وضع حوله إهمال المسؤولين إلى قنبلة موقوتة في وجوههم

إ.ر
أضحت عاصمة البلاد من أكبر البقع التي تحتضن بناءات عشوائية، بناءات كانت تعد على أصابع اليد إلا أنها أصبحت اليوم إمبراطوريات قائمة بذاتها، ومشكلا يصعب حله ولغزاً من المستحيل فكه، فكيف استفحلت هذه العشوائيات؟ ومن ساعد في انتشارها؟ وماهي أضرارها على المنطقة برمتها؟…
كانت البداية ببراكات صغيرة، إلا أنها سرعان ما بدأت في التوسع والانتشار وتحويل أجزاء منها إلى مساكن عبارة عن بيوت بلواحقها، وبعد أن لقيت العملية إقبالا من شرائح المجتمع، خاصة ذوي الدخل المحدود، بالإضافة إلى مجموعة من الطبقة المتوسطة التي غامرت باقتناء بقع، على صغر مساحاتها أو بعض البراريك، تم كراؤها، أصبحت البيوت تتحول من براكات إلى فيلات، العملية في مجملها بدأت في تسعينيات القرن الماضي، وكانت المغامرة تبدأ ليلا، فلا تبزغ شمس اليوم الموالي حتى تنبت العشرات من هذه الصناديق، بل هناك من يرحل عائلته ليلا، وفي الصباح، ترى الحياة والحركة بذلك الصندوق الذي يسقف بالقصدير، ولهذه الغاية، انتشر السماسرة وروجوا دعايات الغرض منها استقطاب العديد من الزبائن، فكانوا يؤكدون أنه عاجلا أم آجلا ، ستضطر الدولة إلى تقنين هذه الدواوير إما بإعادة هيكلتها أو بهدمها وتعويض الملاكين بشقق جاهزة للسكن أو تسليمهم بقعاً في مناطق مجهزة بالمدينة، وهو ما دفع بالعديد من المواطنين لدخول هذه المغامرة، وفي وقت وجيز أصبحت الدواوير المنسية ذات كثافة سكنية رغم أن هذه البيوت أو هذه المنطقة برمتها، كانت لا تتوفر على شبكة كهربائية ولا على شبكة الماء الصالح للشرب، ورغم ذلك، كان الإقبال عليها بشكل لافت، ما جعل سكان العاصمة لا يفتخرون كما في السابق، بأنهم من عاصمة البلاد نتيجة ظهور هذه التجمعات القصديرية خلال الأزمة الأمنية وتوسعها شيئا فشيئا إلى أن أصبحت اليوم مدينة بأكملها يفضل الناس تسميتها “ابني واسكن”، ويجمع العارفون بملف البناءات الفوضوية التي ظهرت في العاصمة على غرار ولايات الوطن نهاية الثمانينيات في تحليلاتهم للظاهرة أن المرض كان أشبه بزكام عابر في السنوات الأولى وكان يمكن معالجته بعملية بسيطة خلال تلك الفترة وذلك بالقضاء عليه نهائيا لكن تراكم المشاكل وتداخل الأولويات وتخبط الجهات الوصية في اتخاذ القرار ساهم في تفاقم الظاهرة التي بدأت بعد نزوح سكان الأرياف المحيطة بالمدن الكبرى هروبا من هاجس اللاأمن وبحثا عليه لتنقلب المعادلة بعد انقشاع الضباب وانقضاء العشرية السوداء، أين فرضت تلك التجمعات السكنية الفوضوية نفسها وبدأ السكان المنحدرون من ولايات أخرى يبحثون عن الاستقرار وفرص الشغل بدلا عن الأمن، خاصة وأن فرص الشغل انعدمت في الولايات الداخلية وتوفرت بالعاصمة، مما سمح باستقطاب الآلاف من السكان إليها في موجات هجرة ونزوح غير مسبوق لدرجة أن الحكومة عجلت ببرمجة مشاريع تحفيزية لتشجيع سكان الأرياف على العودة إلى أرزاقهم ومنازلهم ومزارعهم التي تركوها في زمن الإرهاب لكنهم رفضوا العودة إليها في آخر المطاف بعدما تأقلموا مع الأوضاع الجديدة ووجدوا فرص العمل ومقاعد الدراسة قريبة لأبنائهم والمستوصفات والنقل، ليستقروا بعدها، بل وبدأ بعضهم في وصف هذه الجنة لأقاربهم ممن رفض مغادرة الريف في زمن الأزمة، وبعد أن استقر الجميع عقب انقضاء الأزمة الأمنية نهاية التسعينيات ورفضهم العودة إلى الأرياف، ازدادت الظاهرة تفاقما وبدأت تخرج عن السيطرة شيئا فشيئا فظهرت مجموعات شبانية أسست هيئات على شكل مدير وعمال للبناء وبدأت هذه المجموعات في رسم معالم حدود القطع الأرضية المستقبلية التي يتم عرضها للبيع عن طريق عدة أساليب، ويتم هذا النمط التعميري الجديد الذي اهتدى له أبناء سكان الأحياء على غرار الرملي في قطع الأشجار وإيصال مواد البناء إلى عمق الحي بسهولة ومن بعد ذلك يتم تشييد منازل مترامية الأطراف بشكل متعمد وبعد ذلك يتم تشجيع السكان على شراء قطع الأراضي التي أعدت للغرض نفسه وبهذه الطريقة تم إعمار المكان وشق الطرق وإنجاز شبكات الصرف الصحي عن طريق ما يسمى “التويزة”، كما جمعوا الأموال لإيصال الكهرباء والماء الشروب عن طريق القرصنة إلى منازلهم، كل ذلك حدث في وضح النهار وهكذا إلى أن تشكل مع مرور الزمن حي بحجم بلدية بأكملها وسط غياب تام للرقابة، ففي العديد من المناطق ساهم سماسرة يأتون من مناطق بعيدة في استثمار أموالهم بإنجاز منازل قصديرية على قطع أراضي اشتروها بأثمان بخسة شيدوا عليها منازل ليس للإقامة فيها بل بغرض بيعها والحصول على فائدتها، ولم تقتصر أسباب تفاقم وتضاعف أعداد البنايات القصديرية على استرزاق البطالين ببعض الملايين لقاء بيع قطع أرضية بعد تهيئتها بل تفاقمت الأمور أكثر بعد انفلات الأوضاع في جمهورية مالي والنيجر واندلاع الحرب التي رفعت أسهم الهجرة غير الشرعية لشباب جنوب الصحراء الإفريقية نحو بلدان الشمال الإفريقي سعيا وراء الحلم الأوروبي، ولعل القارئ يتساءل ما العلاقة بين هذا وذاك وقد لا يصدق أن سبب انتشار البيوت القصديرية وارتفاع بورصتها في المرحلة الراهنة عكس تسعينيات القرن الماضي أين نزح سكان الأرياف إلى المدن الكبرى وشيدوا التجمعات القصديرية، وبدأ الأفارقة بعد أن حلوا بالعاصمة بشكل شرعي أو غير شرعي في البحث عن منازل أو فنادق لاستئجارها لكن أعدادهم الكبيرة لم تستوعبها البنايات التي يفضل سكانها استئجارها ليبدأ السماسرة في استقطابهم نحو التجمعات القصديرية التي يخيل للمتجول فيها أنه في أزقة مالي أو النيجر، نساء يحملن أطفالهن ويرفعن قوارير المياه، وتعددت جنسيات الأفارقة بهذه الأحياء المنتشرة عبر كل بلديات العاصمة وعرف السكان كيف يستثمرون هذه الفرصة جيدا فبدأ نشاط استئجار الأكواخ للأفارقة ينتعش لدرجة أن الناس بدأت تقترض من بعضها البعض لتشييد الأكواخ واستئجارها للشباب الإفريقي الباحث عن لقمة العيش في غالب الأحيان عن طريق العمل في قطاع البناء، حيث يتجمع هؤلاء الشباب على شكل جماعات يتعاونون على ثمن كراء البيت، وأصبح إيجاد بيت من الزنك ضربا من الخيال بالنسبة للعائلات المحلية بعد أن استأجر الأفارقة كل البيوت الهشة، وما يثير الاستغراب هو دور الجهات الولائية في تفاقم الظاهرة من غير قصد إذ بمجرد أن سمع الناس في هذه التجمعات السكانية آنذاك بأن البلدية قامت بإحصاء المنازل الفوضوية تمهيدا لترحيل سكانها حتى سال لعاب السماسرة من جديد وانتشرت أخبار الإحصاء في أرجاء العاصمة، ليحدث بذلك مفعولا عكسيا فلم تكد سنة تنقضي حتى تضاعف عدد المنازل القصديرية لدرجة أن أعوان الإحصاء بحد ذاتهم عجزوا عن إحصاء موقع الرملي بشكل كامل، وهرول المئات من الشباب البطال وغير البطال وحتى ميسوري الحال الذين يملكون محلات تجارية وسيارات فاخرة لتشييد منازل فوضوية ليلا ونهارا، بل وحتى أن بعضهم سارع بخطبته وعقد قرانه وزفت العروس إليه في لمح البصر لكي يجد أعوان البلدية المكلفون بالإحصاء آنذاك في منزله زوجة بهدف الظفر بفرصة ذهبية للحصول على سكن.
إلا انه كيفما كان الحال، فإن هناك من يستحق الظفر بسكن يحفظ له كرامته، ولا يمكن أيضا نكر المجهودات التي بذلت في هذا الصدد ما جعل معاناة هؤلاء تخف قليلا، في انتظار أن تكون هناك التفاتات أخرى، اجتماعية وصحية وثقافية وترفيهية، تزيل عن هذه المناطق عناوين التهميش والهشاشة، وهي المدخل الوحيد للحد من باقي الظواهر غير المقبولة، كتعاطي وترويج المخدرات، في أفق القضاء على أسباب ارتكاب الجرائم بشتى أنواعها.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة