يده سوار من ذهب منقوش عليه اسمه وطرحه على الأرض عسى أن يعثر عليه جنود الاحتلال، وفي هذه اللحظة أخذت قوات الاحتلال تطلق النار من كلّ اتجاه ممّا دفع جنود جيش التحرير أن يستعدّوا لرد الفعل والدفاع ما أمكنهم، وهنا اندلعت المعركة على أشجّها واشتدّ لهيبها وأسرع المجاهدون بالقضاء على الضابط “لا بارب” بالسلاح الأبيض قبل العثور عليه حيّا، لأن قوات الاحتلال كانت متجمعة عند مدخل القرية متقدّمة نحـو المساكن قريبة من هدفها، واستمر تبادل إطلاق النيران بين الطرفين لمدّة ساعتين ساخنتين وبدون انقطاع وبصورة رهيبة وسرعان ما انتشر في أنحاء القرية نتيجة الخطة التي استعملها جنود جيش التحرير، استمر الحال على ذالك، قتال متواصل ومنقطع أحيانا إلى أن استطاع جنود جيش التحرير أن يحدثوا فجوة ويتسلّلوا منها منسحبين من المعركة، وكان انسحابهم من وسط الحصار بصورة متفرّقة على أن يلتقي الجميع في مكان بعيد خارج المنطقة المحصورة، وقد خلّفت المعركة استشهاد 43 شخصا منهم 24 جنديا من جيش التحرير الوطني والباقي كلهم مدنيين عزّل من سكان قرية تيانت لا علاقة لهم بالحرب ومساوئها، كما أصيب قائد كتيبة جيش التحرير الوطني عياطي عبد النبي المدعو ثوريا سي يوسف بجروح خفيفة، وقتل نحو 17 عسكريا من جنود الاحتلال والضابط المتجبّر “لا بارب” المقتول بالسلاح الأبيض، وفي اليوم الموالي جاءت قوات الاحتلال إلى قرية تيانت وأتلفت كلّ ما فيها انتقاما لم حدث، وخربت المنازل وأحرقت لوازمها وقتلت المواشي وساقت معها ما يزيد عن 40 رأسا من البقر والكثير من رؤوس الغنم، وتوالت عمليات التخريب أسبوعا كاملا، ومما يلفت الانتباه أنّهم أعدموا فتاة قاصرة لا يتجاوز سنها 12 عاما، وهكذا عمدت السلطات الاستعمارية في شنّ حملات إرهابية أخرى جنّدت لها قوات من بقيّة المناطق المجاورة وقامت بعمليات تمشيط شملت جميع مناطق الجهة، ومضت أيام عديدة ذاق فيها المدنيون الأبرياء سكان المداشر والقرى المتواجدة في المنطقة ألوانا شتى من أصناف التعذيب والتنكيل والتقتيل، والتي جعلته يشدّد الحصار على المجاهدين ويتركز في المناطق الهامّة.
وشهداء ملحمة “جبل زكري” بجبالة بندررومة
في ذاكرة تلمسان
تشير المخططات والكتب القديمة إلى أن منطقة جبل زكري (مسيفة) جبالة بالولاية الخامسة المنطقة الثانية شهدت في صبيحة اليوم السابع من شهر نوفمبر 1955 معركة كبيرة بين وحدة من وحدات جيش التحرير الوطني قوامها فصيلتين، ووحدات ضخمة للعدو كانت متواجدة بالمنطقة، وبالرغم من التفاوت والفارق الكثيف بين الفئتين من حيث العدد والعدة وزيادة إلى الظروف الطبيعية السيئة التي كانت تتميز بها منطقة العمليات من حيث الغطاء الطبيعي ووعورة سـبلها وبالرغم من أنها تدنو أن تكون منطقة هيماء جرداء ما عاد بعض الأشجار المتوسطة تشهد هنا وهناك، وبالرغم من كل ذلك صمم المجاهدون وعزموا على منازلة العدو بعين المكان، وقد ضرب المجاهدون أروع الأمثلة في الشجاعة والمروءة والاستبسال وألحقوا بقوات العدو خسائر بشرية ومادية هامة، ونظرا لأهمية هذه المعركة من الناحية المعنوية بالذات (في تلك الفترة) والتي من دون شك قد أعطت دفعا جديدا لمسيرة الكفاح البطولي الذي خاضه أبطال جيش التحرير من أجل تحرير البلاد من ربقة الاستعمار الاستيطاني البغيض، حيث جرت أحداث وقائع هذه الملحمة البطولية التي قام بها جمع من أبطال جيش التحرير ضد القوات الاستعمارية الداخلة في التاريخ المتطرق إليه أعلاه بالولاية الخامسة المنطقة الثانية، بمكان يدعى جبل زكري (مسيفة) جبالة، وجبل زكري الذي شهد أروع صفحات البطولات في السنوات الأولى للثورة يقع ما بين مدن الغزوات إلى الجنوب ومغنية إلى الشرق وإلى الغرب من مدينة ندرومة، والمكان عبارة عن منطقة جبلية تكاد تكون عارية باستثناء بعض الأشجار القليلة والمتناثرة هنا وهناك وحتى الغابات المتوفرة ليست بالشيء الكثير الذي يمكن أن يأوي إليه الإنسان، مع احتواءه على مسالك ومنحدرات طبيعية وعرة، بالإضافة إلى اتساع رقعته مما جعله بالفعل يحتل مركزا استراتيجيا ممتازا إلى حد ما، ولعل هذا من أهم الأسباب الداعمة والمشجعة التي مكنت المجاهدين من فرض إستراتيجيتهم الخاصة وإنزال خسائر جسيمة في صفوف قوات العدو وذلك كلما كانت تسمح لهم الظروف بالمواجهة معه في الميدان، وفي أماكن متفرقة بهذه الناحية، إذ يجتمع سكان هذه الناحية في عدة قرى متناثرة على رؤوس القمم وسفوحها، وبالقرب من هذه القرى يتربع جبل زكري الذي سجل اسمه منذ ذاك التاريخ ضمن سلسلة الجبال التي أمَّنت الثورة وحمتها وأمدتها بالمناعة إلى أن جاء النصر المبين، وإذا ذكرنا الجبل فقد يتبادر إلى ذهن القارئ، أنه على شاكلة الجبال المتواجدة بوسط وشرق البلاد من حيث الأشجار الباسقة والغابات الكثيفة والكهوف العظيمة الموفرة لمرتديها لا محالة مناعة طبيعية يصعب على العدو تحقيق ما يصبو إليه.فجبل زكري الذي شهدت أرضه الطيبة هذه الملحمة البطولية صباح يوم السابع من شهر نوفمبر 1955 إلى غاية الساعة السادسة مساءً من نفس اليوم لا تتوفر فيه هذه الشروط ولا يحتوي سوى على شجيرات قليلة وغابات خفيفة، ولكن وبرغم من كل هذا استطاع المجاهدون البواسل الأبطال أن يحققوا المستحيل بإذن ربهم، وأن يثبتوا للعدو أنهم قادرون على منازلته أينما كان ومهما كانت قواته المدعمة بمختلف الأسلحة، ولعل سبب تواجد جيش التحرير بالمنطقة يقول أحد المجاهد من بلدية جبالة دائرة ندرومة بهذه الناحية أنهم كانوا يستعيذون إلى الجبال بعد كل عملية يقومون بها ضد قوات العدو، وبالفعل فقد أقدم المجاهدون قبل هذه المعركة بأيام على تخريب مجموعات من الضيعات والمزارع التابعة للمعمرين “الكولون” بالمنطقة وإتلاف كل ما بداخلها، فكانت آخر مزرعة تعرضت للدمار مزرعة المعمر فيليمو بتاوية قرب مدينة ندرومة، وبعد الانتهاء من تلك العملية اتجه أفراد جيش التحرير للتمركز بجبل زكري ولم يمضي من الوقت سوى يومين حتى تمت عملية الوشاية بهم من طرف أحد السكان المحليين، يدعى وَلْد لَصْقَعْ (وقد نفذ فيه حكم الثورة فيما بعد)، وحسب ما روى أيضا المجاهد المرحوم مستغانمي أحمد المعروف باسم الرائد سي رشيد ذكرياته عن هذا اليوم فقال : “بعد مضي يومين على عملية تخريب مزرعة فيليمو تلقينا أمراً من قيادة جيش التحرير بضرورة مغادرة المكان والبحث عن مكان آخر يكون أكثر آمنا، لأن منطقة جبل زكري مسيفة منطقة مشكوك فيها وقد نفاجئ بهجوم مباغت من قبل العدو وبالتالي يحدث ما لم يكن في الحسبان وقد اغتنمنا فرصة تواجدنا بالمنطقة، فعقدنا اجتماعا مع المسؤولين السياسيين والعسكريين بجبل طماي (بالناحية) وكانت الساعة الواحدة ليلا يوم 6 نوفمبر 1955 استغرق لقاءنا مدّة ساعات كاملة، وكان من بين الحاضرين الشهيد الرائد سايح الميسوم المعروف باسم الحنصالي، بن علال، وسايح سي صالح المعروف باسم بوشاقور، وتم ذلك اللقاء لدراسة الأحوال وضبط الأوضاع بدقة لتكثيف ومضاعفة العمليات ضد التواجد الاستعماري، ولما انتهينا من الاجتماع انقسمنا إلى مجموعتين، وغادرنا الأجواء نحو دوار مسيفة حيث قضينا بقية الليلة هناك، وبمجرد وصولنا إلى الدوار أقمنا نقاط الحراسة حتى لا نفاجَئ بالعدو، وفي الربع الأخير من الليل أنذرتنا فرقتنا المكلفة بالحراسة بوجود تحركات للعدو في المراكز القريبة منا وأعلمتنا بأنها مقبلة من جهتين، وقبل فجر صبيحة اليوم السابع من شهر نوفمبر سنة 1955 كان العـدو قد أتم عملية التطويق والحصار، وقد شملت تلك المحاصرة واد اَزْلاَمَطْ إلى مدينة مغنية ومنها إلى باب تازة بالجبالة واكتملت الحلقة نهائياً بتطويق كل ناحية ندرومة، وبذلك أصبح الحصار على شكل حلقة دائرية وعندما تحقق العدو من إكمال الحصار، وتم بالضبط تحديد نقاط تواجد المجاهدين، بدأ العدو يتقدم على شكل حلقة دائرية ثم بعد ذلك تأكد للمرحلة الأخيرة من إتمام عملية الحصار والتقدم إذ بعد طلوع الشمس تحركت قواته وبشكل مكثف في عمليات تمشيط على جميع الاتجاهات والتقدم رويدا رويدا نحو المنطقة المستهدفة والتي كان يتمركز فيها المجاهدون لتضييق الخناق عليهم ومحاولة أسرهم أحياء إن أمكن ذلك”.
المقطع الثاني والأخير من سير
وقائع معركة جبل زكري 7 نوفمبر 1955 ونتائجها
بعـدما تم اقتحام المنطقة التي يتواجد فيها المجاهدون البالغ عددهم نحو الخمسين مجاهداً، وتماشيا مع نظام جيش التحرير آنذاك، وعملا بالتكتيك الحربي المعمول به، اتبع المجاهدون أسلوب المجموعات الصغيرة وتوزعوا على شكل نقاط متفرقة مع الاحتكام قدر الإمكان إلى أسلوب التمويه والإخفاء ثم المباغتة لإنزال أكبر قدر من الخسائر في صفوف قوات العدو، وكعادة أفراد جيش العدو الخسيسة، اتجهوا مباشرة إلى منازل السكان المدنيين وراحوا يقلبونها رأسا على عقب، ويسلطون على الأهالي شتى أنواع المعاملات اللاإنسانية، وقدر الله أن يلتجئ بعض المجاهدين إلى أحد المنازل فيغلقون بابه وراءهم، وحاولت نساء القرية اللائي اجتمعن بساحة المنزل خدعة قوات العدو لإبعاد شبح الخطر عما بداخله، وقد أجبن عندما سئلن من طرف قوات العدو عن سبب غلق باب هذا المنزل بأن صاحبته غائبة، بيد أن قوات العدو أصرت على فتح الباب والتأكد مما بداخله، فاتجه حينئذ نفر من جنوده وأجهشوا على باب المنزل محاولين تكسيره، ولما أيقن المجاهدون المختفون بداخله بأن باب المنزل اقترب من الانكسار بادروا بإطلاق النار على أفراد جيش الاحتلال المقتحمون، فأوقعـوا في صفوف هذا الأخير العديد من القتلى والجرحى وأسرعت الباقية بالفرار إلى المنازل المجاورة فاحتموا بداخلها خوفا من أن تصلهم نيران المجاهدين، وتماشيا من التكتيك الذي يتبعه جيش التحرير امتدت عمليات القتال إلى بقية المجموعات الأخرى، أين برهن أثناءها مجاهدينا في ميدان القتال عن بطولاتهم النادرة وهذا بشهادة واعتراف أحد ضباط جيش الاحتلال الذي كان يقود العملية، إذ استطاع مجاهد واحد أن يؤدي واجبه على أكمل وجه فيقضي على عدد كبير من رجال العدو ثم يستشهد، وعلى هذه الوثيرة تواصل القتال بين عدد لا يتعدى خمسون مجاهدا بقيادة المجاهد البطل ديدا قدور وزملاءه قادة الأفواج وهم الشهيد بن علال محمد المدعو ثوريا قوال موسى، والشهيد سي علي.
ويروي جل المجاهدين الذين عاشوا وقائع هذه المعركة البطولية، أو الذين كانوا محاذين منها أن المجاهد الجزائري كان على دراية تامة بأساليب الحرب النظامية من حيث التخطيط والتنفيذ واختيار نقاط الاشتباك والاصطدام التي يراها مناسبة لتحقيق الهدف حتى يتجنب ما أمكن الخسارة الكبيرة التي هو ليس في مستواها ولم يمنع المجاهدون من تحقيق أكبر نصر ضد قوات العدو بالرغم كما أسلفنا من التباين والتفاوت الملحوظ بين القوتين ورغم وجود عوائق طبيعية لا تساعد على أية حال المجاهدين من الاستمرار في القتال والسير به إلى النهاية، إلا أن بلاءهم الشديد واستماتتهم في ميدان المعركة حوّل هذا النقص إلى نقاط قوّة، وبهذا سجّلوا انتصارا جديدا يضاف إلى الانتصارات التي سجلها إخوانهم المجاهدون في بقية أنحاء الوطن، هذا وقد أسفرت هذه العملية البطولية على إلحاق هزيمة نكراء في صفوف العدو تتمثل في القضاء على عدد كبير من أفراد جيشه بما فيهم بعض كبار الضباط من مسيري المعركة وإصابة عدد آخر منهم بجروح متفاوتة الخطورة ولعل من الأسباب المباشرة التي جعلت خسارة العدو تصل إلى هذا الحد هو أن ما يقارب النصف من مجموع قتلى العد وجرحاه قد قضى عليهم الجنود الجزائريون المجندون في صفوف العدو في إطار الخدمة الإجبارية التي كانت تفرضها السلطات الاستعمارية على الشباب الجزائري، وقد روى في هذا الصدد المجاهد المرحوم بكاي عبد الله المدعو سي بن أحمد من أنه بعد انتهاء المعركة وبالضبط في اليوم التالي حضرت قوات العدو لمنطقة القتال وجمعت السكان المدنيين وكلفتهم بمساعدتها ومن بين هؤلاء المدنيين من لاحظ أثناء عملية جمع الموتى أن نسبة عالية منهم مصابون في الظهر، مما يؤكد الدور العظيم الذي قام به هؤلاء المجندون في صفوف العدو، الذين استغلوا حمى ولهيب المعركة لتوجيه فوهات بنادقهم إلى ظهور جنود العدو الراكضين بجانبهم بدلا من تصويبها نحو صدور إخوانهم المجاهدين، وقد تأكد هذا بالفعل بعد عودة قوات العدو إلى مراكزها بمغنية، حيث تمكن بعض الجنود من مشاهدة هؤلاء المجندون وما قاموا به أثناء القتال وأخطروا قيادتهم بذلك الأمر الذي جعل مجموعة من الجنود الجزائريين يتعرضون للتصفية الجسدية، وأرسل باقي الجنود إلى أوروبا، أما خسائر المجاهدين كما تذكرها البعض من المجاهدين الباقين على قيد الحياة بالناحية فهي متفاوتة النسب إلى حد ما (وهكذا لأسباب) بيد أن أغلب المجاهدين يرجحون خسارتهم كالتالي : استشهد حوالي خمسة وعشرون مجاهداً وأصيب تسعة منهم بجروح متفاوتة الخطورة، وأسر نحو ثلاثة عشر مجاهداً وقد تمكن أحدهم من الفرار فيما بعد من سجن ندرومة.
وهكذا صارت أحداث هذه الملحمة البطولية التي أظهر فيها المجاهدون الأبطال من صور الفداء والجرأة والإقدام ما يعجز العقل هن وصفه، وأثبتت بالفعل والعمل على أرض الميدان زيف الافتراءات التي ما برحت تروجها أجهزة الإعلام الاستعمارية من أن المجاهدين ما هم إلا كمشة قليلة خارجة عن القانون من السهل جدّاً القضاء عليها في زمن زهيد، وكشفت أيضا خرافة الفصل بين الثوار والسكان المدنيين كما كانت تروج على أسماع الرأي العام العالمي، وكان الرد الحاسم على ذلك هو التجاوب الرائع والالتحام الذي عرفته أرض المعركة بين المجاهدين والسكان المدنيين…
تلكم كانت صورة متواضعة لبعض المعارك التي كان لها الصدى العميق والأثر القوي لدى الرأي العام الداخلي على الخصوص في السنوات الأولى للثورة، وكانت بحق وثبة جبارة من وثبات الثورة المظفرة.
هذا واستمر لهيب الثورة بالناحية من خلال عشرات المعارك الكبرى الأخرى التي خاضها الثوار والمجاهدون ضد الاستعمار بكل شجاعة وبطولة، ولم تتوقف هذه المعارك حتى بزغت شمس الحرية على الجزائر في سنة 1962 ونذكر خاصة من هذه المعارك المشهورة بالمنطقة معارك جبال عصفور ببني بوسعيد، فنظرا لموقعها الاستراتيجي على الحدود المغربية الجزائرية وكونها ممر عبور وحدات جيش التحرير لإدخال الأسلحة والمؤونة والذخيرة والحربية من المغرب إلى الجزائر أو إرسال الجرحى أو المرضى من الجزائر إلى المواقع الخلفية على الحدود، ورغم تحصينات العدو بالأسلاك الشائكة الكهربائية والألغام والحصون والمراكز العسكرية المجهزة بأحدث الأسلحة والأجهزة الإلكترونية للمراقبة والرصد والدفاع أو الهجوم، فإن جبال عصفور شهدت عمليات وخوض المعارك الكبرى ضد العدو ومراكزه وقلع الأسلاك الشائكة لدخول وخروج وحدات جيش التحرير الوطني.
ل. عــبــد الــرحيم
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة
