العزلة والتهميش يستدعي تدخل مسؤوليها العاجل
تعاني بلدية سوق الثلاثاء التابعة لدائرة باب العـسة الحدودية بولاية تلمسان من العزلة التامة وقلّة المشاريع التنموية والمرافق الاجتماعية والتجهيزات الضرورية ما أثر على مسارها التنموي، انعكست سلبا على معيشة المواطن بهذه المنطقة مثل العمل والصحة والتعليم، وحسب الجماعة المحلية التي تسيرها أن المنطقة رغم قلة إمكاناتها فإن في الواقع غنية بثرواتها الطبيعية لو استثمرت ـ حسبهم ـ في المجال السياحي فإنها قادرة على فتح آفاق في عالم الشغـل وتقليص نسبة البطالة أمام الشباب، وتتمثل أساسا هذه الثروة في الساحل المطل على البحر الأبيض المتوسط على طول خمسة كيلومترات والمتكوّن أساسا من عـدد الغابات الرائعة المطلة على الشاطئ الذهبي أولاد بن عايد الممتد على طول 840 متر والذي لايزال يطمح في سياحة ذات أفق نير بالإضافة إلى الشريط الغابي المتربع على مساحة 196 هكتار ومناظر ساحرة في ديكور طبيعي محض لاينتظر سوى العناية والاستغلال من طرف المستثمرين الراغـبين للاستثمار فيها، أما عزلة البلدية فتعود أسبابها إلى التضاريس الصعبة والوعرة المتشكلة من سلسلة جبال شامخة ومنحدرات صعبة وقلة الأراضي السهلة البسيطة الصالحة لمزاولة الفلاحة وقد عقد هذا الأمر غياب شبكة الطرقات الملائمة للنقل اليومي باستثناء الطرقات الولائية التي تربط عاصمة البلدية ببعض المناطق المجاورة، وفي مجمل هذا النقص يتبيّن في أن المنطقة خالية من شبكة هامة تخرجها من الانـزواء والتهميش وحتى المسالك منها لم تسلم بسبب الصعوبات التي يترصدها سائقي مختلف السيارات نظرا لاهترائها، ومع ذلك يستعملها المهرّبون، أما فيما يتعلق بنشاط السكان فانه يتوزع ما بين الفلاحة رغم تقلص أراضي الزراعـية والتي تحصي فيها 2000 هكتار قابلة للاستغلال الفلاحي ومنها 40 هكتار فقط مسقية وذلك من أصل ما مجموعه من المساحة الإجمالية والتي تبلغ 7950 هكتار، مما أدى إلى بروز كساد الشغل في غياب كذلك مصادر الأنشطة الصناعـية، كما يعتبر مجال التعليم من بين الانشغالات التي طرح أولياء التلاميذ بالبلدية، حيث عبروا عن استيائهم جراء معاناة فلذات أكبادهم، الذين يتنقلون يوميا من البلدية وقراها للتمدرس في المتوسطات للبلديات المجاورة لها كباب العسة الحدودية، وهذا في غياب النقل المدرسي، حيث يتكفل الأولياء بأعباء التنقل بدفع مبالغ باهضة لأجل ضمان تمدرس أبنائهم، الأمر الذي دفع بأولياء التلاميذ مطالبة السلطات المحلية بتجسيد وعودها المتمثلة في تشييد متوسطة على مستوى البلدية لكونها تتوفر على 3 مدارس ابتدائية تضم ما يقارب الــ 200 تلميذ وتلميذة في مختلف الأطوار الابتدائية، ناهيك عن كثرة عدد التلاميذ المتنقلين يوميا إلى البلديات المجاورة للدراسة في المتوسطات وحسب بعض الأولياء فإن غياب النقل المدرسي قد تسبب في ارتفاع معدل التسرب المدرسي لاسيما في صفوف الإناث، وأضاف مواطنون يقطنون بهذه البلدية إن أوضاعهم الاجتماعية لم تتحسن طيلة الـسنوات الأخيرة، رغم مرور العديد من عهدات المجالس عليها والتي لم تخرجها من ظلمات الفقر والتخلف بكافة صوره، إذ مازال السكان يعتمدون على أنفسهم في كسب رزقهم وضمان حياتهم، بفضل الأنشطة الفلاحية التي يمارسونها من رعي وزراعة وتربية النحل، إذ يستغـلون إنتاجهم الفلاحي لتموين أسرهم بالمواد الغذائية والفائض منه يسوقونه من أجل كسب مبالغ مالية يحتاجونها في تلبية طلبات أفراد عائلاتهم، مضفين في نفس السياق أن برامج الدعم الفلاحي، التي أستهلكت أغلفة مالية ضخمة عبر الوطن، لم تصل إلى هذه البلدية المعزولة، ونفس الشيء ينطبق على برامج السكن الريفي، حيث اشتكى متحدثونا أن هذا النوع من السكن مطروح بنسبة 70 إلى 80 بالمائة، حيث يغلب على تضاريس هذه البلدية الطابع الجبلي الوعر وتشكل الفلاحة وتربية المواشي نشاطها الاقتصادي الأول، لذا فإن إنشغالات سكانها تنحصر أغلبها في الحصول على الدعم الريفي لمزاولة نشاطاتهم الفلاحية والإستقرار بمناطقهم الأصلية، إلا أن هذه الإنشغالات إصدطمت بواقع مـرّ وإدبار للمسؤولين في إيجاد حلول ناجعة لها، إذ لا يزال عدد كبير من سكان بلدية سوق الثلاثاء يعيشون في بيوت قصديرية طوبية هشة، والمنتشرة بالجبال وضفاف الأودية، حيث يتكبد سكان الدواوير المنتشرة المعاناة الحقيقية، بسبب إفتقارها لأبسط ضروريات الحياة ونفس الوضعية تشهدها معظم القرى ومداشر هذه البلدية التي تتوفـر على مساحات معتبرة من الأراضي الفلاحية غير مستغلة لعدم وجود يد عاملة مؤهلة تهتم بالأرض، في غـياب الدعم الفلاحي والريفي، في وقت يتطلع فيه شباب البلدية إلى الهجرة والمجازفة بحياته إلى الانتحار عبر قـوارب الموت عوض الاشتغال بالفلاحة، وما يمكن أن تدره عليه من أرباح، كما جـدّد قاطنو بلدية سوق الثلاثاء مطلبهم من السلطات المحلية وكذا الولائية والمتمثل في ربط العديد من التجمعات السكنية وقرى البلدية بغاز المدينة بعد حرمانهم من هذه المادة الحيوية، حيث يضطرون في كل فترة للتوجه لشراء قارورات غاز البوتان، الأمر الذي كلفهم أعباء ومصاريف إضافية، خاصة بالنسبة للعائلات محدودة الدخل، سكان البلدية وفي لقائهم مع “الــعالم” أعربوا عن تذمرهم واستيائهم الشديدين إزاء المعاناة اليومية التي يعيشونها والتي حولت حياتهم إلى جحيم حقيقي، وذلك من خلال قطعهم مسافات طويلة ذهابا إلى البلديات المجاورة من أجل الظفر بقارورة واحدة من الغاز على الأقل، خاصة وأن سكان الحي يعانون الأمرين خلال فصل الشتاء بسبب افتقارهم لهذه المادة الأكثر من ضروري تواجدها بالمنطقة، وهذا في ظل البرودة التي تعرفها المنطقة والتي تنعكس بشكل أكبر على فئة الأطفال الصغار وكبار السن.
رئيس المجلس الشعبي لبلدية سوق الثلاثاء وفي ردّ حول هذه الانشغالات أكد لـ “الــعالم” أن البلدية استفادت منذ سنة 2009 والى غاية يومنا هذا من 280 سكنا موزعا على تراب البلدية بما فيها القرى والمداشر، أما بخصوص المواطنون الذين طرحوا هذا الانشغال فأكد ذات المتحدث أنه أعلمهم بطرح هذا الانشغال على الجهات المعنية وملفاتهم قيد الدراسة وستلقى الحلول عما قريب سواء بالنسبة للمتزوجين أو غـير ذلك كل واحد سيتفيد من هذا الدعم حسب الشروط المنصوص عليها قانونيا، وفيما يتعلق بالمجال التعليمي أضاف رئيس البلدية أن هذه الأخيرة استفادت من مشروع متوسطة لكن كان المشكل قائما في اختيار المقاولة المعنية بذلك التي تم اختيارها في المدة الأخيرة حيث ستنطلق في المشروع الذي سيخفف عناء تنقل أبنائنا للبلديات المجاورة، على عكس النقل المدرسي الذي يبقى قائما بسبب تعطل حافلات نقل التلاميذ لقدمها مما أضحى هذا المشكل يشكل عائقا كبيرا بالنسبة لتلاميذ الطور الاكمالي والثانوي على حدّ سواء، مما دفع بالسلطات المحلية على مستوى البلدية الاتصال بالسلطات الولائية قصد تزويد حضيرة البلدية بحافلات لتجاوز هذا المشكل خاصة وان معظم قرى البلدية متناثرة عن بعضها البعض، كما أن هناك بعض الطلبة الجامعيين يدرسون بكل من جامعة تلمسان والملحقة الجامعية لمغنية وتونان ولأجـل تنقلهم إلى هذه المناطق ينتقلون إلى بلديات أخرى كباب العـسة للاستعانة بوسائل النقل، وبخصوص الغاز الطبيعي طمأن رئيس البلدية مواطنو هذه البلدية بأن المشكل سينحل خلال هذه السنة حال إيجاد شركة المقاولة التي ستتكفل بالمشروع بعد إجـراء المناقصة الوطنية الخاصة بذلك.
وفي انتظار دعم سكان المناطق الريفية لهذا البلدية لمزاولة نشاطاتهم الفلاحية وتثبيتهم في مناطقهم الأصلية، من خلال خلق مرافق حيوية بالمناطق النائية وتوفير النقل وتعبيد المسالك والطرقات، كلها مشاكل كان يأمل السكان في توديعها، حيث مازالت تلقي بظلالها على الواقع المعـيشي لشباب البلدية عـبر القرى والمداشر في ظل شبح البطالة التي نخرت سواعدهم، ورغم الظروف القاسية ومعاناتهم مع العوامل الثلاثة المذكورة، إلا أن سكانها رفـضوا النزوح إلى المدن، مفضلين خدمة الأرض على التسول، كما تحتوي البلدية على محطة لتحلية مياه البحر أشرف على تدشينها كل من وزير الموارد المائية والطاقة والمناجم عبد المالك سلال ويوسف يوسفي أنذاك من شهر أفريل 2011 عـلى هامش زيارة رئيس الجمهورية لولاية تلمسان لافتتاح تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، حيث تقدر طاقة إنتاج هذه المنشأة الجديدة التي كلفت أشغال انجازها مبلغ 251 مليون دولار بحوالي 200 ألف متر مكعب يوميا أي ما يعادل 73 مليون متر مكعب سنويا لتغطية احتياجات ما يعادل 310 ألف نسمة موزعين على البلديات الــ 19 المستفيدة منها عاصمة الولاية، كما تندرج هذه المحطة في إطار استثمار مشترك بين الجزائر ممثلة في شركة “ألجيريان إينارجي كومباني” وماليزيا عن طريق شركة “مالاكوف”، وبغية إيصال المياه الصالحة للشرب للتجمعات السكانية المعنية انطلاقا من هذه المحطة تم وضع قنوات تمتد على طول 157 كلم فضلا عن انجاز 6 خزانات بسعة إجمالية تقدر بــ 46.500 متر مكعب و5 محطات للضخ بتكلفة إجمالية تقدر بــ 25,4 مليار دج، كما تأتي هذه المحطة لتدعم بشكل كبير قدرات الولاية في مجال تموين سكان المنطقة بالماء الشروب، والقضاء نهائيا على مشكل المياه التي كانت تجلب من الآبار وبعض السدود مما سيمكن الولاية من تسجيل فائضا فيما يخص هذا المورد الحيوي، سيسمح استغلال مياه السدود للسقي الفلاحي من أجل توسيع المساحات المسقية عبر مختلف المناطق وتحسين مخزون المياه الجوفية.
من جهة أخرى كشف السيد والي ولاية تلمسان مؤخرا عـن مشروع يتمثل في المدينة الساحلية والتي اقترح مكان بنائها بشاطئ “بيدر” بمنطقة مسيردة على مساحة خمسة ملايين متر مربع، وهو مشروع وصفه بمشروع القرن أو مدينة الأحلام التي ستغير الواجهة البحرية الغربية للبلاد بعد انجازها مضاهية أكبر المنتجعات والمدن الساحلية على ضفة المتوسط، وستكلف القيمة المالية لدراسة المشروع فقط أكثر من 500 مليار سنتيم من طرف مكتب الدراسات العالمي لصاحبه “طاليار روجي”، وهو الذي أنجز معظم المنشآت الكبرى السياحية بدول الخليج العربي وشرق آسيا، فمدينة “بيدر” المستقـبلية ـ حسبهم ـ إذا أنجز المشروع ستتوفر على حوالي 32 فندقا ومركبات سياحية وأنهار اصطناعـية تخترق المدينة التي هي اليوم معزولة، لكن بالرغم من أن القطاع السياحي بهذه البلدية من بين القطاعات الإستراتيجية بالنظر إلى الإمكانيات التي تزخر بها المنطقة، وكذا موقعها الاستراتيجي وتراثها التاريخي والحضاري والثقافي، وتوفرها على شاطئ سياحي بأولاد بن عايد بطول 5 كيلومتر والذي يجمع بين النشاط الاقتصادي والسياحي، هذا الأخير الذي يبقى يعاني عدة عراقيل ومشاكل قللت من حدة نشاطه، تأتي في مقدمتها العقار بمنطقة زاد سيدي لحسن الواقعة على بعد 7 كيلومتر من مقر البلدية، حيث تعرضت هذه المنطقة ذات 100 هكتار والتي من المنتظر أن تكون مركزا هاما للاستثمار والتوسع السياحي إلى عملية استحواذ من طرف بعض المواطنين الذين أقاموا عليها بنايات بطرق غـير شرعـية وفوضوية والتي شوّهت المنظر السياحي للمنطقة، وحسب ذات المصادر ، فان هذه الأخيرة حدّدت بموجب المرسوم 232 / 88 المؤرخ في 05 نوفمبر 88 المتضمن الإعلان عن مناطق التوسع والسياحي، والقانون رقم 03 / 03 المؤرخ في 17 فيفري 2003 المتعلق بمناطق التوسع والمواقع السياحية، حيث مهما يكن عقد ملكية يمنع منعا باتا منح رخص البناء، جاء ذلك حسب ما ورد في المراسلة التي بعث بها السيد والي ولاية تلمسان إلى المصالح المعنية قصد المحافظة على هذه المنطقة المخصصة للسياحة، ومحذّرا إيّاهم مما قد يحدث من تجاوزات وعرضها إلى أي استثمار خارج عن نطاق السياحة، وقد أصبحت هذه المنطقة ملاذ الجميع للراحة والاستجمام لمناظرها الطبيعية ومناخها المتوسطي المعتدل، ورغم ما تتوفر عليه من معطيات سياحية حقيقية من ناحية الموقع والظروف البيئية، إلاّ أنها لا تزال محدودة أو شبه منعدمة من ناحية الهياكل والمنشآت السياحية لاستقبال عدد السياح والمصطافين الذين وصل عددهم خلال موسم الصيف إلى أكثر من 60 ألف مصطاف، وان كانت خلال السنوات الأخيرة قد شهدت عدة برامج تنموية أخرجتها من ذائقتها والتي من شأنها دفع عجلة التنمية بها، إلاّ أن البلدية ومناطقها السياحية والساحلية لاستقطابها أنظار العديد من المستثمرين الأجانب التي بهرتهم بجمالها السياحي.
للإشارة تسبّـب مشكل الإستيلاء على العقار بالمناطق المخصّصة للتوسع السياحي بمنطقة مرسى بن مهيدي وسوق الثلاثاء والمناطق الساحلية المجاورة لها من إجهاض عـدة مشاريع سياحية هامة تمكنها من التحول إلى منطقة توفر المداخيل واليد العامل وعلى رأسها مشروع القرية السياحية العملاقة التي وقع وزير السياحة إنطلاقتها سنة 2006 والتي كانت ستقام بشاطئ أولاد بن عايد والتي لم تعرف الانطلاقة بعد، مما استدعى تشكيل لجان تحقيق في هذا الصدد للوقوف على هذه الانتهاكات الخاصة بعـقارات السياحة وهي الآن تباشر عملها، حيث ستكشف عن هذه البارونات والمتواطئين معها.
ل. عــبـد الــرحــيــم
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة
