دور التّفكير الإبداعي في حل المشكلات
محمد الرفوع – الأردن
التّفكير الإبداعي نشاط عقلي مركّب وهادف توجهّه يمثل رغبة قويّة في البحث عن حلول أو التّوصّل إلى نواتج أصيلة لم تكن معروفة في السابق. ويتميّز التّفكير الإبداعي بالشّموليّة والتّعقيد لأنّه ينطوي على عناصر معرفيّة وانفعاليّة وأخلاقيّة متداخلة تشكّل حالةً ذهنيّةً فريدة. ويستخدم الباحثون تعبيرات متنوّعة تقابل مفهوم “التّفكير الإبداعيّ” وتلخّصه من النّاحية الإجرائيّة مثل “التّفكير المنتج” Productive و”التّفكير المتباعد” Divergent و”التّفكير الجانبي” Lateral.
مهارات التفكير الإبداعي: إنّ مراجعةً لأكثر اختبارات التّفكير الإبداعي شيوعاً وهي اختبارات تورنس واختبارات جيلفورد تشير إلى أهمّ مهارات التّفكير الإبداعي أو قدراته التي حاول الباحثون قياسها، وهي:
أوّلاً: الطّلاقة : وتعني القدرة على توليد عددٍ كبيرٍ من البدائل أو المترادفات أو الأفكار أو المشكلات أو الاستعمالات عند الاستجابة لمثيرٍ معيّن، والسّرعة والسّهولة في توليدها. وهي في جوهرها عمليّة تذكّر واستدعاء اختياريّة لمعلوماتٍ أو خبراتٍ أو مفاهيم سبق تعلّمها. وقد تمّ التّوصّل إلى عدّة أنواعٍ للطّلاقة عن طريق التّحليل العاملي، وفي ما يلي تفصيلٌ لهذه الأنواع مع أمثلةٍ عليها:
أ. الطّلاقة اللّفظيّة أو طلاقة الكلمات، مثل:
- اكتب أكبر عددٍ ممكن من الكلمات التي تبدأ بحرف “م” وتنتهي بحرف “م”؛
- اكتب أكبر عددٍ ممكن من الكلمات التي تضمّ الأحرف الثّلاث التّالية: “ك، أ، ن”؛
- هات أكبر عددٍ ممكن من الكلمات المكوّنة من أربعة أحرف وتبدأ بحرف “ج”؛
ب. طلاقة المعاني أو الطّلاقة الفكريّة، مثل:
- اذكر جميع الاستخدامات الممكنة لـ “علبة البيبسي”؛
- اذكر كلّ النّتائج المترتّبة على زيادة عدد سكان الأردنّ بمقدار الضّعفين؛
- أعط أكبر عددٍ ممكن من العناوين المناسبة لموضوع القصّة…؛
- اكتب أكبر عددٍ ممكن من النّتائج المترتّبة على مضاعفة طول اليوم ليصبح 48 ساعة؛
جـ. طلاقة الأشكال:
هي القدرة على الرّسم السّريع لعددٍ من الأمثلة والتّفصيلات أو التّعديلات في الاستجابة لمثيرٍ وضعيٍّ أو بصري، مثل:
- كوّن أقصى ما تستطيع من الأشكال أو الأشياء باستخدام الدّوائر المغلقة أو الخطوط المتوازية.
- ثانياً: المرونة: وهي القدرة على توليد أفكارٍ متنوّعة ليست من نوع الأفكار المتوّقعة عادةً، وتوجيه أو تحويل مسار التّفكير مع تغيّر المثير أو متطلّبات الموقف. والمرونة هي عكس الجمود الذّهني الذي يعني تبنّي أنماط ذهنيّة محدّدة سلفاً وغير قابلة للتّغيّر حسب ما تستدعي الحاجة، ومن أشكال المرونة: المرونة التّلقائيّة، والمرونة التّكيّفيّة، ومرونة إعادة التّعريف أو التّخلّي عن مفهومٍ أو علاقةٍ قديمةٍ لمعالجة مشكلةٍ جديدة. ومن الأمثلة عليها:
اكتب مقالاً قصيراً لا يحتوي على أيّ فعلٍ ماضٍ؛
فكّر في جميع الطرق التي يمكن أن تصمّمها لوزن الأشياء الخفيفة جدّاً؛
ويلاحظ هنا أنّ الاهتمام ينصبّ على تنوّع الأفكار أو الاستجابات بينما يتركّز الاهتمام بالنّسبة للطّلاقة على الكمّ دون الكيف والتّنوّع.
ثالثاً: الأصالة: وهي أكثر الخصائص ارتباطاً بالإبداع والتّفكير الإبداعي، والأصالة هنا بمعنى الجدّة والتّفرّد، وهي العامل المشترك بين معظم التّعريفات التي تركّز على النّواتج الإبداعيّة كمحكٍّ للحكم على مستوى الإبداع. ولكنّ المشكلة هنا هي عدم وضوح الجّهة المرجعيّة التي تتّخذ أساساً للمقارنـة: هل هي نواتج الرّاشدين؟ أم نواتج المجتمع العمري؟ أم النّواتج السّابقة للفرد نفسه؟ كيف لنا أن نعرف أنّ فكرةً أو حلاًّ لمشكلةٍ ما يحقّق شرط الأصالة؟ وماذا لو توصّل اثنان في بلدين متباعدين إلى حلٍّ إبداعي لمشكلةٍ ما في أوقاتٍ متقاربة؟ ألا يستحقّ الثّاني وصف المبدع لأنّه جاء متأخّراً في إنجازه؟
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الاتّجاهات الإنسانيّة والبيئيّة تتبنّى وجهة النّظر القائلة باعتماد الخبرة الشّخصيّة السّابقة للفرد أساساً للحكم على نوعيّة نواتجه. بمعنى أنّ الأصالة ليست صفة مطلقة، ولكنّها محدّدة في إطار الخبرة الذّاتيّة للفرد.
رابعاً: الإفاضة: وتعني القدرة على إضافة تفاصيل جديدة ومتنوّعة لفكرة أو حلٍّ لمشكلة أو لوحة من شأنها أن تساعد على تطويرها وإغنائها وتنفيذها.
خامساً: الحساسيّة للمشكلات: ويقصد بها الوعي بوجود مشكلات أو حاجات أو عناصر ضعف في البيئة أو الموقف. ويعني ذلك أنّ بعض الأفراد أسرع من غيرهم في ملاحظة المشكلة والتّحقّق من وجودها في الموقف. ولا شكّ في أنّ اكتشاف المشكلة يمثّل خطوة أولى في عمليّة البحث عن حلٍّ لها، ومن ثمّ إضافة معرفة جديدة أو إدخال تحسينات وتعديلات على معارف أو منتجات موجودة. ويرتبط بهذه القدرة ملاحظة الأشياء غير العاديّة أو الشّاذّة أو المحيّرة في محيط الفرد، أو إعادة توظيفها أو استخدامها وإثارة تساؤلات حولها من مثل: لماذا لم يقم أحد بإجراءٍ حيال هذا الوضع؟ أو لماذا لا يكون جهاز … (الهاتف مثلاً) بهذا الشّكل حتّى يسهل على الأطفال استخدامه لطلب النّجدة مثلا؟
التّفكير الإبداعي والتّفكير النّاقد: ربّما كان من غير الممكن التّميّيز بين التّفكير الإبداعي والتّفكير النّاقد لسببٍ بسيط هو أنّ أيّ تفكيرٍ جيّد يتضمّن تقييما للجودة أو النّوعيّة، وإنتاج ما يمكن وصفه بالجدّة. ومن الصّعب أن ينشغل الدّماغ بعمليّة تفكيرٍ مركّبٍ دون دعمٍ من عمليّة تفكيرٍ مركّبةٍ أخرى، ولكن نواتج التّفكير تتنوّع تبعاً لنوع المهمّة، وما إذا كانت تتطلّب تفكيراً إبداعيّاً أو تفكيراً ناقداً. وفي ما يلي مقارنةً بين التّفكير النّاقد والتّفكير الإبداعي كما أوردها باحثون.
التّفكير النّاقد والتّفكير الإبداعي: تفكير متقارب Convergent تفكير متشعّب Divergent
يعمل على تقييم مصداقيّة أمورٍ موجودة يتّصف بالأصالة، ويقبل المبادئ الموجودة ولا يعمل على تغييرها وعادةً ما ينتهك مبادئ موجودة ومقبولة، ويتحدّد بالقواعد المنطقيّة ويمكن التّنبّؤ بنتائجه لا يتحدّد بالقواعد المنطقيّة ولا يمكن التّنبّؤ بنتائجه، ويتطلّبان وجود مجموعةٍ من الميول والاستعدادات لدى الفرد، ويستخدمان أنواع التّفكير العليا كحلّ المشكلات واتّخاذ القرارات وصياغة المفاهيم
إنّ الاختراق الإبداعي Creative Breakthrough يظهر بوضوح الفرق بين التّفكير النّاقد والتّفكير الإبداعي. فالتّفكير النّاقد محكوم بقواعد المنطق ويقود إلى نواتج يمكن التّنبّؤ بها. أمّا التّفكير الإبداعي فليس هناك قواعد منطقيّة تحدّد نواتجه، ولأنّ ما يتمّ اكتشافه في حالة الاختراق الإبداعي شيء جديد وأصيل فليس ممكناً التّنبّؤ به. إنّه شيء يحدث على يد شخص وهذا كلّ ما في الأمر رغم أنّ هناك بعض العوامل المعينة في حدوث الاختراق.
الإبداع والذّكاء
تقيس اختبارات الإبداع ما يسمّى بالتّفكير المتمايز أو التّفكير المنتج Divergent/ Productive، حيث يوجد أكثر من إجابة ممكنة لكلّ سؤال، بينما تقيس اختبارات الذّكاء في جوهرها ما يسمّى بالتّفكير المتقارب Convergent، حيث يوجد حلّ واحد صحيح لكلّ سؤال. وقد درست العلاقة الارتباطيّة بين الذّكاء والإبداع ووجد أنّ معامل الارتباط إيجابي ومتوسّط حتّى مستوى ذكاء 120، وهو ما سمّي بـ “العتبة الفاصلة” Threshold. أمّا في مستويات الذّكاء الأعلى فقد وجد أنّ الارتباط بين الذّكاء والإبداع ينعدم تقريباً، ومعنى ذلك أنّ مبدعين من مستوىً مرموق قد لا يكونون على نفس المستوى من الذّكاء، وكذلك ليس بالضّرورة أن يظهر الأذكياء جدّاً نواتج إبداعيّة.
عقبات التّفكير الإبداعي: أشارت مراجع عديدة إلى وجود عقباتٍ كثيرة ومتنّوعة تقف في طريق تنمية مهارات التّفكير الإبداعي والتّفكير الفعّال. وربّما كانت الخًطوة الأولى التي يجب أن يتنبّه إليها المعلّمون والمدرّبون والآباء هي تحديد هذه العقبات حتّى يمكن التّغلّب عليها بفاعليّة عند تطبيق البرنامج التّعليمي أو التّدريبي الذي يستهدف تنمية مهارات التّفكير الإبداعي. وقد صُنّفت عقبات التّفكير الإبداعي في مجموعتين رئيستين نوجزهما في ما يلي:
أوّلاً: العقبات الشّخصيّة
أ. ضعف الثّقة بالنّفس: الثّقة بالنّفس عاملٌ مهم في تنمية مهارات التّفكير الإبداعي لأنّ ضعف الثّقة بالنّفس يقود إلى الخوف من الإخفاق وتجنّب المخاطرة والمواقف غير المأمونة عواقبها.
ب. الميل للمجاراة: إنّ النّزعة للامتثال إلى المعايير السّائدة تعيق استخدام جميع المدخلات الحسّـيّة وتحدّ من احتمالات التّخيّل والتّوقّع، وبالتّالي تضع حدوداً للتّفكير الإبداعي.
جـ. الحماس المفرط: تؤدّي الرّغبة القويّة في النّجاح والحماس الزّائد لتحقيق الإنجازات إلى استعجال النّتائج قبل نضوج الحالة، وربّما القفز إلى مرحلةٍ متأخّرةٍ في العمليّة الإبداعيّة دون استنفاذ المتطلّبات المسبقة التي قد تحتاج إلى وقتٍ أطول.
د. التّشبّع: يعني التّشبّع الوصول إلى حالةٍ من الاستغراق الزّائد الذي قد يؤدّي إلى إنقاص الوعي بحيثيّات الوضع الرّاهن وعدم دقّة المشاهدات. والتّشبّع حالةٌ مضادةٌ للاحتضان Incubation أو الاختزان المرحلي للفكرة أو المشكلة.
هـ. التّفكير النّمطي: يقصـد بالتّفكير النّمطـي ذلك النّـوع من التّفكير المقيّد بالعادة Habit-Bound Thinking. وهو من أبرز عقبات التّفكير الإبداعي .
و. عدم الحساسيّة أو الشّعور بالعجز: من الخصائص الضّروريّة لعمليّة التّفكير الإبداعي اليقظة والحساسيّة المرهفة للمشكلات، وعندما تضعف الحساسيّة نتيجة عدم الإثارة أو قلّة التّحدّي فإنّ الشّخص يصبح أكثر ميلاً للبقاء في دائرة ردود الفعل لما يدور حوله ويتخلّى عن المبادأة في استشراف أبعاد المشكلة والانشغال في إيجاد حلولٍ لها مجرّد الإحساس بها.
ز. التّسرّع وعدم احتمال الغموض: ترتبط هذه الصّفة بالرّغبة في التّوصّل إلى جوابٍ للمشكلة من خلال انتهاز أوّل فرصةٍ سانحة دون استيعاب جميع جوانب المشكلة، والعمل على تطوير بدائل أو حلولٍ عدّة لها، ومن ثمّ اختيار أفضلها. ومن المشكلات المرافقة لهذه الصّفة عدم احتمال المواقف المعقّدة أو الغامضة والتّهرّب من مواجهتها. إنّ الرّغبة الجامحة في الحفاظ على شروط الأمن والنّظام الشّخصي تضعف القدرة على احتمال المواقف الغامضة أو المواقف غير الواعدة بنتائج سارّة، وتتجلّى هذه الصّفة لدى الأشخاص الذين يصرّون على طرح أفكارٍ عمليّة ومحسوسة في صورةٍ نهائيّة.
كما يعدّ تأجيل إصدار الأحكام من الخصائص الهامّة للتّفكير الإبداعي، وعند ممارسة عمليّة العصف الذّهني مثلاً لا يسمح بإصدار الأحكام إلاّ بعد استنفاذ كلّ فرصةٍ ممكنة لتوليد الأفكار.
ح. نقل العادة: عندما تترسّخ لدى الفرد أنماطٌ وأبنيةٌ ذهنيّة معيّنة كانت فعّالة في التّعامل مع مواقف جديدةٍ ومتنوّعةٍ، فإنّه غالباً ما يتمّ تجاهل استراتيجيّاتٍ أخرى أكثر فاعليّة. ومن العبارات القاتلة التي تلخّص هذه العقبة قولنا: لقد كنّا دائماً نفعل هذا بنجاح، أو كنّا دائماً نحلّ المشكلة بهذه الطّريقة.
ثانياً: العقبات الظرفيّة: يقصد بالعقبات الظّرفيّة للتّفكير الإبداعي تلك المتعلّقة بالموقف ذاته أو بالجوانب الاجتماعيّة أو الثّقافيّة السّائدة. ومن أهمّ هذه العقبات:
مقاومة التّغيّر: هناك نزعةٌ عامّةٌ لمقاومة الأفكار الجديدة والحفاظ على الوضع الرّاهن بوسائل عديدة خوفاً من انعكاساتها على أمن الفرد واستقراره. وهناك من يعتقد بأنّ الخبرة الحديثة تشكّل تهديداً لمكتسباته وأوضاعه، ولذلك تجده يستجيب باستخدام العبارات القاتلة لأيّ فكرةٍ جديدةٍ من مثل:
- لن تنجح هذه الطّريقة في حلّ المشكلة؛
- هذه الفكرة سوف تكلّف كثيراً جدّاً؛
- لم يسبق أن فعلنا ذلك من قبل؛
وصنّف باحثون معوّقات الإبداع الاجتماعيّة في ثلاث فئات، وهي:
أ. معوّقات الإبداع في الأسرة، ومن أبرزها:
- المستوى الاقتصادي والاجتماعي المتدنّي؛
- المستوى التّعليمي والثّقافي المنخفض؛
- الاتّجاهات السّلبيّة للأسرة وأسلوب التّنشئة الاجتماعيّة القائم على التّسلّط والسّيطرة، وعدم الاهتمام، والنّمطيّة في التّعامل مع الأبناء حسب الجنس؛
ب. معوّقات الإبداع في المدرسة، ومن أبرزها:
- طرائق التّدريس التّلقينيّة، والمناهج المكتظّة، وأساليب التّقويم المعتمدة على حفظ واسترجاع المعلومات.
- نقص الإمكانات التّربويّة الملائمة.
- المناخ التّقليدي السّائد ورمزه المعلّم المتسلّط والآمر النّاهي؛
جـ. معوّقات الإبداع في المجتمع، ومن أهمّها:
- الاتّجاهات والقيم السّائدة في المجتمع. وتتلخّص في: قيم الطّاعة والخضوع، الامتثال والاقتداء، المبالغة في تقدير الماضي، الاتّجاهات التّسلّطيّة والقدريّة والنّظم البيروقراطيّة والاستبداديّة؛
- التّمييز بين الجنسين والتّحديد الصّارم لأدوار كلّ جنس؛
- التّدهور الاقتصادي والاجتماعي، وتفاقم مشكلات الدّيون الخارجيّة ونقص الغذاء والتّفجّر السكّاني، وما يترتّب على ذلك من آثارٍ سلبيّة في مجالات التّعليم؛
- العنف السّياسي والاضطّرابات الأمنيّة والحروب التي تكاد تشكّل ظاهرةً مزمنةً في الوطن العربي بدءاً بالحروب العربيّة الإسرائيليّة، مروراً بالحرب الأهليّة اللّبنانيّة والصّوماليّة، وانتهاءً بحرب الخليج والاضطّرابات الأمنيّة والعنف السّياسي في أكثر من دولةٍ عربيّة؛
- جماعة الرّفاق واتّجاهاتها السّائدة المحبطة للإبداع وخاصّةً في سنوات المرحلة الأساسيّة أو الابتدائيّة.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة