الثلاثاء, يناير 13, 2026

التهريب و الإختلاس …وآثارهما المدمرة

12033586_1633941670212495_1400848863_n

 

 

 

تعتبر ظاهرة التهريب من أخطر المشكلات التي تواجه الكثير من الدول في العصر الحديث لما لها من آثار مدمرة على الاقتصاد العالمي وعلى وجه الخصوص على اقتصاديات الدول الفقيرة ومنها بلادنا.. وتتمثل صور التدمير لاقتصاديات الدول الفقيرة في الآتي :
1- حرمان خزينة الدولة من الإيرادات الجمركية المفروضة على تصدير واستيراد السلع، وفي ذلك إفقار لخزينة الدولة ممايؤثر على عملية تبني المشاريع التنموية، من خدمية وانتاجية في البلاد وكما نعلم ان الضرائب والرسوم الجمركية تمثل أهم مصدر لتمويل خزينة الدولة التي من خلالها يتم إقامة المدارس والمستشفيات وشق الطرقات وإقامة السدود والحواجز المائية وكذلك تمويل عملية الحفاظ على الأمن والاستقرار الاجتماع

2- إغراق السوق المحلية بمنتجات لم تخضع لمعايير وفحوصات الجودة والمقاييس مما يعرض المستهلك للعديد من المخاطر الصحية والاقتصادية التي تشكل معالجتها عبئاً كبيراً على ميزانية الأسرة والدولة على حد سواء .

3- تدمير الصناعة المحلية نتيجة للمنافسة الغير متكافئة من جراء دخول السلع الأجنبية بدون دفع رسوم جمركية ممايجعلها رخيصة أمام المستهلك المحلي الذي بدوره يحجم عن شراء المنتجات المحلية، وينجم عن ذلك انخفاض الانتاج المحلي الذي بدوره يفضي الى تسريح جزء من القوى العاملة التي تنضم الى طابور البطالة والفقر الذي تعاني منه الدول النامية بشكل كبير

4- خلق بيئة طاردة للاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء فالمستثمر الأجنبي في قطاع التصنيع، على سبيل المثال، قبل أن يتخذ دخول أي سوق (بلد) للاستثمار فيه، أول مايحرص على معرفته هو مدى توفرالحماية القانونية للمنتجات التي سيقوم بتصنيعها في ذلك السوق، بمعنى آخر.. هل هنالك نشاط تهريب يهدد من القيمة التنافسية للمنتجات المزمع تقديمها في ذلك السوق أم لا؟
5- يعمق نشاط التهريب فلسفة الكسب الغير مشروع الذي يؤدي الى الثراء السريع، ويصبح له بريقه الخاص الذي يقع فريسته البعض من ضعاف النفوس والعقيدة

6- ينجم عن ممارسة نشاط التهريب ظهور أخطر شكل من أشكال الجريمة المنظمة التي يرعاها

كبار أعضاء لوبي الفساد، وبالتالي تجد الكثير من الدول الفقيرة صعوبة قد تصل الى درجة الاستحالة عند محاولتها الحد من نشاط التهريب أو تجفيف منابعه أو حتى مجرد الاقتراب من رموزه

 

ينقسم التهريب الجمركي إلى عدة أنواع بحسب وجهة النظر التي يبنى عليها التقسيم، غير أن أهم ما يلاحظ على تلك التقسيمات أنها متشابكة ومتداخلة بحيث يتعذر الفصل بينها في الكثير من الأحوال، كما أنها تتفاوت في أهميتها وفائدتها، وأهمها ما يلي:

أولاً:   من حيث الركن المادي للجريمة: ينقسم التهريب الجمركي إلى حقيقي وحكمي.

1- التهريب الحقيقي: هو الصورة الغالبة في التهريب، سواء وقع الاعتداء على مصلحة الدولة الضريبية أو غير الضريبية، ويتحقق هذا النوع من التهريب بإدخال بضاعة تستحق عليها ضريبة جمركية إلى البلاد، أو بإخراجها منها بطريقة غير مشروعة دون أداء هذه الضريبة، أو باستيراد أو تصدير بضاعة يحظر القانون استيرادها أو تصديرها.

وتكتمل عناصر الركن المادي في هذه الجريمة بأن يقوم الجاني بالأفعال الآتية:

أولاً    : إدخال البضائع إلى إقليم الدولة أو إخراجها منه.

ثانياً    : أن يتم ذلك بطريقة غير مشروعة.

ثالثاً    : عدم أدار الضرائب الجمركية والضرائب الأخرى.

وعادة ما يقترن إدخال البضائع أو المواد الأخرى أو إخراجها بطرق احتيالية وإن كان ذلك ليس شرطاً لازماً لوقوع التهريب ولكن الاطلاع على قضايا التهريب ليكشف عن أمثلة كثيرة للطرق الاحتيالية التي يتفنن المهربون في الالتجاء إليها – نذكر منها على سبيل المثال:

  1. أن يفرغ المهرب عصاه ويضع فيها الشيء المراد تهريبه.
  2. أن يخفي المهرب الماس في غليونه.
  3. إخفاء الأشياء المراد تهريبها في أماكن مستورة من جسم الإنسان.
  4. إخفاء الأشياء المراد تهريبها في أماكن سرية في حقائب المسافرين كأن يضعها في قاع الحقيبة ثم يغطيها بطبقة من الجلد وفوقها قطعة من القماش.
  5. إخفاء الأشياء المراد تهريبها في جزء من باب العربة ثم خياطته.
  6. تهريب الذهب بأن توضع محل النمرة النحاسية المعلقة خلف السيارة قطعة من الذهب تصب بشكل خاص لتتخذ شكل هذه النمرة تماماً ثم تطلى بالطلاء الخاص بها.
  7. إخفاء المجوهرات في تجويفات داخل ألواح خشب أرضية السفينة.

2-   التهريب الحكمي:

وهو نوع من التهريب لا يدخل ضمن الإطار العام لجريمة التهريب، إذ تتخلف عنه بعض العناصر الجوهرية التي يتكون منها التهريب بمعناه المألوف إلا أن المشرع الجمركي ألحقه بالتهريب الحقيقي وأجرى عليه حكمه، لأنه يؤدي إلى ذات النتيجة التي يؤدي إليها التهريب الحقيقي وان اختلف معه في الشكل.

وتجدر الإشارة إلى أن كلاًّ من النوعين يمكن أن يشكل تهريباً ضريبياً أو غير ضريبي، فنكون بصدد جريمة تهريب حقيقي ضريبي، أو غير ضريبي، وجريمة تهريب حكمي ضريبي أو غير ضريبي حسب الحال.

الحالات التي تدخل في حكم التهريب.

‌أ-        عدم التوجه بالبضائع عند الإدخال إلى أول مركز جمركي.

وتقوم هذه الجريمة بمجرد قيام ركنها المادي، والمتمثل في السلوك الإجرامي للمهرب الناجم عن مخالفته للقاعدة التشريعية، وتعتبر النتيجة متحققة لمجرد ضبط البضائع “محل التهريب” أثناء سلوكها طريقاً لا يؤدي إلى أول مركز جمركي أو لمجرد حيازتها أو تخزينها بين منطقة الحدود والمركز الجمركي. أما إذا تم ضبط البضائع المهربة بعد تجاوزها المركز الجمركي دون أداء الرسوم الجمركية والضرائب الأخرى المترتبة عليها فإننا نكون في هذه الحالة أمام جريمة تهريب حقيقي مكتملة الأركان.

 

‌ب-      عدم اتباع الطرق المحددة في إدخال البضائع وإخراجها.

فإذا تم ضبط البضاعة “محل التهريب” على الحدود. دون التقيد بالطرق المودية إلى المركز الجمركي، فإن هذا الفعل يعتبر شروعاً في التهريب أما إذا تم ضبطها بعد تجاوزها منطقة المركز الجمركي دون دفع الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى فإن هذا الفعل يعتبر جريمة تامة.

‌ج-   تفريغ البضائع من السفن أو تحميلها عليها بصورة مغايرة للأنظمة على الشواطئ التي لا توجد فيها مراكز جمركية أو تحميلها أو تفريغها في النطاق الجمركي البحري.

‌د-   تفريغ البضائع من الطائرات أو تحميلها عليها بصورة غير مشروعة خارج المطارات الرسمية أو إلقاء البضائع أثناء النقل الجوي

هـ- عدم التصريح في مكتب الإدخال أو الإخراج عن البضائع الواردة أو الصادرة دون بيان حمولة ويدخل في ذلك ما يصحبه المسافرون

ويتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في السلوك السلبي وهو الامتناع عن واجب التصريح عن البضاعة، الذي فرضه القانون على الكافة، للالتزام به، ويكفي لقيام هذه الجريمة، القيام بهذا السلوك الذي يتحد كذلك مع النتيجة.

و- تجاوز البضائع في الإدخال أو الإخراج المراكز الجمركية دون التصريح عنها.

إن إدراج المشرع لهذه الحالة تحت عنوان جرائم التهريب الحكمي هو شيء لا يتفق وواقع الحال حيث أننا أمام جريمة تهريب حقيقي مكتملة الأركان من حيث السلوك، ومحل الجريمة، والسببية والنتيجة. حيث يتم إدخال البضاعة أو إخراجها من البلاد دون أداء الرسوم الجمركية، كما أنه يتم ضبطها بعد تجاوز المركز الجمركي، وبصورة مخالفة للتشريعات الجمركية.

ز- اكتشاف بضائع غير مصرح عنها في المركز الجمركي موضوعة في مخابئ بقصد إخفائها أو في فجوات أو فراغات لا تكون مخصصة عادة لاحتواء مثل هذه البضائع.

ورغم أن المشرع قد أفرد بنداً خاصاً، في جرائم التهريب الحكمي، لحالة إخفاء البضائع في مخابئ، إلا أن بعض النقاد يرى بالنتيجة  أنها لا تخرج عن جريمة عدم التصريح عنها. لأن إخفاء البضائع بحد ذاته، لا يشكل جريمة تهريب، بل إن عدم التصريح عنها، هو الذي يشكل الجريمة، حيث أن التصريح عن هذه البضاعة حتى لو كانت موضوعة في مخابئ، ينفي الجريمة نفياً قاطعاً وأن الركن المادي لهذه الجريمة هو السلوك السلبي الذي يتمثل بالامتناع عن واجب التصريح عن البضاعة، الذي فرضه القانون على الكافة، للالتزام به، ويكفي لقيام الجريمة، القيام بهذا السلوك الذي يتحد أيضاً مع النتيجة

ح- الزيادة أو النقص أو التبديل في عدد الطرود وفي محتوياتها المقبولة في وضع معلق الرسوم المنصوص عليها في الباب السادس من هذا القانون والمكتشفة بعد مغادرة البضاعة مركز الإدخال ويشمل هذا الحكم البضائع التي عبرت البلاد تهريباً أو دون معاملة ويتحمل الناقل مسؤولية ذلك

.

ع- تفريغ البضائع من القطارات أو تحميلها عليها بصورة مغايرة للأنظمة في الأماكن التي لا توجد فيها مراكز جمركية أو تحميلها أو تفريغها في النطاق الجمركي.

ثانياً    : من حيث المصلحة المعتدى عليها فإن التهريب الجمركي

ينقسم إلى تهريب ضريبي وغير ضريبي.

1-     التهريب الضريبي: ويتحقق بإدخال البضائع أو إخراجها بطريقة غير مشروعة دون أداء الضريبة الجمركية المستحقة، وهو إضرار بمصلحة ضريبة الدولة، ويتحقق هذا الإضرار بحرمانها من تلك الضريبة.

2-     التهريب غير الضريبي: يتكون الركن المادي في هذه الجريمة من نشاط يتمثل في إدخال المهرب بضاعة أو إخراجها من البلاد خرقاً للحظر المفروض عليها، ويستوي أن يكون الجاني قد أدخل البضاعة أو أخرجها بطريقة مشروعة أو غير مشروعة.

ولذلك فإن الجريمة تقع حتى لو أقر الحائز للبضاعة المحظور دخولها بحيازتها كما أنها تقع من باب أولى لو أخطأ الموظف المختص فلم يتبين أنها محظور استيرادها وعليه فلا يجوز لمن يستورد بضاعة محظور استيرادها أن  يحتج بأنه سلك الطريق الطبيعي لاستيرادها.

فالنشاط المادي يكتمل بتوافر فعل دخول البضاعة أو إخراجها في وجود حظر لاستيرادها أو تصديرها، ولا عبرة بما إذا كانت البضاعة ذات نفع عام أو ليس لها ضرر على الصحة أو الأخلاق فالاعتبارات التي أدت إلى الحظر متروك تقديرها لسلطات الدولة وفقاً للظروف التي تمر بها.

والفرق بين صورتي التهريب الجمركي من حيث المصلحة المعتدى عليها أنه بينما يهدف قانون الجمارك من العقاب على التهريب الضريبي إلى حماية مصلحة الدولة الضريبية من الإضرار بها أو تعريضها للخطر، فإنه يهدف من وراء العقاب على التهريب غير الضريبي إلى حماية مصلحة أخرى أساسية غير مصلحتها الضريبية، والتي قد تكون اقتصادية أو حربية أو صحية أو أخلاقية.

ويطلق البعض على التهريب غير الضريبي اصطلاح التهريب الاقتصادي تمييزاً له عن التهريب غير الضريبي، وذلك على أساس الهدف الذي يتوخاه المشرع من العقاب عليه هو حماية المصلحة الاقتصادية للدولة كما أنه كثيراً ما ينطوي التهريب الاقتصادي على تهريب ضريبي لأن المال موضوع التهريب الاقتصادي غالباً ما يكون وعاءاً للضريبة الجمركية.

إلا أن بعض الفقهاء انتقدوا هذه التسمية وقالوا أن فيها قصوراً عن الإحاطة بحقيقة هذا التهريب، لأنه لا تلازم بين التهريب غير الضريبي والمصالح الاقتصادية للدولة، فالقيود التي تفرضها الدولة لمنع الاستيراد أو التصدير لا تهدف إلى رعاية مصالحها الاقتصادية فحسب وإنما قد يريد بها حماية مصالح أخرى سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية أو صحية.

ونحن بدورنا نؤيد الاتجاه الذي يؤيد هذا النقد، باعتبار أن “التهريب الاقتصادي” هو صورة من صور التهريب غير الضريبي لا كلها. لأن الأسباب التي تفرض الرقابة الجمركية من أجلها غير محصورة في الأغراض المالية والاقتصادية بل تتعداها إلى أغراض أخرى متنوعة منها: الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والصحية. أو لاعتبارات تتعلق بأمن الدولة أو بمركزها بين غيرها من الدول.

ويرى بعض الفقهاء أنه من الأفضل عدم تعدد التهريب الجمركي بتعدد المصالح المعتدى عليها، ولا تجزئته إلى تهريب ضريبي وتهريب غير ضريبي، لأن التهريب غير الضريبي ينطوي، في غالب الأحوال، على تهريب ضريبي إذ أن محل التهريب غير الضريبي كثيراً ما يكون وعاء للضريبة الجمركية، لذلك ليس هناك فيصل حازم بين الاثنين فالتهريب الجمركي واحد وإن تنوعت أسبابه.

  • مثال على اقتصاد أنهكه التهريب …

بعد هذا الشرح والتفصيل في موضوع التهريب سأذكر لكم أحد الدول التي يشتهر فيها التهريب لتتصوروا حجم الضرر الناتج عن الهريب وخصوصاً إن دخلت الشعوب في أزمة الحروب الداخلية .

مثال اليوم هي أحدى الدول في جنوب إفريقيا  :

جمهوريّة سيراليون هي دولة تقع في الجهة الغربيّة من القارة الأفريقية، وبالتحديد على سواحل المحيط الأطلسي،

تشتهر جمهوريّة سيراليون بإنتاج الألماس؛ حيث إنّ الانقلابات المتتالية التي حصلت في التسعينيّات أدّت إلى إضعاف السلطة المركزيّة في البلاد، ونتج عن ذلك نشوء منظّمة لتهريب الخام من مناجم جمهوريّة سيراليون إلى شركات ألماس دوليّة أخرى خارج البلاد وبأسعار مخفّضة وأقلّ من الأسعار الحقيقيّة خاصة دي بيرز، وسمّي هذا الألماس بالدموي، ودعا العديد من الناس إلى مقاطعته على الرّغم من استحالة تمييزه عن غيره من الأنواع الأخرى.


ومع الزّيادة المستمرّة في جريمة تهريب الألماس أدى ذلك إلى نشأة حرب أهليّة استمرّت من عام 1991م وحتى 2002م؛ حيث كان الهدف الرئيسي من الحرب هو السيطرة على مناجم الألماس الموجودة على أراضي جمهوريّة سيراليون، وتمّ في هذه الحرب تجنيد الأطفال وإعطائهم الأسلحة والبنادق الآليّة، ممّا أدّى إلى حدوث نتائج سيّئة على الكبار والصغار في جمهوريّة سيراليون.


وتمّ إنشاء العديد من البرامج الدوليّة التي تخص إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال الّذين يعدّون مجرمي حرب، وتمّ القبض على مجرم الحرب الحقيقي فودي سنكوح، وذلك حدث في عام 2004م، ولم يقتصر تهريب الألماس فقط على المهرّبين؛ بل شارك في هذه العمليّة أيضاً العديد من الرؤساء السابقين لجمهوريّة سيراليون وليبيريا الّذين عملوا على تهريب الألماس الدموي، خصوصاً الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور الّذي اتّهمته المحكمة الدوليّة بتهريب الألماس الدموي وذلك في عام 2004م

إعداد الناشر : إبراهيم حسني

شاهد أيضاً

العدوان الصهيوني على غزة : ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 70654 شهيدا و 171095 مصابا

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023, إلى 70654 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *