يتخبط قطاع الصحة بالغرب الجزائري، في جملة من المشاكل، أبرزها، انتشار الفساد وسوء التسيير، وضعف الخدمات والتكفل الصحي بالمواطن، ما يستوجب التدخل عاجلا لإصلاح وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالشكاوى العديدة للمواطنين من سوء الاستقبال ورداءة الخدمات في المستشفيات، والإهمال صارت هي القواعد الرئيسية التي تسير عليها المستشفيات والمصحات رغم الميزانيات الضخمة التي خصصت لها.
لعل ما يحدث في حقيقة الأمر، ليس قلة إمكانيات، ولا نقص في الكوادر والإطارات، وإنما ما يجري هو نتاج لذهنية البيروقراطية، فضلا على تحول المستشفيات بالنسبة للبعض، إلى أسواق للبزنسة في المرضى وأهاليهم، فمجانية العلاج متوفرة بالمؤسسات الإستشفائية العمومية معروفة، إلا أن الواقع يؤكد عكس ذلك تماما، فالمريض ولدى توجهه إلى إحدى هذه الهياكل، يجد نفسه مجبرا على دفع تكاليف هو في غنى عنها، بما فيها تلك المتعلقة بالتحاليل التي قد تتجاوز قيمتها 10آلاف دينار جزائري، لاسيما بالنسبة لمرضى السرطان، الذين هم مجبرون على إجرائها قبل كلّ موعد علاج بالأشعة، ضف إلى ذلك أسعار الأشعة التي تناطح السحاب، ففي الكثير من الأحيان، نجد أن الإمكانيات متوفرة داخل هذه الهياكل العمومية، إلا أنّ بعض ممتهني القطاع تحول دون إجراء المريض لما يحتاج إليه بالمجان. وبالتالي فالمواطن بات يدفع ثمن العلاج نتيجة لاأخلاقيات بعض الأطباء والممرضين، وذلك بالرغم من الرقابة المفروضة على هذه الهياكل الصحية. فالمنافسة غير الشرعية للقطاع الخاص، نتج عنها سلوكيات وأخلاقيات لا علاقة لها بالصحة، فبعض الأطباء الذين يمارسون نشاطهم لدى القطاع العام، أضحوا يعملون بالعيادات الخاصة، الأمر الذي جعلهم يستقطبون زبائنهم من القطاع العمومي، وذلك من خلال التحجج بتعطل التجهيزات أو غيابها بالمستشفيات العمومية، فضلا عن نفاذ المواد المستعملة في إجراء التحاليل أو انعدامها، ليقوموا بإرسالهم إلى العيادات الخاصة، التي يحددونها هم مسبقا، غير مبالين بصحة المريض وهمهم الوحيد هو الربح السريع على حساب المواطن فقط، فهذا الأخيرلا تعنيه المساهمات الرمزية التي يسددها بعد تلقي العلاج والتي لا تتجاوز في الكثير من الأحيان 100دينار جزائري، وإنما الأمر الذي يرهقه ويخلق استياء وتذمرا في نفسيته هو إرساله إلى جهات أخرى للقيام بالفحوصات العميقة، بالرغم من توفرها بالهياكل الإستشفائية العمومية، ليقوم بعض الأطباء بالقطاع العمومي، الذين غاب عنهم الضمير المهني بتدوين وصفة الدواء فقط، ضاربين القوانين عرض الحائط، ومن جهتهم أجمع بعض المسؤولين عن هياكل الصحة العمومية على مستوى الولاية أنّ عدم جرأة المواطن على تقديم شكاوى من حين لآخر أو تراجعهم عنها في آخر لحظة، حالت دون اتخاذ إجراءات صارمة في حق المخالفين من طرف الإدارة الخاصة بهذه المرافق الصحية. ومن سبيل التذكير فقط، تقرر سنة 1993 وجوب ما يسمى بنظام التعاقد، الذي كرّسه قانون المالية والذي ينص على أن التمويل يتم عن طريق التعاقد بين صناديق الضمان الاجتماعي والمؤسسات الصحية، ويقصد بذلك أنّ صناديق الضمان الاجتماعي للأجراء تمنح مساهمات للتكفل بالمؤمنين، علما أنّ هذا القرار قد تم تطبيقه على 10 مؤسسات عمومية فقط، كنموذج خلال سنة 2003، وفي 1 أفريل من عام 2004 تم إلزام مؤسسات الصحة العمومية على ضرورة التعاقد، إلا أن هذا المرسوم لم يدخل حيّز الخدمة بعد باعتبار أنّ كلفة العلاج لم يتم الإتفاق عليها بين وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات و مصالح الضمان الإجتماعي، وخلال سنة 1995 تقرر الانتقال من مجانية العلاج نحو مساهمة المواطن في تمويل المؤسسات الصحية، هذه الأخيرة التي تمثل نسبة1% فقط، وذلك من خلال مساهمة رمزية تقدر بـ 50 دينارا يدفعها المريض للإستفادة من الفحوصات الطبية العامة، و100 دينار جزائري بالنسبة للفحوصات التي يتم إجراؤها لدى الطبيب المتخصص، أما عن المبيت بالهياكل الإستشفائية فقدر بـ 100دج لليلة الواحدة، ومن لا يملك أي مدخول فما عليه سوى التقدم للمصالح البلدية وإحضار شهادة تثبث عجزه عن الدفع، علما أنّ عمال قطاع الصحة والمجاهدين فضلا عن أبناء الشهداء، معفيين من عملية دفع هذه المستحقات، على أن يقدموا الدليل الذي يثبت انتمائهم إلى إحدى هذه الفئات.
فيما تجدر الإشارة أن هذه السلوكيات وعدم التوصل إلى التطبيق الفعلي للتعاقد أصبح للعلاج كلفتين الأولى تدفعها الدولة لاقتناء أجهزة ومعدات طبية متطورة، وأدوية وتحاليل باهضة الثمن، ناهيك عن أجور مهنيي القطاع التي ارتفعت منذ سنة 2008، أما الكلفة الثانية فيدفعها المريض من جيبه، حينما يوّجه رغما عنه إلى العيادات الخاصة. وفي الأخير يبقى المريض يأمل أن يضع مشروع قانون الصحة الجديد حدا، لهذه المفارقة العجيبة. وفي ذات الشأن تجدر الإشارة إلى أنّ رئيس الجمهورية قد سبق له خلال اجتماع المجلس الوزاري ما قبل الأخير أن شدد بضرورة التعجيل في تطبيق نظام التعاقد، هذا الأخير الذي سيكون بين وزارتي الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات و وزارة العمل والضمان الاجتماعي. ويبقى مشكل مجانية العلاج عبر مؤسسات الصحة العمومية في ظل التأخر في تطبيق التعاقد، يطرح نفسه بإلحاح، بالرغم من مشروعيته في القانون الجزائري، وحتى قانون الصحة الذي كرّس من جهته هو الآخر هذا النظام.
غياب الكوادر والكفاءات
نقص المختصين، مشكل آخر فرض نفسه وبقوة، ففي ولاية غليزان، تتواصل معاناة العديد من المرضى على مستوى المؤسسات الاستشفائية، بسبب غياب الأطباء المختصين، مما أثر سلبا على التكفل الجيد بالمرضى، الذين يتنقلون إلى ولايات مجاورة، طلبا للعلاج المتخصص منذ سنوات و يتفاقم المشكل مع انعدام بعض التخصصات على مستوى بعض الهياكل التي تستقبل مئات المرضى يوميا، على غرار طب النساء والتوليد والأشعة وجراحة الأطفال وطب القلب وجراحة الأعصاب، فهي بحاجة إلى دعم الطاقم الطبي بالأطباء .
ويبقى وجود العدد الغير كافي من الأطباء المختصين سيما في التوليد والنساء هو سبب معاناة المرضى، الأمر الذي زاد من استياء وتذمر العديد منهم، فمصلحة التوليد بمستشفى محمد بوضياف، الوحيدة بعاصمة الولاية تعرف انعدام مختص كما أنها تشهد حالة من الاكتظاظ والفوضى، نتيجة لتوجه الكثير من النساء الحوامل إليها يوميا وعبرت مجموعة من النسوة عن استيائهن من استمرار إرسال عدد كبير من النساء الحوامل إلى مستشفيات بالولايات المجاورة، ما يشكل خطرا على سلامة الأم وسلامة طفلها في بعض الحالات المستعصية، مما يحتم عليها اللجوء إلى العيادات الخاصة خوفا من تفاقم الأوضاع في أغلب الأحيان .
في إطار هذا السياق، كشف مدير الصحة، أن القطاع قد تعزز مؤخرا بمختصين اثنين في التوليد تم تعيينهما من قبل الوزارة الوصية في الفترة الأخيرة، لتعويض العجز المسجل على مستوى هذا المرفق، بعدما أنهى 3 مختصين كانوا يشرفون على المصلحة إلى غاية شهر جوان الماضي، مدة الخدمة المدنية و في انتظار التحاق المختصين الجديدين، أكد ذات المتحدث، أنه يتم حاليا التكفل بالحالات الصعبة من قبل بعض المختصين ممن أنهوا خدمتهم المدنية، ويوجد حاليا على مستوى المؤسسات الاستشفائية الثلاث ذات الـ 360 سرير، 3 مختصين في التوليد، منهم طبيبان بمستشفى وادي ارهيو وطبيبة بمستشفى مازونة.
للإشارة، فقد تدعم القطاع الصحي بالولاية بـحوالي 80 مختصا في عديد الاختصاصات خلال السنتين الفارطتين وذلك لتلبية النقائص والاحتياجات التي يشكو منها القطاع الذي يتوفر أيضا على 5 مؤسسات للصحة الجوارية في مجال التأطير الطبي المتخصص الذي يضم أكثر من 100 طبيبا.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة