انتخاب جيرمي كوربن زعيما لحزب العمال البريطاني يحدث هزة سياسية في أوساط الحزب وخارجه
ترجمة: علاء الدين أبوزينة
«أحمر ومنهار» كان عنوان صحيفة «ميل أون صنداي» اليمينية في ردها على «الهزة» التي أحدثها فوز النائب اليساري جيرمي كوربن بزعامة حزب العمال البريطاني. وتعني بالأحمر الشيوعية.
فقد سحق جيرمي كوربن منافسيه في الجولة الأولى وحاز على نسبة 59.5%من أصوات الناخبين العماليين وهي نسبة كبيرة لم يحققها حتى توني بلير رئيس الوزراء السابق عندما انتخب لزعامة الحزب عام 1994.
وظل كوربن مرشحا هامشيا في بداية الحملات الانتخابية لاختيار خلف لديفيد ميليباند الذي استقال بعد الهزيمة المدوية للحزب في انتخابات أيار/مايو هذا العام وجاء إلى قائمة المرشحين متأخرا ولم ينجح بتسجيل اسمه إلا بعد حصوله على دعم 15 نائبا، وظل في آخر القائمة من ناحية استطلاعات الصحف حول الزعيم المقبل للحزب.
فخلال الحملة الانتخابية رشحت الاستطلاعات أندي بيرنهام للزعامة (حصل على نسبة 19%) وجاءت بعده يوفيت كوبر التي لقيت دعما من رئيس الوزراء السابق غوردون براون في المرتبة الثانية (17%) وثالثا جاءت ليز كيندال (4.5%) المحسوبة على تيار بلير ورفاقه في الحزب إلا أن كوربن أثبت خطأ الاستطلاعات.
عوامل
تغيرت حظوظ كوربن عندما حصل على دعم اتحادات العمال الكبرى في البلد ومن هذه اللحظة بدأ يتقدم في أوساط الحزب.
وهذا يفسر فوزه وبالجولة الأولى بنسبة تقترب من 60% من أصوات الناخبين العماليين مما يعطيه كما أكد في أحاديثه التي تبعت فوزه أن لديه تفويضا من أتباع الحزب.
ومع ذلك فهذا ليس العامل الأكبر فقد استطاع كوربن، نائب منطقة إيزلنغتون نورث – لندن التي يحتل مقعدها منذ عام 1983، إقناع أعضاء الحزب بضرورة التغيير بعد تغييب بلير ورفاقه «رسالة» حزب العمال الحقيقية وتهميشه للقوى النقابية واليسارية فيه. وجذبت رسالته الشبان الذين أحبطتهم ممارسات الطبقة السياسية في بلدهم – محافظة، ليبرالية ديمقراطية أم عمالية – وتحدث كوربن إليهم حيث كانت القاعات تمتلئ أثناء الحملة الانتخابية بالأتباع والمؤيدين للحزب.
وقامت حملته الانتخابية على دعم النقابات ومعارضة سياسة التقشف وإصلاح النظام الصحي وإلغاء الرسوم الجامعية التي تثقل كاهل الطلاب في دراستهم وحياتهم العملية. وبدت رسالته اجتماعية وتعبر عن القيم التي قام عليه الحزب في بريطانيا، وهي الوقوف إلى جانب الفقراء والمسحوقين.
وهذا يفسر موقف اليمين المحافظ منه انتخابه، فمن ناحية حذر الساسة والمعلقون من التيار اليميني من مخاطر كوربن على بريطانيا وقالوا إنه سيدمرها، وهي الرسالة نفسها التي تبناها المحافظون في الانتخابات الأخيرة التي حذرت من خطر ميليباند والعمال. ومن ناحية أخرى شجعت صحف اليمين خاصة «دايلي تلغراف» العمال على انتخاب كوربن لاعتقادها أن الحزب سينهار بانتخابه وينتهي كمنافس مهم للمحافظين.
وفي الحقيقة يعتبر الخاسر الأكبر في انتخابات العمال الجناح البليري الذي تسيد الحزب على مدار عقد من الزمان، وجاءت خسارته مدوية حيث لم تحصل مرشحته إلا على أقل من 5%.
صدمة بلير
ومن هنا نفهم التحذيرات التي أطلقها بلير في أثناء الحملة الإنتخابية ورد فعله على تتويج كوربن. فهو «في حالة صدمة» وكذا كل من حوله من مثل بيتر مندلسون والذي اتهم كوربن بتنفيذ انقلاب، فيما قال وزير الداخلية السابق ديفيد بلانكيت إن «البلطجية» عادوا للسيطرة على العمال وتوقع أن يظل العمال خارج السلطة لأجيال. واتهم تشارلس كلارك الوزير السابق كوربن بالحديث عن وعود يعرف أنه لن يكون قادرا على تحقيقها.
وتعبر هذه الأصوات عن التيار البليري المصدوم بدرجة كبيرة. ففوز كوربن يعني سقوط الستار على حقبة بلير وتياره، وهو ما قاد سبعة من النواب الذين يحتلون المقاعد الأمامية في البرلمان للإعلان عن عدم تعاونهم معه في طاقمه الجديد «حكومة الظل» ومنهم كوبر وكيندال وتريستام هانت وزير الظل للشوؤن التعليمية. وفي الوقت الذي كان كوربن يلقي خطاب النصر أرسل وزير الظل للشؤون الصحية جيمي ريد استقالته.
وتزعم الصحف إمكانية حملة «تطهير» قد تتم في الحزب. والداعي لهذا هو أن العمال انتخبوا زعيما متشددا اشتراكيا ويساريا وهو ما لم يحدث منذ عقود.
وينتمي كوربن إلى المدرسة التي وصفها البليريون دائما بالمتمردة. ومنها النائب الراحل توني بن وعمدة لندن السابق كين لينفنجستون (كين الأحمر) ودايانا أبوت النائبة عن هاكني في شرق لندن والتي وعدها كوربن بتعزيز نسبة النساء في طاقمه.
تحديات
ويواجه كوربن، قليل الخبرة في القيادة، مشكلة مهمة وهي توحيد أجنحة الحزب تحت قيادته وإقناع النواب الذين ترددت غالبيتهم بدعمه، فنسبة دعمهم له هي 220 ـ 20 معه. وهي مشكلة حقيقية قد تدفع الخاسرين للإطاحة به وتخريب جهوده. ويناقش هؤلاء أن كوربن شخص لا يصلح لأن يكون رئيسا للوزراء ولا يمكنه قيادة الحزب في انتخابات عام 2020.
وفي حالة فشل كوربن في ضم صفوف الحزب وتوحيدها فسيعاني من «حرب أهلية». ومن هنا أكد كوربن في خطاب انتصاره على أهمية إيصال رسالة الحزب لكل قطاعات الشعب البريطاني. كما رحب بمن عادوا للحزب من جديد بعد ان غادروه بسبب سيطرة بلير وجماعته. وهنا لا بد من الملاحظة أن فوز كوربن لم يكن ليتم لولا تضاعف عدد من يحق لهم التصويت لثلاثة أضعاف، حيث دفع كل راغب رسوما قدرها 3 جنيهات ليحصل على حق التصويت مما زاد عدد الناخبين إلى 550.000 شخص.
ومعظم هؤلاء صوتوا لكوربن وهو ما دعا الأخير للقول إن «الصحافيين والكثيرين منا لم يفهموا مواقف الجيل الشاب الذي ابتعد عن السياسة بسبب تصرفات النخبة السياسية».
وفي ضوء غضب نواب وتردد آخرين للتعاون معه مثل هيلاري بن، مسؤول الشؤون الخارجية وحتى بيرنهام الخاسر فقد أكد كوربن في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «أوبزيرفر» أن النسبة التي فاز بها تعني أن لديه تفويضا «أعتقد أن أعضاء وداعمي الحزب يتوقعون من النواب البرلمانيين التعاون مع الزعيم الجديد. ودعونا نطور استراتيجية فاعلة ومضادة للمحافظين وفي القضايا التي تحدثت عنها في خطابي: الرفاه الاجتماعي والاتحادات العمالية والميزانية». ووعد بتشكيل حكومته سريعا كي تكون جاهزة لأول مناقشة برلمانية.
الوحدة
وفي أول مقال نشره كوربن كزعيم للحزب دعا فيه نقاده للتخلي عن تحفظاتهم والعمل معه والانضمام للحركة الجديدة التي سترحب وتتسامح مع كل الأراء «ومن أجل تبديد كل الشكوك، فقيادتي ستركز على الوحدة وتتعاون مع كل القدرات، وستمثل المرأة نصف الوزراء وسنعمل معا في كل مستوى من مستويات الحزب». ودعا الخائفين من أن تؤدي قيادته لتهميش الطبقة المتوسطة قائلا «نفهم التطلعات ونؤمن بأن لا يمكن تحقيقها إلا بشكل جماعي، فكل واحد يحلم بشراء بيت وأن تكون له وظيفة وحياة جيدة ورعاية صحية وتقاعد جيد.. وتوفرت هذه الأمور لجيلي ويجب أن تتوفر لجيل المستقبل».
ويعتقد الزعيم الجديد أن انتخابه يظهر «ديمقراطية تبدأ من القاعدة والمشاركة العامة» وهو ما قلب المفهوم العام للسياسة رأسا إلى عقب. فنجاح حملته لم يكن ليتم لولا مئات الألوف من الناشطين الذين يمثلون كل الطبقات والأعمال.
وبناء على هذه المشاركة فلن يستطيع أحد الزعم بأن الشبان ليسوا مهتمين بالسياسة أو لا شهية لدى المجتمع لسياسة جديدة.
وكشفت الانتخابات عن أن الملايين من الناس هم البديل الحقيقي، عندما أكد الزعيم الجديد على أن التطلع للتغيير وتقديم أفكار جديدة من مثل مقاومة التقشف وتحقيق السلام والعدل الاجتماعيين ومكافحة اللامساواة، وهي الأفكار التي قام عليها حزب العمال قبل أكثر من قرن.
ويرى كوربن في الإقبال على الانتخابات تعبيراعن رغبة شديدة لإحداث تغيير حقيقي. ويضيف «لقد قاتلنا وفزنا بناء على السياسات لا الشخصيات من دون ضغينة أو سوء معاملة». وكوربن واثق من قدرته مع من سيتعامل معه على بناء حركة عمالية ديمقراطية لا تعتمد على أوامر من الزعيم بل على المشاركة وتبادل الأفكار من كل مستويات الحزب.
وهو يدعو إلى «سياسة جديدة: لطيفة تحترم الآخر وجريئة في الوقت نفسه» و»يمكننا تغيير العقول والسياسة وتغيير الأمور للأحسن». ويقول إن الرسالة المهمة التي تؤخذ من انتخابات القيادة الأخيرة هي أن الحزب يقف مع الناس. فحزب المحافظين الحاكم يعمل على تشريع قانون للاتحادات العمالية يجعل من الصعوبة على العمال الحصول على أجر جيد في العمل. مع أن اتحادات العمال هي قوة للخير وللمساواة في المجتمع.
وفي المسألة الخارجية ذكر كوربن أن رئيس الوزراء يريد توسيع الحملة العسكرية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام». ومن المتوقع أن يجد كاميرون صعوبة في تمرير خطته. وهنا يقول زعيم العمال الجديد «من الواضح أن يطلب منا قريبا رئيس الوزراء قصف سوريا وهي خطوة لن تساعد اللاجئين بل ستخلق أزمة أخرى». ويقول كوربن إن «تنظيم الدولة» حركة بغيضة فيما ارتكب نظام الأسد جرائم فظيعة، ولكن علينا أن نعارض القصف السعودي لليمن والدكتاتورية في البحرين «دورنا هو الدعوة للسلام ونزع الأسلحة حول العالم».
وكانت أول مشاركة لكوربن، كزعيم للحزب، هي التظاهر في ساحة الطرف الأغر دعما للاجئين حيث خرج الآلاف يطالبون باستقبالهم والسماح لهم بالعيش في بريطانيا.
ويعبر موقف كوربن في السياسة الخارجية عن دعم للحركات الثورية في العالم ولهذا وصفته رئيسة الأرجنتين كريستينا فرنانديز كرشينر بصديق اليسار في أمريكا اللاتينية. وهو عضو قديم في حركة التضامن مع الفلسطييين ودعا لرفع الحصار عن غزة والناشط المعروف في حركة «أوقفوا الحرب ضد العراق».
ومواقف كوربن من هذه القضايا التي تراها المؤسسة السياسية وعدد من النواب خطيرة وتجعله زعيما لا يمكن انتخابه كرئيس للوزراء وهذا تحد له، فأمامه مهمة كبيرة لتوحيد الحزب والتفاوض والتصالح مع الجميع.
مهام
وترى صحيفة «إندبندنت أون صنداي» أن كاميرون أراد ضرب الحركة العمالية من خلال قانون الاتحادات العمالية وهذا تحد لكوربن الذي جاء للزعامة على بطاقة دعم النقابات التي كان ناشطا فيها من خلال الاتحاد الوطني لموظفي القطاع العام.
وسيواجه كوربن يوم غد برلمانيي الحزب الذين لم يدعموه. وفي يوم الأربعاء سيواجه كاميرون في النقاش الأسبوعي للبرلمان. وأمامه الانتخابات في اسكتلندا وانتخابات عمدية لندن التي رشح الحزب لها صادق خان الوزير السابق في وزارة العدل. ويأمل كوربن أن تؤدي قدرات خان وشخصيته القيادية إلى استرجاع العمدية من المحافظين. وتظل هذه تحديات قريبة أو متوسطة المدى، لكن التحدي الأكبر والبعيد المدى هو مواجهة الثوار داخل حزبه الذين قد يستغلون الفرصة ويحاولون إضعاف قيادته. ويجب أن يبدأ كوربن المعركة ضدهم ويمنع الشق في الحزب حالا، وعندما يخاطب المؤتمر السنوي للعمال والذي يجب أن يقنع فيه المتشككين والرافضين لزعامته.
ورغم كل هذه التحديات إلا أن انتخاب كوربن حسب صحيفة «إندبندنت أون صاندي» يعبر عن رغبة في التغيير «وهي رسالة قوية للمؤسسة من أن هناك شهية لممارسة السياسة بطريقة مختلفة»، فقد جرف متمرد خرق كل القوانين مجموعة من المرشحين التقليديين. «فكوربن لا يبدو نائبا علاوة على كونه رئيس وزراء ولم يعمل أبدا كوزير أو وزيرا للظل… إلا أن الناس اندفعوا للانضمام للعمال والتصويت له منجذبين إلى بساطة وصدق موقفه» الداعي للمساواة ومواجهة الرأسمالية.
وبعيدا عن دقائق البرنامج الذي تقدم به كوربن إلا أن الدرس الأكبر من انتخابه هو عن ممارسة السياسة بطرق أخرى. فلدى كوربن أفكار جديدة حول كيفية إدارة البرلمان ونقاشاته، حيث اقترح ان يسمح لنواب المقاعد الخلفية توجيه أسئلة لرئيس الوزراء.
مثير للدهشة
وترى صحيفة «أوبزيرفر» التي قالت في افتتاحيتها إن على نقاده الاعتراف بأنه حقق أمرا مثيرا للدهشة.
فقد استطاع كوربن تحشيد الناس بمن فيهم الشبان وأقنعهم بالانضمام للحزب. وتتساءل الصحيفة عن طبيعة برنامجه وما يمكن أن يقدمه، فخطاب النصر ليس فيه جديد ويشبه أي خطاب ألقاه خلال فترته في البرلمان.
فهو لم يقل جديدا حول التحديات المعاصرة التي تواجه بريطانيا مثل الآثار التي تركتها التكنولوجيا والعولمة على سوق العمالة، وكيف نسلح الجيل الشاب بمهارات يحتاجونها في سوق العمل الحديث، خاصة أن النظام التعليمي لا يزال يركز على مهارات احتاج إليها الناس في القرن العشرين. وما هو مستقبل الاتحادات وكيف يمكن أن تلعب بريطانيا دورا إيجابيا في المؤسسات الدولية مثل الناتو والاتحاد الأوروبي.
وتعتقد الصحيفة أن الناخب البريطاني سيرفض «الكوربونية» في شكلها الحالي إن كانت أساس الحملة الانتخابية المقبلة. لأن التاريخ يشير إلى أن حزب العمال يفوز عندما يثق الناس به وبقدرته على إدارة الاقتصاد والإنفاق العام. فهزيمة العمال الأخيرة جاءت بسبب شكوك الناس بميليباند ومخاوفهم من حكومة عمالية تنفق وتقترض كثيرا. وترى أن نجاح كوربن جاء بسبب عدم قدرة المرشحين الآخرين على تقديم رؤية واضحة، وبالتحديد الجناح الممثل لبلير الذي يواجه أسئلة صعبة. وعليه فمن السذاجة تكرار استراتيجية انتخابات الزعامة في الانتخابات العامة إلا إذا استطاع كوربن إيصال رسالته للمركز وإقناع الشباب والشيوخ على حد سواء.
وترى أن استمرار كوربن بقيادة حزبه بعقلية الناشط الشعبوي والسياسة الهامشية التي عاش فيها لن تنتج إلا قاعدة صغيرة مؤيدة له وراضية عن سياساته، ولكنها غير كافية لربح الانتخابات. وتختم بالقول «لقد أثبتت الكوربنية أنها هزة أرضية يمكنها هز السياسة بصورة غير متخيلة.
ولكن عليها أن ثبت أنها قادرة على تشكيل مسار ينتفع منه المحرومون وتقدم في الوقت نفسه حلولا تقدمية وشعبية وسياسية للمشاكل التي تواجه بريطانيا».
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة
