أصبحت شساعة الوطن تضيق باحتواء مواردها الاقتصادية ومشاريعها الاستثمارية ، خاصة بعد أن تفاقمت مشكلة العقار وآليات الوصول إليه وتسوية ملكيته وتحريره من مصدر المضاربات والمساومات التي لا تنتهي بوجود نحو 60% من العقار الصناعي في وضع غير قانوني وآخر تحت أقدام مافيا الاستثمار الوهمي في بعض الولايات وخاصة الداخلية منها والتي أنتجت وضعا كارثيا في المناطق الصناعية و واجهة النشاطات.
ولعلّ أبرز الخيارات التي من شأنها تحريك عجلة التنمية المحلية حاليا في الولايات الداخلية وذلك وفق الاستراتيجية الوطنية لدعم المستثمرين هو تحرير المناطق الصناعية وكل مساحات النشاطات الفعلية للولايات المعنية من قبضة مافيا العقّار التي استولت عليها في العقود الماضية وتركتها مُجرّد فضاءات مُسيجة وخالية تماما من أي نشاط، حيث أصبح عدم توفّر أرضيات ملائمة للعمل سببا في عزوف المستثمرين الحقيقيين عن خوض الغِمار والعمل على تفعيل مؤسساتهم الاستثمارية.
وبالرغم من أنّه كانت هُنالك مُحاولات من قبل ولاة الجمهورية في ذات الولايات الداخلية التي تربط شمال الوطن بجنوبه، إلا أنها ظلت هذه الفلسفة تتراوح مكانها والكثير منها باء بالفشل كما هو الحال بولاية الجلفة أين شهدت المنطقة الصناعية بالجلفة تراجع بنسبة 80% بالمقارنة مع ما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت توظّف أزيد من 5000 عامل آنذاك في حين أن العدد تقلّص إلى الربع في السنوات الأخيرة رغم كُل المجهودات المبذولة من قبل السلطات المركزية والمحلية لتشجيع الإنتاج والاستثمار في الولايات الداخلية، إلّا أن ولاية الجلفة عجِزت عن الالتحاق برُكب هاته السياسة الاقتصادية الجديدة، حيث يتهرّب رأس المال المحلي من المُجازفة لخلق مشاريع مِحورية بالمنطقة من شأنها صُنع حركية مالية أو سوقا محليا كامل الأركان.
وتعود الأسباب إلى ظروف مُختلفة من أهمها العراقيل البيروقراطية التي يُعاني منها المستثمرون وأصحاب المشاريع وكذا عدم جدّية التفكير الجماعي في صناعة سوق إنتاج محلي والخروج من التبعية الاستهلاكية لباقي الولايات، وتطرح الأرقام المُرعبة المُسجّلة في الاستهلاك المحلي بالجلفة عدّة تساؤلات حول مصاريف المواطن الجلفاوي باعتباره مُستهلِكا شرِها ومُسيلا للعاب بالنسبة التُجار والمنتجين من الولايات الأخرى، في حين أن التفكير في اقتحام السوق المحلية بإنتاج محلي وتحقيق الاكتفاء أمرٌ غير وارِد أبدا في ظلّ كثرة العراقيل البيروقراطية وجُبن رؤوس الأموال التي أصبحت ترى في الاستثمار في ولاية كالجلفة مُجازفة وهدرا للأموال والوقت والجهد ، في حين لا تزال مُعظم المشاريع الخاصة التي يستثمر فيها رأس المال المحلي بولاية الجلفة تتراوح بين مقهى شعبي أو مركز تجاري !.
حيث تُعتبر الولاية رائدة في هذا المجال وطنيا دون وجود أي مشاريع من أجلها خلق ثروة محلية للتداول أو إنتاج شيء ما من شأنه يعطي للحركة التجارية والاقتصادية مجالا يفضي بالقليل على المواطنين و النفع العام.
محمد كمال
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة