تعد القعدة الربيعية التقليدية إحدى العادات التي لا تزال متوارثة بين العائلات الشلفية حيث يجتمع أفراد العائلة احتفالا بدخول فصل الربيع وسط ديكور طبيعي تزينه مائدة غذاء مُحضّرة أطباقها من الأعشاب الموسمية تُقدّم في حلة تقليدية تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة.
وتعكف بعض الجمعيات الثقافية المحلية تزامنا وإحياء شهر التراث الثقافي على التعريف والترويج أكثر لهذه العادة ذات الأبعاد الثقافية والاجتماعية والصحية سيما أنها محطة لإبراز أهم ما جادت به أيادي المرأة الشلفية والحفاظ على التقاليد المتوارثة عن الأجداد.
وقالت في هذا الصدد رئيسة جمعية “أحلام للتبادل الثقافي”، خيرة بربري،
أن إحياء القعدة التقليدية الربيعية والترويج لها يندرج ضمن “المهام المنوطة بتنظيمها الذي يسعى لترسيخ العادات والتقاليد وضمان تواصل الأجيال فيما بينها”.
وتقترح السيّدة بربري على المهتمين بالشأن الثقافي والتراث قعدة ربيعية تقليدية تحاكي مشاهد من الماضي القريب صنعها أجدادنا وتترجم بساطة العيش واحتمالات الإبداع في عصرهم، والتي تعبّر في الأخير عن أذواق متشابهة وعادات متكاملة، هي جملة من العلاقات التي صيغت في قالب يسمى الثقافة.
وللوهلة الأولى يستقطبك جناح المعارض التي تنظم احتفالا بقدوم فصل الربيع كل سنة بالقعدة الربيعية التقليدية التي تزيّن بها إحدى زوايا المتحف فترى فيها نافذة الزوار إلى عوالم الأفكار وأشخاص من عهد مضى وقضى، عاداتهم أضحت مصدر فضول أبناء جيل اليوم وكلهم إصرار على إحيائها وتواترها.
“أطباق من الكسكسي على اختلاف أنواعها محضّرة بوصفات الأعشاب الطبيعية التي تنموا في فصل الربيع (…) وأطباق تقليدية أخرى نقدمها على مائدة صنعت من الدوم، في أواني شُكلت من طين فيكون الغذاء صحيا والقعدة تقليدية واللمّة عائلية، هذه عادات أجدادنا احتفالا بقدوم موسم الربيع ولها علاقة بموروثنا الثقافي”، تقول السيّدة بربري.
وثمّن عدد من زوار المتحف هذه المبادرة التي ترتبط بعادة اجتماعية سنّها الأولون وتناساها أبناء اليوم في ظل الطفرة التكنولوجية والتطورات التي يعرفها العالم حيث تسعى هذه المبادرة أساسا للتعريف بالعادات والتقاليد المحلية سواء فيما يخص الطبخ التقليدي أو صناعة الدوم والأواني الطينية.
وتقول في هذا السياق السيّدة أمينة (ربة بيت) أنها كانت في وقت مضى تحيي عادة الاحتفال بدخول موسم الربيع لكن بطريقة مختلفة عن التي تعرضها جمعية أحلام للتبادل الثقافي لافتة إلى دور مثل هذه المناسبات و النشاطات في إبراز التنوع الثقافي الذي تزخر به الولاية.
وتعتبر السيّدة أمينة أن هذه العادة التي تحافظ عليها العائلات الشلفية وتقام احتفالا بموسم الربيع “تساهم في حفظ التقاليد وتلقينها لدى الجيل الحالي سيما أنها تجمع بين مجالات الطبخ التقليدي والصناعات التقليدية (الأواني الطينية – صناعة الدوم) من خلال الديكور الذي تقدّم فيه ناهيك عن التعريف بعادات غذائية طبيعية تعتمد على كل ما هو طبيعي من أعشاب وخضار تنموا خلال هذه الفترة”.
من جانبه اعتبر المختص في علم الاجتماع والانتروبولوجيا بجامعة حسيبة بن بوعلي، الميلود بوعزدية، أن “عادة القعدة الربيعية التقليدية التي تقام تزامنا و دخول فصل الربيع لها من الأبعاد الاجتماعية ما يتعلق بإقامة وتجديد صلة الرحم والقرابة، و كذا الثقافية من خلال الطابع التقليدي الذي تقدّم من خلاله و يرمز لتراث الأجداد” .
وأبرز ذات المختص أن “هذه العادة لها دلالة رمزية تاريخية متعلقة بالفلاحة وانطلاق موسم الحصاد وجني المحصول ومرحلة ارتباط الإنسان بالأرض، الأمر الذي ساهم في تجدد الاحتفال واستمراريته رغم أنه يختلف من منطقة إلى أخرى” مشيدا بالمناسبة بدور الجمعيات الناشطة في المجال الثقافي في الحفاظ والتعريف بهذه العادات ترتبط في الأخير بوجدان وتاريخ الفرد وعلاقته بالمجتمع وكذا انتمائه الثقافي.
م. م
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة