أكّدت الديبلوماسية الجزائرية أنه ستواصل مراقبة تطورات الوضع عن كثب في مالي ، فيا حدّد خبراء 10 محدّدات سياسية وأمنية دفعت بالجزائر إلى تحريك دبلوماسيتها لاستقصاء الوضع بمالي بعد الانقلاب العسكري ،منها “احتواء أي ارتدادات أمنية للانقلاب العسكري على أمنها وأمن المنطقة، والسعي لإنقاذ الدولة المالية من الانهيار وتفادي تكرار تجربة ليبية جديدة على حدودها الجنوبية” ، فضلا على “التحرّك لتطبيق اتفاق الجزائر الموقع سنة 2015 بين الحكومة المركزية ومتمردي الشمال” مع ” سدّ فراغ أي اختراق من قوى معادية للجزائر تحاول استثمار الوضع الجديد في مالي لضرب استقرارها” .
وقدّم المحلل السياسي عبد الرزاق صاغور ،ثلاث أسباب لأول زيارة لصبري بوقادوم وزير الخارجية إلى مالي وهي “الامتداد الطبيعي لسياسة الجزائر الخارجية”، مشيراً إلى أن” الشمال المالي مرتبط تماما بالجزائر عن طريق الطوارق والأزواد”
وقال صاغور في تصريح للصحافة أن “جميع دول جنوب الصحراء بما فيها النيجر وموريتانيا تعتبر امتداداً قومياً للسياسة الخارجية الجزائرية، ورغم وجود القوات الفرنسية وأفريكوم والكثير من القوى الدولية لكن تبقى الجزائر قوة إقليمية معنية بما يحدث داخل مالي”، موضّحا أن الأهداف الثلاثة لزيارة بوقادوم تتلخص في “الإبقاء على موقف الجزائر بأنها معنية مباشرة بما يجري في مالي، وطمأنة الشعب المالي ومؤسساته بأنها ستكون معهم”.
أما الهدف الثالث فيتعلق “بتوجيه رسالة بأن الجزائر سيكون لها دور ضمن القوى العظمى التي تنشط في مالي”، حسب ذات المحلل.
بدوره ، يرى زهر ماروك أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر أن طتحرك الدبلوماسية الجزائرية في مالي يحمل دلالات عميقة، وهي الدلالات التي ربطها بقرار تبون منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد بـإعادة تفعيل دورها الدبلوماسي في الأزمتين المالية والليبية”.
وأشار ماروك في تصريح للصحافة إلى “المحدد الجيوسياسي للجزائر وما له من تأثير متبادل على أمنهما القومي، وكذا القبائل المشتركة المنشرة على حدود البلدين وهذا ما يعطي بعدا قبليا للإطار البشري المشترك بينها”، مضيفا أن “التحرك الجزائري يأتي أيضا خوفاً من انهيار السلطة المركزية بمالي وتصبح دولة فوضى أمنية ومستنقعا وهو ما يعني زيادة تكلفة حماية الحدود وفق تداعيات خطيرة عليها”.
وعن دوافع من وراء التحرك في الأزمة بمالي ، تحدث الأستاذ الجامعي عن “رؤية جزائرية برفض الانقلابات العسكرية والالتزام بمبادئ الاتحاد الأفريقي التي تنص على تجريم الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح”، ،معتبرا أن “الزيارة تعكس البعد التاريخي بين البلدين، ولا ننسى أن مالي كانت من بين الدول التي قدمت الكثير من الدعم للثورة التحريرية الجزائرية”.
كما أشار ماروك “إلى رغبة الجزائر في الحفاظ على دورها المؤثر في مالي وكانت السباقة في الكثير من جهود الوساطة بين مختلف فرقاء أزمتها، والسعي لتفعيل اتفاق المصالحة الموقع في 2015”.
هذا وتعد زيارة بوقادوم لمالي مبعوثاً للرئيس عبد المجيد تبون هي الأولى لمسؤول أجنبي رفيع عقب الانقلاب العسكري.
والتقى بوقادوم في اول زيارة مع أعضاء المجلس العسكري الحاكم الممثل في “اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب”، وكذا الرئيس المالي المخلوع إبراهيم أبو بكر كيتا في منزله بباماكو، والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البعثة الأممية المتكاملة لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) صالح النظيف، كما تباحث وزير الخارجية مع رئيس بعثة الاتحاد الأفريقي لمنطقة الساحل بيير بويويا.
وكانت الجزائر من أوائل الدول التي سارعت بإدانة الانقلاب العسكري في مالي في 18 اوت الفارط وأبدت “رفضا تاما لأي تغييرات غير دستورية بالحكم”.
ولم يخف وزير الخارجية أهداف زيارته إلى باماكو، وكشف في تصريح صحفي بأنها “تندرج في إطار البحث عن مخرج سلمي للوضع الحالي.
كما اعتبر بوقادوم أن زيارته “عادية وبتعليمات من الرئيس تبون”، ونوه بأن الجزائر ومالي “جيران تربطهما علاقات تاريخية، وتجمعنا صداقة مهمة ومتينة”.
كما شدد بوقادوم على أن “ما يشغل مالي يشغل الجزائر”، مضيفا أن زيارته جاءت “للاستماع وتبادل وجهات النظر وبحث سبل العمل سوياً من أجل أمن واستقرار الشعب المالي الشقيق وذلك في إطار احترام المبادئ والقيم التي تحكم بلدينا”.
وأثارت الزيارة المفاجئة لبوقادوم اهتمام المراقبين، بين من اعتبرها مؤشراً على “تغير في طريقة تعامل الدبلوماسية الجزائرية مع الانقلابات العسكرية خصوصاً في جارتها مالي”.
للتذكير، يرتبط البلدان بأكبر شريط حدودي لهما بين جميع جيرانهما بنحو 1376 كيلومترا في الصحراء الكبرى، وهي الحدود الشاسعة التي فرضت على الجزائر تحديات أمنية كبيرة مع الانفلات الأمني الذي تعيشه مالي منذ عقود خصوصاً منذ 2012 عقب سيطرة الجماعات الإرهابية على الشمال المالي.
ص.ب
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة