يكابد قاطنو دواوير بلدية مصدق المتواجدة بولاية الشلف، واقعا مزريا تنعدم فيه ضروريات الحياة الكريمة، إذ لا تزال دواوير البلدية ترتدي عباءة التخلف رغم تعاقب المجالس البلدية المنتخبة على مبنى البلدية، فلا وعود تحققت ولا مشاريع جسدت لتتواصل مأساة الأهالي في ظل استثناء المنطقة من المشاريع التنموية في مختلف القطاعات، الأمر الذي شدّنا من خلال الزيارة التي قادتنا إلى المنطقة.
تنتظر دواوير بلدية مصدق، غرب الشلف، تحرك مسؤولو البلدية من أجل إدراج المرافق الضرورية التي تفتقدها منذ سنوات طالت، على غرار تهيئة الطرقات التي لا زالت ترابية وقنوات الصرف الحي، الإنارة العمومية وغاز المدينة، وما زاد من تفاقم الأوضاع أكثر هو حالة قاطني الصفيح بالدواوير المتناثرة بإقليم البلدية، منها بقعة أولاد إبراهيم وعدد سكانها نحو 350 نسمة، وتبعد عن مركز البلدية بـ 7 كلم، بقعة الزناتنية وعدد سكانها نحو 2300 نسمة وغبرها من الدواوير المتبقية، تعتمد هذه الكثافة السكانية ببلدية مصدق في حياتهم اليومية على الإسترزاق بما يجمعونه من المحاصيل الزراعية، وثمن ما يبيعونه من بعض الماشية، خاصة المعز والدجاج والأرانب، أما الفترات الفصلية، يسترزقون عن ما يقبضونه من مبيعات الفاكهة الموسمية وخاصة التين الهندي، التين الحر والعنب، كما يعتمد البعض منهم على صنع وبيع الفحم ، خاصة وأن المنطقة قريبة من غابة المرسى وأبو الحسن، السكان جلهم أجمعوا على أن ظروفهم صعبة في ظل النقائص الكبيرة التي تعاني منها المنطقة، وأيضا الظروف القاهرة منها ما قبل 1962 ومرحلة الثورة التحريرية التي كانت منطقة مصدق بتضاريسها الجبلية إحدى المنابع الثورية بأبطالها من المجاهدين والشهداء أو سكانها دون استثناء الذين عايشوا ثورة التحرير بكل جوارحهم، وهذا بحكم موقع المنطقة وتميز تضاريسها بالإرتفاع وأيضا غابتها الكثيفة، أين كانت هذه البقعة منطقة عبور بالنسبة للمجاهدين من المناطق الساحلية شمالا، نحو جبال الونشريس جنوبا بولاية تيسمسيلت، جبال زكار بولاية عين الدفلى شرقا، وجبال الظهرة والرمكة بولايتي غليزان ومستغانم، وأيضا الغطاء النباتي الساحلي بتنس وشرشال بولاية تيبازة إلى حدود ولاية مستغانم، الشطر الثاني من معاناتهم الحقيقية كان مع العشرية السوداء، والشطر الأخير هو ما بعد العشرية السوداء وإقصائهم من جميع الإمتيازات، وبنبرة يغلب عليها الأسى والحزن، كشف سكان هذا الدوار عن مشاكلهم العالقة في مقدمتهم حسبهم والظاهر للعيان، نقص مياه الشرب الذي جعلهم يدفعون الثمن باهضا للحصول على قطرة ماء تطفئ غليلهم في الوقت الذي عجزت مصالح البلدية عن وجود الحلول، سواء بتزويد السكان بصهاريج مائية أو بحنفية جماعية، إلا أن الحلول بقيت غامضة ومجهولة ومعاناة البحث عن الماء تتواصل، إذ أشار السكان بأن الماء سيزور حنفياتهم نصف ساعة في الشهر الواحد، بينما في بعض المناطق لم يزر الماء حنفياتهم مدة شهرين، وكشف القاطنون بالمنطقة عن مشكل آخر أتعبهم، وهو العزلة القاتلة للسكان في غياب وانعدام وسائل النقل من التجمعات السكنية المذكورة إلى مقر البلدية، مهما كان نوعها والوسيلة الوحيدة المتوفرة ظهور الدواب لا غير وأحيانا الجرارات أو السيارات المغطاة، إلا أن هذا لا يحدث إلا نادرا ، وقد أرجع أصحاب مؤسسات النقل سبب عزوفهم على هذا الخط الذي يربط سكان الدواوير بعاصمة البلدية إلى اهتراء الطرق وصعوبة المسالك الوعرة، حيث تعد جميع المسالك صعبة وحتى أصحاب مؤسسات النقل وأصحاب سيارات الكلوندستان يعزفون على استعمال هذه الخطوط والتنقل إلى هذا المكان، هذه العزلة وانعدام وسائل النقل أضحت تشكل الهاجس الكبير بالنسبة لقاطني الدواوير المذكورة، ولعل أكثر المتضررين ن هذا المشكل هم التلاميذ المتمدرسين سيما الذين يزاولون دراستهم بالتعليم المتوسط في المتوسطة الوحيدة الكائنة بمركز البلدية، أو الذين يزاولون دراستهم بالتعليم الثانوي أين يجبر هؤلاء على قطع مسافات طويلة للوصول إلى مقاعد الدراسة، سواء مشيا على الأقدام، أو الإستنجاد بمختلف الوسائل الأخرى إن توفرت، هذا الأمر يتكبده هؤلاء التلاميذ وخاصة في فترة سوء الأحوال المناخية، خاصة في فصل الشتاء، حيث تتميز البلدية ،ببرودة الطقس شتاءا واعتداله صيفا، كما أن الوادي المحاذي للسكان يشكل خطرا على الأطفال خاصة في فصل الشتاء سواء المتمدرسين أو الذين يجبرون على الرعي، كما يعاني الأهالي من غياب الهياكل الصحية بالمنطقة، وهو ما يجبر كل من هو في حاجة إلى التداوي أو استعمال الحقن التنقل إلى المؤسسة الإستشفائية المتواجدة بمركز البلدية والتي توفر الخدمات حسب السكان في الفترة النهارية فقط، أما الفترات الأخرى وخاصة في الليل أو الأوقات خارج العمل، فيتطلب نقل المريض إلى بلدية تاجنة للعلاج وفي الحالات المستعصية يتم نقل المريض أو المرأة الحامل إلى عاصمة الولاية والتي تبعد عن المنطقة نحو 60كم، هذا الأمر حسب السكان يثقل كاهل المريض الذي تكلفه تذكرة النقل غاليا إذا وجد مركبة ميكانيكية أو التنقل على دابته نحو مركز البلدية ومنها نحو عاصمة الولاية، ظروف صعبة حقا يتكبدها هؤلاء السكان، كما أن مشكل الصرف الصحي هو الآخر يؤرق سكان الدواوير السالفة الذكر في قضاء الحاجة والاستعمالات اليومية إلا أن هذا الإشكال وجد له السكان حل وذلك باستعمالهم أماكن معروفة عندهم.
شباب لكن داخلهم روح كهل
أما شاب الدواوير فعبروا عن مخاوفهم من ضياع مستقبلهم خاصة وأن معظمهم لم ينجحوا في دراستهم، ولم يجدوا مرافق أخرى يلجؤون إليها مثل دور الشباب أو قاعات الرياضة، وهو الأمر الذي أدى بالعائلات إلى التساؤل عن سبب حرمانهم من المرافق الرياضية، حيث ينعدم بمركز بلدية مصدق أي جانب من هذه المرافق، سوى المقاهي ومحل للأكل الخفيف، كما توجد مكتبة واحدة ولكنها هيكل بدون روح، أما الملاعب الجوارية أو دور الشباب فهذا من المحال، حيث يطالب شباب هذه المنطقة بالتفاتة السلطات المعنية ومعالجة مشاكلهم التي يتخبطون فيها منذ نشأة هذه البلدية، كما ناشدوا المسؤولين بتحويل المركز الصحي الوحيد بالمنطقة إلى مؤسسة استشفائية تعمل بنظام الدوام، وأيضا بثانوية تقضي على مشكل التنقل إلى ثانوية تاجنة التي تبعد عن مركز بلدية مصدق بـ 18 كلم وعن دواوير أخرى أكثر من ذلك وهو ما يثقل كاهل الطلبة والمتمدرسين، كما أشار السكان في حديثهم معنا لمعالجة مشكل الطريق الذي عزل أكثر من 8 آلاف نسمة عن المحيط الخارجي، ضف إلى ذلك مشكل الماء الذي أثقل كاهل جيوبهم ومتاعبهم في البحث عن جرعة ماء، وحسب السكان يبقى أملهم في السلطات القادمة في تغيير وتحسين وضعهم المعيشي.
إ.ر
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة
