معايير إدارة مخاطر
يجمع الباحثين على أن تاريخ نشآه البنوك الحديثة بدء من منتصف القرن الثاني عشر للميلاد حيث تأســـس أول بنـــك وذلك في مدينـة البندقيــــة عام 1157م تلاه بنــك برشلونـــة عام 1401م ثم بنك ريالتو عام 1587م بمدينة البندقية ثم بنك أمستردام عام 1609م. يعتبر بنك أمستردام النموذج الذي احتذت بة معظم البنوك الأوروبية بعد ذلك مع مراعاة ما املتة اختلافات الظروف والأحوال بين دولة وأخرى ثم بعد ذلك انتشرت البنوك في أمريكا وغيرها من بلدان العالم(1).
تختلف التعاريف الخاصة بالبنوك باختلاف القوانين والأنظمة التي تحكم أعمالها والتي تتباين من بلـد لأخـر. كما أنها تختلف باختلاف طبيعة نشاط هذه البنوك وشكلها القانوني. لذا فان من الصعوبة بمـكان إيجاد تعريف شامل لها على اختلاف أنواعــها وإشكالها والقوانين التي تحكم أعمالها.
يعرف البعض البنك بأنة (مكان التقاء عرض الأموال بالطلب عليها) ويعاب على هذا التعريف الذي يصور البنك كحلقة وصل بين المودعين والمستثمرين كونه فضفاضا إلى درجة كبيرة بحيث يشمل مؤسسات عديدة كشركات التامين وصناديق التوفير والتعاونيات وغيرها مع الاختلاف الواضح بين البنوك وهذه الشركات المالية فطريقة تجميع الأموال في البنوك تكون على شكل ودائع بينما هي اشتراكات وأقساط شهرية في التعاونيات وشركات التامين. يضاف إلى ذلك أن استخدامات هذه الأموال وتوظيفاتها تتمتع بقدر كبير من الاستقرار والثبات في الشركات المالية بينما تتميز بعدم الاستقرار في البنوك لأنها ودائع على درجات متفاوتة من الثبات من حيث بقاؤها في البنك كودائع(2). لذلك يمكن تميز البنك عن المؤسسات المالية الأخرى على أنة المنشأة التي تقبل ديونها في تسوية الديون بين أفراد ومؤسسات المجتمع (القبول بالشيكات المسحوبة على البنوك في تسوية الديون) ومجمل القول أن البنك هو المنشآت التي تتخذ من الاتجار في النقود حرفة لها(3).
يعرف الائتمان المصرفي بأنه تلك الخدمات المقدمة للعملاء التي يتم بمقتضاها تزويد الأفراد والمؤسسات والمنشآت في المجتمع بالأموال اللازمة على أن يتعهد المدين بسداد تلك الأموال وفوائدها والعمولات المستحقة عليها والمصاريف دفعة واحدة أو على أقساط في تواريخ محددة. يمنح الائتمان المصرفي بناء على مجموعة من الشروط ومن بينها وجود الضمانات التي تكفل للبنك استرداد أمواله في حال توقف العميل عن السداد بدون أية خسائر وينطوي هذا المعنى على ما يسمى بالتسهيلات الائتمانية ويحتوي على مفهوم الإقراض والسلفيات حتى إنه يمكن أن يكتفي بأحد تلك المعاني للدلالة على إحداها (4).
التسهيلات الائتمانية التي تقدمها البنوك لعملائها نوعان: • تسهيلات ائتمانية مباشــرة: هي تسهيلات ائتمانية تقدم للعملاء وتبوب ضمن مفردات الأصول ومن أمثلتها القروض و السلفيات و الحسابات الجارية مدينة. • تسهيلات ائتمانية غير مباشرة: هي تسهيلات ائتمانية تقدم للعملاء وتبوب ضمن الالتزامات العرضية ومن أمثلتها الاعتمادات مستنديه و خطابات الضمان. تمثل التسهيلات الائتمانية المباشرة ما نسبته (50% – 70%) من إجمالي أصول المصرف وهي التي تولد النصيب الأكبر من الدخل التشغيلي للمصارف (5).
يقوم كل بنك بوضع سياسته الائتمانية والتي تمثل إلا طار المتضمن لمجموعة من المعايير والشروط الإرشادية التي تزود بها إدارة منح الائتمان المختصة لضمان المعالجة الموحدة للموضوع الواحد وتوفير عامل الثقة لدى العاملين بالإدارة بما يمكنهم من العمل دون خوف من الوقوع في الخطأ وتوفير المرونة الكافية مع سرعة التصرف بدون الرجوع إلى المستويات العليا طالما أن ذلك داخل نطاق السلطة المفوضة إليهم (6).
الحالة التي تتخذ فيها القرارات الائتمانية هي حالة الخطر فمتخذ القرار الائتماني في البنك لا يستطيع أن يتنبأ بنتائج قراره بدقة كاملة ولكنه يستطيع عن طريق تحليل المخاطر المصاحبة لعمليات الائتمان أن يصل إلى تقدير احتمالات موضوعية محددة للقرار الذي سوف يتخذه فالقرار السليم هو القرار الذي تشعر فيه الإدارة بأن العائد الذي سوف يتولد عنه يوازي أو يزيد على درجة المخاطر التي تحيط به. يمكن لمحلل الائتمان من أجل تحليل المخاطر الائتمانية أن ينطلق من تطبيـــق نماذج المعاييــر الائتمانية المعروفة (7).
البنوك في الحقبة السابقة من التاريخ اهتمت أساسا بالإدارة الحصيفة للأصول والخصوم في حيــن أن البنوك في العصر الحديث أصبحت تهتم بشكل كبير بالمخاطر (كيفية إدارة المخاطر) بالإضافة إلى المحافظة على تحقيق معدل مرتفع من العائد لأصحاب حقوق الملكية. إدارة المخاطر في البنوك تقوم على عدد من المبادئ. مبادئ إدارة المخاطر في البنوك هي عملية يتم من خلالها (التحديد والقياس والمتابعة والمراقبة) للمخاطر التي يواجهها البنك (8).
البنوك كغيرها من المؤسسات المالية تواجه العديـد من التحديات في إدارة المخاطر التي تنشـئ كنتيجة لممارستها لأنشطتها (9). تتعدد المخاطر التي تواجه البنوك في العصر الحديث ومن أمثلة هذه المخاطر (مخاطر السيولة ومخاطر سعر الفائدة ومخاطر السوق ومخاطر الائتمان ومخاطر سعــر الصرف ومخاطر رأس المال ومخاطر التسوية والمخاطر التشغيلية والمخاطر القطرية) (10).
أكثر المخاطر التي تواجه البنوك هي مخاطر الائتمان وتقـوم البنوك بإدارة مخاطر الائتمان من خلال مجموعة من المعايير وتسمى بمعايير إدارة مخاطر الائتمان. معايير إدارة مخاطر الائتمان هي عملية يتم من خلالها (تحديد وقياس ومتابعة المخاطر الائتمانية والرقابة عليها) في البنك.
أهم معايير إدارة المخاطر الائتمانية في البنوك تتضمن:
1- توافر المناخ الملائم لإدارة المخاطــــر الائتمانية.
2- توافر إجراءات سليمــــة لمنـــــــح الائتمــان.
3- توافر إجراءات للتعامل مع الائتمـــان ومتابعته.
4- توافر إجراءات كافية للرقابة على مخاطر الائتمان.
توافر المناخ الملائم لإدارة المخاطر الائتمانية
توافر المناخ الملائم لإدارة المخاطر الائتمانية يعني موافقة مجلس إدارة البنك على الإستراتيجية والسياسات الهامة لمنح الائتمان وتتضمن الإستراتيجية والسياسات الهامة لمنح الائتمان في:
1- مدى استعداد البنك لتحمل المخاطر ومستوى الربحية المطلوب ونتيجة ذلك على جودة محفظته الائتمانية وعلى تنوع المخاطر الائتمانية وعلى حدود المخاطر الائتمانية.
2- تحديد أنواع الائتمان الممكن منحة للعملاء وتحديد القطاعات (الصناعات) والمناطق الجغرافية الممكن منحها الائتمان.
3- وضع حدود قصوى لأجال منح الائتمان وأسس لتسعير الائتمان.
4- تحديد إرشادات عن (نسبة القروض إلى الأصول أو نسبة كل نوع من أنواع الائتمان إلى الأصول) و(نسبة كل نوع من أنواع الائتمان إلى إجمالي المحفظة الائتمانية أو حقوق الملكية).
5- تحديد نوعية الضمانات وكيفية تقيمها والجهة التي تقيمها والعلاقة بين حجم الائتمان وقيمة الضمانات.
6- وضع قواعد منح الائتمان لكبار المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة والإدارة العليا والعاملين بالبنك وأقاربهم ووضع قواعد الموافقة على منح الائتمان وقواعد الحصول على المعلومات والمستندات الواجب توافرها لمنح الائتمان وصلاحيات منح الائتمان ووضع قواعد المراجعة المستقلة للائتمان وقواعد تصنيف الائتمان وتكوين المخصصات.
توافر إجراءات سليمــة لمنـح الائتمـان
توافر الإجراءات السليمة لمنح الائتمان تتضمن الأتي:
أولا: المعايير الملائمة لمنح الائتمان وتتكون هذه المعايير من الأتي:
1- المعلومات الكافية لإجراء تقييم شامل لنوعية المخاطر المرتبطة بطالب الائتمان وإمكانية تصنيفه ائتمانيا وفقا لنظام تصنيف داخلي بالبنك.
2- الأهلية القانونية لطالب الائتمان في تحمل الالتزام.
3- معرفة سمعة طالب الائتمان وخبرته ومركزة في الصناعة (القطاع) والغرض من الائتمان.
4- طبيعة المخاطر الحالية والمستقبلية لطالب الائتمان وللصناعة (للقطاع) ومدى الحساسية للتطورات الاقتصادية والعلاقة بين المخاطر والربحية.
5- مصادر السداد ومدى التزام العميل بسداد الالتزامات السابقة ونوعية الضمانات المقبولة.
ثانيا: التقديـر لحــدود الائتمان ويتم تقدير حدود الائتمان من خلال:
1- وضع حدود لكافة بنود داخل وخارج الميزانية ووضع حدود للصناعات (القطاعات) والمناطق الجغرافية والدول ووضع حدود للائتمان الممكن منحة بالاستناد على درجة التصنيف الائتماني للعميل.
2- وضع حدود للائتمان الممكن منحة إلى حقوق الملكية على مستوى العميل الواحد وإجمالي العملاء وذوي العلاقة وذوي المصالح المتداخلة مع البنك.
توافر إجراءات للتعامـل مع الائتمان ومتابعتـه
يتضمن توافر إجراءات للتعامل مع الائتمان ومتابعته بالأتي:
1- توافر نظام للتعامل مع ملفات الائتمان وتحديث بياناتها ومستنداتها.
2- متابعة التنفيذ للائتمان لمعرفة (مدى الالتزام بالسياسات والإجراءات والقوانين والتعليمات الرقابية—الوضع المالي الحالي للعميل—مدى توافر ضمانات كغطاء مناسـب وفقا للحالة الحالية للعميل—مدى استخدام العملاء للحدود الائتمانية—مدى جودة الائتمان والتصنيف وتكوين المخصصات).
3- التصنيف الداخلي للائتمان والذي يساعد على (منح الائتمان ومتابعة مدى جودته—تسعير الائتمان—تحديد خصائص المحفظة الائتمانية والتركزات الائتمانيــة—تحديد القروض المتعثرة ومدى كفاية المخصصات).
توافر إجراءات كافية للرقابة على مخاطر الائتمان
تتضمن الإجراءات الكافية للرقابة على مخاطر الائتمان في وجود ما يلي:
1- نظام مستقل لمراجعة الائتمان بهدف التعرف على (مدى كفاءة المسئولين عن منح الائتمان ومتابعته—مدى سلامة إجراءات التعامل مع الائتمان—مدى جودة المحفظة الائتمانية—مدى سلامة نظام التصنيف الائتماني).
2- رقابة داخلية للتأكد من الإبلاغ عن الاستثناءات في (السياسات الائتمانية—الإجراءات الائتمانية—الحدود الائتمانية).
3- وحدة خاصة لاكتشاف التسهيلات الائتمانية المتعثرة في وقت مبكر.
تقوم معظم الشركات المصرفية والتأمين بخطوات إستباقية كوسيلة للحد من أي خسائر محتملة الحدوث في المستقبل ، لذا دائماً تأتي مثل هذه القرارات مدروسة بعمق لكنها تكون ذات تأثير مباشر على الإقتصاد
ولكي تتضح الصورة أكثر سيكون المثال عن البنك المركزي السويسري ودوره في توجيه الإقتصاد حسبما يقتضي الحال .
قام البنك المركزي السويسري في خطوة غير معلنة وغير مدرجة بمواعيد قرارات البنك في أحد السنوات السابقة باتخاذ قرار تاريخي بخفض سعر الفائدة على الودائع إلى المناطق السالبة لتسجل -0.25% بعد ان كانت بين المناطق الصفرية ومستوى 0.25%.
القرار في حد ذاته مفاجئ في التوقيت لكن غير مفاجئ من قبل البنك السويسري نفسه والذي المح أعضاؤه طوال الفترة الماضية انهم بصدد تطبيق سعر فائدة بالسالب إذا استدعى الأمر. وهذا ما تحقق في الوقت الراهن.
القرار تم اتخاذه لأول مرة منذ عام 1970 عندما قامت الحكومة بفرض سعر فائدة بالسالب على ودائع الأجانب، لكن هذه المرة تم فرض سعر فائدة بالسالب على جميع الودائع التي تزيد عن 10 مليون فرنك.
المخاطر المستمرة :
الضغوط تزايدت على البنك السويسري لاتخاذ قرار مثل ذلك، وهي عدة عوامل جميعها تؤثر في نفس الاتجاه، انهيار العملة الروسية بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية على روسيا هذا بجانب توجهات البنك المركزي الأوروبي إلى تبني سياسات توسعية عميقة عجلت من قرار البنك في تطبيق سعر فائدة بالسالب والذي سيطبق بداية من يوم 22 يناير/كانون الثاني المقبل والذي سيكون نفس يوم اجتماع البنك الأوروبي.
المعضلة الأساسية هو هروب رؤوس الأموال والبحث عن ملاذ آمن حيث تعد سويسرا أحد أفضل الملاذات الآمنة في أوقات الازمات، والاضرار السلبية التي تنتج من ذلك هو د\عم قيمة الفرنك السويسري امام العملات الرئيسية الأخرى وهو الامر الذي لا يرغبه البنك على الاطلاق.
لذا فرض سعر فائدة بالسلب على الودائع قد يساعد على تخفيف الضغط على الفرنك السويسري كعملة ملاذ آمن.
لذا فإن أحد أسلحة البنك الأخرى التي يستخدمها وتعهد بالإبقاء عليها هي سياسة تثبيت سعر صرف الفرنك امام اليورو عند مستوى 1.20 لكل يورو.
منطقة اليورو :
والسب في تثبيت سعر صرف الفرنك امام اليورو هو ان منطقة اليورو تستحوذ على نحو نصف الصادرات السويسرية. بينما تمثلالصادرات نحو 52% من الناتج المحلي الإجمالي (تقديرات البنك الدولي 2013).
المخاطر المحتملة من تباين السياسة النقدية بين البنك المركزي الأوروبي والبنك المركزي السويسري، البنك المركزي الأوروبي طبق بالفعل سعر فائدة بالسالب في الآونة الأخيرة وهذا الامر مثل ضغط على البنك السويسري في محاولة المناورة وتضييق الفارق الكبير بين السياستين بما لا يجذب الطلب على الفرنك.
بينما الازمة الروسية تلوح في الأفق ويتجه البنك الروسي إلى رفعسعر الفائدة بشكل حاد لمواجهة تراجع قيمة الروبل على خلفية انحدار أسعار النفط والتي تزيد المخاطر امام البنك السويسري من ناحيتين، البحث عن الملاذ الآمن بسبب الازمة الروسية وسويسرا هي المكان المفضل، بينما تراجع أسعار النفط يزيد من مخاطر الانكماش التضخمي.
انخفاض أسعار النفط :
أسعار النفط الخام تراجعت حوالي 40% منذ يونيو/حزيران السابق ويتوقع ان تواصل الانخفاض خلال العام المقبل 2015، وفي الوقت الذي تمثل فيه تراجع أسعار النفط عامل إيجابي لدعم القوى الشرائية لدى افراد القطاع العائلي في الاقتصاديات الغنية.
إلا انها في نفس الوقت تؤثر سلبا على مستويات التضخم في وقت تعاني منه الاقتصاديات الرئيسية ومن ضمنها سويسرا من ضعف وتيرة التضخم والأقرب إلى الانزلاق في انكماش تضخمي.
البنك السويسري يتوقع ان ينزلق التضخم ضمن المناطق السالبة في الأربع فصول القادمة بسبب انخفاض أسعار النفط، بينما على المدى المتوسط والطويل فإن ضعف مستويات التضخم علميا وسلبية النظرة المستقبلية لمنطقة اليورو من شأنها ان تؤثر على مستويات التضخم داخل سويسرا.
وبناء على ذلك خفض البنك توقعات التضخم ليصبح 0.0% في نهاية 2014 من 0.1% (توقعات سبتمبر) بينما يسجل مستوى سالب بنسبة -0.1% في عام 2015 قبل ان يرتفع قليلا بنسبة 0.3%.
وهذه التوقعات تم بناؤها اعتماد على سعر فائدة صفري وتراجع قيمة الفرنك السويسري.
عند 1.20.
وفي هذا المثال أختم المقال آملاً ان أكون قد وفقت لطرح معايير إدارة المخاطر الائتمانية .
إبراهيم اجاج
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة
