- سئمنــــــا من الوعود وتعبنا من الانتظار
- أبناؤنا “بطّالون”… شتاؤنا وَحَلٌ وصيفنا عطش
- لا قاعة علاج، لا طرقات ولا نقل
تعد بلدية مناصر التي تبعد عن مقر ولاية تيبازة بـ 26 كلم، الثانية من حيث المساحة، وتنقسم إلى 32 “دوارا” ومعظم مساحتها عبارة عن جبال ومرتفعات وعرة المسالك، ويعتمد سكانها بالدرجة الأولى على الفلاحة وتربية الماشية.. وتعتبر من أفقر بلديات الولاية، إذ لا تتعدى مداخيلها 300 مليون سنتيم تتحصل عليها من كراء المتاجر والسوق البلدي…
عن هذه المشاكل وغيرها، توجهت “العالم” إلى البلدية التابعة لدائرة سيدي اعمر، لتميط اللثام عن سبب فشل التنمية بالبلدية، إضافة إلى مطالب وانشغالات السكان من خلال جولة قمنا بها بمختلف أحياء المدينة والتي صدمنا خلالها من وضعية “دوار بني عبد الله”، الذي جمعتنا مع سكانه جلسة عبروا من خلالها عن الوضع الكارثي الذي يعيشونه.
ينتمي “دوار بني عبد الله” جغرافيا إلى بلدية مناصر، دائرة سيدي اعمر المعروفة بـ “مارسو”، من أقدم الأحياء في ولاية تيبازة، ولكنه بلا بنية تحتية ولا طرقات مهيأة، ولا منازل مرقمة، وعندما تتوغلّ قليلا في هذا “الدوار”، تصدمك الحياة البدائية للسكان والتي تذكرك بالقرون الوسطى، خاصة أمام وعورة المسالك الريفية، وصعوبة التنقل وغياب المرافق الأساسية والتي قد تنغص عليك التمتع بروعة وجمال المناظر الطبيعية. هنا قد تجد نفسك في طريق جزء منه معبد والنصف الآخر لا، بلا قنوات تطهير ولا خدمات صحية … في “دوار بني عبد الله”، ينتظر الأهالي الفرج وحنفية عمومية تعيد إليهم الأمل في ماء يدخل بيوتهم يوميا عوضا عن مرة في 3 أيام، طالما حلموا به، يغنيهم عن البحث وتصفية مياه الأمطار والآبار.
تقربنا من سكان هذا “الدوار”، واستمعنا إلى مشاغلهم وهمومهم ونقلنا لكم معاناتهم علها تجد من يصغي لها في بلد العزة والكرامة.
يحل فصل الشتاء بهذا الدوار الذي يقع في أعالي جبال تيبازة، ويتكرر معه مسلسل الرعب والأكشن الذي لا تنتهي حلقاته، كل سنة تعيد الحكاية نفسها، انقطاع للطرقات من كل الجهات وتكرار مأساة السكان مع العزلة التي تفرضها قسوة الظروف المناخية والتهميش الذي تعاني منه هذه المناطق وتزداد قسوتها مع نفاذ المؤونة واشتداد موجات البرد والصقيع في ظل غياب غاز المدينة الذي لم تتمكن البلدية من توفيره لسكانها. هكذا وصف لنا “محمد” يومياتهم في فصل الشتاء. يضيف لنا قائلا:” مرت السنين ولا زال الحال على ما هو عليه، لا أحد يحرك ساكنا، ينتظرون حتى تزهق الأرواح وتنهار المنازل ليطل علينا رئيس إحدى الجماعات الخالدين على إحدى القنوات التركية، عفوا أقصد الجزائرية، التي انشغلت ببث قصص الحب التركية، لميس تحب مهند وإيزيل يحب عايشة، يطل علينا رؤساؤنا الكرام بلغتهم المنمقة، لكن رغم ذلك لا يفوتنا أن ننوه فبعض الجرائد تنشر روبورتاجات عن المنطقة والتي نتمنى أن تستمر لطول السنة وليس فقط في الكوارث، بعد ذلك يُنسى الموضوع برمته حتى إشعار آخر مع فاجعة أخرى ويعود السكان لحياتهم العادية بعد انتهاء فصل الكوارث آملين أن تلتفت إليهم أعين المسؤولين في يوم من الأيام”.
هنا استوقف أمين ذات 24 ربيعا، محمد قائلا: “في كل سنة تتكرر هذه الأسطوانة المشروخة التي سئمنا من سماعها وتتكرر تلك الجملة التي يحفظها المسؤولون المحليون عن ظهر قلب والتي مفادها أن هذه المناطق عرفت تساقطات مطرية وثلجية وموجات برد وصقيع لم تعرفها من قبل، لكن أين الحل؟ أين الالتفاتة لهؤلاء المواطنين؟ ومتى تحرك الدولة عجلة التنمية بهذه المناطق التي كثرت فيها الكوارث والتي سنسرد بعض النماذج منها لعل الذكرى تنفع المسؤولين”.
الحمير بدل سيارات الإسعاف
أغرب ما شاهدناه مرضى يُنقلون في الحصير على ظهور الحمير، تتنهد “حياة” وهي ربة منزل قائلة: “أن الطريق صعبة وخاصة في فصل الشتاء، وأن سيارات الإسعاف ترفض التوغل داخل المسالك الريفية وعادة ما تتوقف على حدود الطريق المعبدة ثم عليهم أن يكملوا بقية المسافة مشيا على الأقدام، والمريض على ظهر الحمار أكرمكم الله، هذا وناشد سكان “الدوار”، السلطات المحلية ومديرية الصحة لولاية تيبازة، قصد التدخل لفتح قاعة العلاج المغلقة منذ تشييدها بالمنطقة، وأعرب سكان المنطقة عن معاناتهم التي يكابدونها خلال نقل مرضاهم إلى مستشفى المدينة، أو مختلف مؤسسات قطاع الصحة الجوارية بالبلدية، حتى في حالات الحقن أو الإصابات الخفيفة التي لا تتطلب التنقل إلى هذه الأخيرة في حال تم فتح العيادة التي انتظرها سكان المنطقة.
بعيدا عن “حياة” كانت الحاجة “زهراء” أرملة تسير في المسالك في اتجاه بيتها شبه المعزول. قالت إنّ المرض أنهكها، وأكدت أن في كفالتها 6 أولاد كلهم عاطلون عن العمل وأنها رغم تقدمها في السن هي التي تهتم بالعائلة ومصروف الأبناء هنا تدخلت “حياة” لتقول لنا بأن “زوجها متخرج جامعي ولم يتمكن من الظفر بعمل إلا في الشهور القليلة الماضية، أي عند دخوله عتبة الأربعين عاما” .
نعود لـ”زهراء” التي تعيش في مكان لا حياة فيه، لا طريق معبدة ولا مواصلات، وأكدت أن أعمار أولادها بين الأربعين والثلاثين سنة ولكنهم لا يملكون أية وظيفة ولا مرافق تعيد إليهم الأمل وقالت إنهم لا يتمتعون كغيرهم من شباب العاصمة بالفضاءات الترفيهية والمقاهي حتى أنهم انقطعوا عن الدراسة لقلة الإمكانيات المادية وضيق اليد.
غرف تبريد في بلد الغاز ووجبات لا تغني ولا تسمن من جوع
لا يزال العشرات من التلاميذ يعانون من مشكل النقل المدرسي، رغم محاولات أولياء التلاميذ الجادة ودعواتهم المتكررة للقائمين على شؤون البلدية من أجل إيجاد حل لهذه الأزمة، فأمام الأوضاع الطبيعية القاسية التي تعرفها المنطقة ونقص الإمكانيات، يضطر تلاميذ “دوار بني عبد الله”، إلى قطع مسافة تزيد عن أكثر من 2كم، للالتحاق بمقاعد الدراسة، ما يزيد الطين بلة هو طرد مدير المدرسة الابتدائية للتلاميذ بعد إكمالهم لوجبة الغداء، وتركهم في العراء خاصة تلاميذ السنة أولى والثانية ابتدائي، ما يجعلهم يعيشون رعبا يوميا من قطاع الطرق، وحسب شهادات بعض التلاميذ فإنهم يضطرون أمام بعد المسافة ونقص المواصلات للانطلاق كل يوم على الساعة السادسة صباحا للعودة في السادسة مساءا، وهذا ما يتسبب في إنهاكهم ويحول دون مراجعة دروسهم والاستفادة من التحصيل العلمي المطلوب، إلى جانب الغيابات المتكررة والتأخر في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية في الأوقات المناسبة، خاصة في فصل الشتاء، حيث تعود أضرار غياب وسائل النقل المدرسي على التلاميذ الذين يجدون صعوبة بالغة في التنقل إلى مدارسهم، فغيابها يجبر أولياء التلاميذ على أخذهم بنفسهم للمؤسسات التعليمية خوفا من تعرضهم لمختلف حوادث المرور بسبب مشيهم مسافات للوصول إلى مكان تحصيلهم الدراسي الذي يقل من سنة لأخرى بسبب مشكل النقل، فضلا عن خوفهم من تعرض أولادهم لمختلف الاعتداءات نتيجة خروجهم من المنزل صباحا للالتحاق بالمدارس التي في الكثير من الأحيان ما تكون بعيدة عن مقر سكناهم، كما أبدى جل سكان “الدوار” من جهتهم استياءهم وتذمرهم الشديدين تجاه النقائص التي يزاول فيها أبناءهم دراستهم، كانعدام التدفئة في الأقسام الدراسية، ويحتل مشكل النقل المدرسي المرتبة الأولى في قائمة النقائص التي يشكون منها، وفي هذا الصدد يطالب أولياء التلاميذ السلطات المعنية توفير النقل المدرسي من أجل إراحة أبنائهم من العناء اليومي والمشقة التي يتحملونها.
أما الإطعام المدرسي فهو الآخر يعرف وضعية أقل ما يقال عنها أنها صعبة، وغير ملائمة لجميع برامج إصلاح التعليم، سواء الفائتة أو التي يتم التطبيل لها حاليا في أكثر من مناسبة. انعكاسات هذا الوضع تظهر بجلاء في مردود التلاميذ، الذين أضحوا يرون موسم الدخول المدرسي وجعا أليما وحقيقيا بسبب ما يواكبه من إجراءات وصعوبات اجتماعية ونفسية تثقل كاهل الأولياء والتلاميذ على حد سواء.
قطاع النقل … واقع مر بحاجة لإعادة الاعتبار
أما قطاع النقل فحدث ولا حرج، بالرغم من أنه من القطاعات الحساسة، إلا أنه يعاني جملة من المشاكل صارت تشكل عائقا حقيقيا في وجه المواطن ومتابعة حياته، حيث أصبح يتذمر من الوضع ويشتكي تعطل مصالحه بسبب سوء خدمة النقل العمومي التي يعيشها على مدار فصول السنة، فلا حديث وسط الناس سوى عن النقل واهتراء الطرقات، ومشاكل أخرى لا تعد ولا تحصى خاصة بالنقل ومتاعبه اليومية. هذا إلى جانب النقص الحاصل في عدد المحطات البرية والمواقف، إذ أنها تفتقر إلى الشروط الضرورية لراحة المسافر بسبب سوء تنظيمها وتلوثها يضاف إليه السلوكات السلبية التي أصبحت تطبع يوميات مستعملي الحافلات من سوء معاملتهم للمسافرين وعدم احترامهم لهم.
ويعاني قاطنو “الدوار” من مشكل اهتراء الطرقات، حيث يزداد الوضع تأزما في فصل الشتاء بمجرد سقوط القطرات الأولى من الأمطار، حيث تصعب عليهم عملية التنقل بسهولة، سيما مع الانتشار الكبير للحفر والمطبات التي تتحول إلى برك من الأوحال، ناهيك عن الانزلاقات التي تشهدها المنطقة، والتي يروح ضحيتها أطفال المدارس، وفي هذا السياق أوضح محدثونا أنهم يضطرون إلى تبديل ملابس أطفالهم مرتين في اليوم بسبب سقوطهم في الأوحال، مضيفين أن أحذيتهم سرعان ما تتلاشى.
نحن على مشارف سنة 2016 ولا زال “دوار بني عبد الله”، يعاني من مشاكل عرفها من عقود خلت، إلا أن الوضع يسوء سنة بعد أخرى وما ذكرناه يبقى مجرد أمثلة، وقد حان الوقت إن لم نقل أنه تأخر، لتلتفت السلطات لهذه المناطق وتعمل على تنميتها و نؤكد أن منطقة الريف ليست فقط “دوار بني عبد الله” فهناك العديد، وفي الأخير لا يسعنا إلا أن ندعو لسكان هذه المناطق بالصبر أمام هذا المصير الذي ملوا منه وفقدوا الأمل في تغيره.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة