رغم استفادة أزيد من 1000 عائلة تقطن بالحي الفوضوي الكروش بالرغاية شرق العاصمة من الترحيل منذ سنوات، إلا أن الحي لم يتم القضاء عليه نهائيا من قبل السلطات الولائية، حيث ما تزال حوالي 700 عائلة تنتظر دورها في الترحيل، تعيش كل أشكال المعاناة والحرمان، وما زاد من وطأتها سياسة التهميش والإقصاء التي طالتهم منذ قرابة عشرين سنة.
نادية بوخيط
مستعملوا الطريق الرابط بين بلديتي الرغاية وبودواو يلاحظ تواجد عدد من البيوت القصديرية التي تقع على بعد أمتار من مشروع سكني تابع لوكالة عدل، يعيشون حياة صعبة تفتقد لأدنى ظروف الحياة الكريمة وهم يتساءلون عن دورهم في الترحيل، خاصة أن الولاية قامت خلال السنوات الفارطة بترحيل أغلب سكان الحي الفوضوي إلى سكنات لائقة على أمل ترحيل العائلات المتبقية والقضاء النهائي على البناء الهش.
السكان يصفون حيهم بـ ” المقبرة ”
تنقلت ” العالم للادارة ” إلى هذا الحي للوقوف على المعاناة التي تعيشها قرابة 700 عائلة هناك بصفة يومية، في ظل غياب أدنى ضروريات العيش الكريم. الدخول إلى الحي يستغرق وقتا طويلا وذلك لبعده عن التجمعات السكنية الموجودة بالبلدية. عند وصولنا إلى الحي، لاحظنا الحي الفوضوي الذي يقابله في نفس الوقت عدد من الفيلات وعمارات شيّدت حديثا قرب البيوت القصديرية… المسالك المؤدية للحي الفوضوي ترابية يصعب اجتيازها حتى في هذا الفصل الحار، وبمجرد وصولنا إلى الحي حتى استقبلنا أحد قاطنيه وبدأ يروي معاناته في القصدير ومخاوفه من الانتظار أكثر داخله، حيث وصف محدثنا الحي بـ” المقبرة”، في إشارة منه للعزلة التي يعيشونها بهذا الحي منذ أكثر من 20 سنة، مؤكدا أنه فضلا عن النقائص والمعاناة التي يكابدونها يوميا بهذه البيوت، فإن صوت معاناتهم لا يصل إلى المنتخبين المحليين الذين من شأنهم التحرك في سبيل تخليصهم من معيشة الهوان والذل، على حد تعبير محدثنا.
الحي محروم من الربط بمختلف الشبكات
بحي الكروش الفوضوي لا وجود للغاز ولا ربط بمياه الشرب، فالبحث عن المياه يعتبر مهمة شاقة لأبناء هذا الحي، الذين يتنقلون يوميا إلى مصادر المياه من أجل ملء ما يحتاجونه من هذه المادة الحيوية، خاصة في فصل الصيف أين يزداد الطلب على الماء، أما في فصل الشتاء فقد أفاد عدد ممن تحدثوا إلينا في الحي بأن الوضع يختلف، وتصبح الاستفادة من الماء تأتي من أي مصدر كان حتى من مياه الأمطار، حيث يعتمد هؤلاء على الدلاء والأواني المنزلية ببيوتهم لتجميع مياه الأمطار واستغلالها في احتياجاتهم اليومية، “أيعقل أن نعيش وضعا كهذا في 2016؟”، يتساءل أحد السكان وعلامات التذمر تعلو وجهه.
أما قضية الغاز فهي شكل آخر من أشكال المعاناة التي يعيشها هؤلاء السكان في ظل انعدام ربطهم بالغاز وغياب نقاط لبيع قارورات غاز البوتان، وإن وُجدت فهي بعيدة عن موقع حيهم، حيث يقول السكان إنه من الصعوبة التنقل لاقتناء قارورات الغاز في فصل الشتاء والعودة إلى حيهم المعزول مرورا بالمسالك الترابية التي تتحول إلى برك من المياه والأوحال، أما الكهرباء فإن غياب ربطهم بها دفعهم إلى ربط بيوتهم القصديرية بها بطرق عشوائية، عبر وصل أسلاك لنقل التيار الكهربائي بين بيوتهم وأعمدة الإنارة القريبة منهم رغم المخاطر المنجرّة عن هذا الأمر.
وضع بيئي متردي
يعاني سكان الحي من واقعه البيئي المتدهور، حيث تتراكم النفايات بأرجاء المساكن القصديرية، متسببة في انبعاث الروائح الكريهة وانتشار الحشرات والزواحف السامة، وهو الأمر الذي يهدد المواطنين وصحتهم، خاصة الأطفال الذين يتواجدون بالقرب منها أثناء لعبهم، في ظل غياب فضاءات للعب والترفيه خاصة بهم.
ولا يتوقف الأمر عند مخلفات السكان من النفايات، بل يتعداها إلى انعدام قنوات الصرف الصحي، حيث يلجأ أصحاب البيوت القصديرية إلى المطامير المنزلية، وهو ما أدى إلى تأزم مشكل التلوث أكثر فأكثر على مستوى حيهم، بسبب صب هذه المخلفات بين الأزقة لتتحول إلى مجارٍ وبِرَك من المياه الملوثة التي تنبعث منها الروائح الكريهة، مما جعلها بؤرا لاستقطاب الحشرات السامة والجرذان وتكاثرها، لتشكل بذلك بيئة ملائمة لانتشار الأمراض وتنقلها بين السكان، على غرار الأمراض التنفسية والجلدية وأمراض الحساسية التي يعاني منها العديد من قاطني الحي، خاصة منهم الأطفال الصغار وحديثو الولادة بفعل نقص المناعة لديهم. ويقول المواطنون الذين يعيشون هذا الوضع إنها لم تكن بأيديهم حيلة غير بناء أكواخهم بالمكان رغم وعيهم بالمخاطر التي تتهددهم بعدما ضاقت بهم السبل حيث غالبية العائلات لجأت إلى الحي هربا من الوضع الأمني المتدهور خلال القرن الماضي بمناطقهم الأصلية. تبعات هذا الأمر ظهرت آثارها على صحة أبنائهم، حيث صرح لنا عدد منهم بأن أغلب أطفالهم يعانون من أمراض الجهاز التنفسي وأمراض الحساسية، بفعل الجراثيم والفيروسات التي تنقلت إليهم بفعل اللعب بالقرب من الواد.
الفئران والثعابين تشارك السكان أكواخهم
بيوت لا تقي من حر ولا قر، وأسقف لا تحمي من مطر ولا خطر… هو الواقع الذي يعيشه حوالي 700 عائلة متبقية بحي الكروش الفوضوي، فأغلب مساكنهم شيّدت بطريقة عشوائية، مستعملين في بنائها الزنك والصفيح ومختلف أنواع الخردة، وهي كلها مواد لا توفر السلامة والوقاية من مختلف المخاطر التي تحدق بهم. ويقول السكان إنه في فصل الصيف تصبح الحرارة داخل بيوتهم لا تطاق بفعل الحرارة المرتفعة التي تزيد من شدتها مادة الزنك المستخدمة في أسقف بيوتهم، أما في فصل الشتاء فإن الوضع داخل منازلهم يصبح مشابها لخارجه، بفعل تسرب مياه الأمطار داخل بيوتهم متسببة في خسارة أفرشتهم وأجهزتهم الكهرومنزلية وغيرها من الأمتعة، وهي خسارة يتكبّدها هؤلاء سنويا حسبما أفاد به قاطنو الحي.
العائلات متخوفة من الانتظار أكثر
“نحن خائفون من الإقصاء …” هي العبارة التي ظل يرددها على مسامعنا العديد من المواطنين الذين التقينا بهم، حيث عبّروا عن تذمرهم وامتعاضهم من منتخبيهم المحليين الذين لم يكونوا على قدر المسؤولية التي أوكلوا بها، على حد قولهم. وأضافوا أن منتخبيهم يتحملون مسؤولية وضعهم بسبب عدم تكليف أنفسهم عناء التنقل إليهم والوقوف على أشكال الحرمان والمعاناة التي يعشونها، رغم درايتهم بموقع الحي الذي يحصي قرابة 700 بيت قصديري، حيث أكد السكان أن حيّهم يصبح مزارا عند اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية الخاصة بالمجالس البلدية، أين يقطع المترشحون الذين منهم من هو على رأس البلدية حاليا وعودا بالتكفل بهم والعمل على تسوية وضعهم من خلال رفع ملفاتهم إلى السلطات الولائية من أجل إدراجهم في عمليات الترحيل، إلا أن هذا ما لم يحدث على مرّ السنوات وتعاقب المسؤولين على رأس المجلس البلدي.
السكان يعلقون أمالهم على والي العاصمة
قال السكان الحي الفوضوي المتبقيين بالمكان، أنه رغم معاناتهم الطويلة داخل القصدير وإقصائهم من عمليات الترحيل التي قامت بها مصالح ولاية الجزائر خلال السنوات الفارطة إلا أنهم متفاؤلون بالترحيل، واضعين ثقتهم بتصريحات والي العاصمة، الذي أكد على القضاء النهائي على القصدير بالعاصمة، وهم يناشدونه من أجل التدخل لترحيلهم إلى شقق الكرامة التي يحلم بها الصغير قبل الكبير بهذا الحي، وكل أملهم ينحصر في عمليات الترحيل القادمة التي ستطبق في العاصمة لاحقا.
نادية. ب
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة