ترتب عن الزلزال المدمر الذي هز الأرض من تحت أقدام سكان ولاية بومرداس و ما جاورها ذات يوم 21 مايو 2003 تبعات و تغيرات في عدة مجالات تقنية و عمرانية ، حسب ما تم أكيده في عدة ملتقيات علمية و أيام دراسية تقنية نظمت للغرض بالولاية في السنوات التي تلت الكارثة.
و من بين أبرز التبعات و التغيرات الناجمة عن هذه الكارثة، التي تم إبرازها في مختلف الفعاليات المذكورة التي نشطتها وزارة السكن و العمران بمعية المركز الوطني للبحث المطبق في هندسة مقاومة الزلازل و مصالح الولاية، إعادة تصنيف الولاية من “منطقة زلزالية من الدرجة الثانية إلى الدرجة الثالثة “، حيث تم على إثر ذلك “إعادة تكييف” كل المشاريع العمرانية و السكنية التي كانت قيد الإنجاز أو تلك التي انطلقت أشغالها بعد ذلك.
و على إثر هذا الزلزال كذلك تم تحديد المناطق التي مر بها “الخط الزلزالي” و “مركزه”، حيث تم تصنيفها و أخذها في الحسبان في كل “مخططات التهيئة والتعمير” التي يجري إعادة مراجعتها جميعها إلى حد اليوم.
كما تسبب زلزال 21 مايو 2003 في ارتفاع القشرة الأرضية على طول سواحل ولاية بومرداس عن سطح البحر ب 40 سنتمتر، فيما لم تعرف مياهه تراجعا نحو الداخل، حسبما أكده عدد من خبراء المركز الوطني للبحوث التطبيقية وهندسة مقاومة الزلازل الذين ساهموا في تنشيط تلك الملتقيات.
و حسب نفس الخبراء فإن الأبحاث المعمقة التي أجريت من طرف متخصصين في المجال، أثبتت هذا الواقع مفندين في نفس الوقت “الاعتقاد السائد لدى عامة الناس بأن البحر هو الذي تراجع نحو الداخل”.
و أكد نفس الخبراء كذلك أن الحركة المهمة والكبيرة التي عرفتها القشرة الأرضية من سواح بلدية بودواو البحري شمال الولاية و إلى غاية بلدية دلس شرق الولاية، وهي ظاهرة للعيان حاليا بالنظرة المجردة، حدثت بسبب قوة الزلزال التي بلغت 8ر6 على سلم ريشتر.
و في هذا الإطار، دعا المدير العام ل”مركز هندسة الزلازل” السيد بلعزوقي محمد في ملتقى علمي نظم بمقر الولاية في الذكرى الثامنة للزلزال إلى ضرورة أخذ بعين الاعتبار كل “النتائج والمعطيات العلمية والدروس المستقاة من زلزال 21 مايو 2003 التي أدرجت (المعطيات) كلها في خرائط زلزالية لتفادي معاودة نفس الأخطاء عند تشييد مختلف البناءات”.
وشدد أيضا على أهمية تحمل المسؤولية في “منح و إصدار رخص البناء” على كل المستويات ، إضافة إلى ضرورة “استثمار الأموال اللازمة” لإنجاز وتشييد مباني “تتصف بالديمومة والصلابة والأمن”، لأن الزلازل حسبه “لا تقتل وإنما الذي يقتل هو نوعية المباني وجودتها ومدى احترامها لضوابط والقوانين العمرانية”.
ومن هذا المنطلق، شدد كذلك على أهمية تطوير نوعية البناءات و المنشأة المشيدة من خلال تطوير و إعتماد نوعية التكوين وتكثيفه ليشمل كل الفاعلين وعلى كل الأصعدة .
مع الإشارة إلى أنه تم إلى غاية سنة 2010 إصدار و اعتماد و مراجعة في الجزائر خمس صيغ من “القواعد الجزائرية للبناء المضاد للزلازل”، تتمثل في صيغة سنة 1981 وهي الأولى من نوعها، و جاءت عوض الصيغة الأوروبية المعتمدة المنتهجة قبل هذا التاريخ بالجزائر، والتي لم تعد تلبي الحاجيات الوطنية المحضة، و صيغة سنة 1983 ثم الصيغة المراجعة و المعدلة لسنة 1988 و صيغة سنة 1999 و الصيغة المعتمدة سنة 2003 عقب زلزال 21 مايو 2003 الذي ضرب ولاية بومرداس و الولايات المجاورة لها.
و يعد محتوى و نصوص نسخة صيغة القواعد الجزائرية للبناء المضاد للزلازل لسنة 1999 و المكملة بتعديلات سنة 2003 الأكثر إثراءا و كمالا مقارنة بالصيغ الصادرة قبلها.
و شرع في إعداد هذه القواعد التقنية التنظيمية المختلفة المتعلقة بقواعد البناء المضاد للزلازل و مراجعة و إثراء و تحيين كل صيغة من هذه القواعد بمرور الزمن و تراكم التجارب، واستنادا إلى التجربة المكتسبة من خلال التصدي لمختلف الزلازل التي ضربت عدة مناطق من الوطن (حوالي 10 زلازل بين قوية و متوسطة).
و تهدف عملية مراجعة القواعد الجزائرية للبناء المضاد للزلازل التي شرع فيها منذ سنة 2008 إلي إيجاد الاستفسارات الحقيقية للصعوبات الميدانية المستجدة و تحيينها باستخلاص الدروس من تجربة زلزال 2003 و الصيغة المعدلة التي صدرت على إثر ذلك واستدراك بعض النقائص التي وردت فيها و مرافقة التطور و التعقيدات الحاصلة في تكنولوجيات البناء.
و تكمن مهام المركز في تطوير و نشر المعارف العلمية في هندسة البناء المضاد للزلازل للتخفيف من المخاطر الناجمة عن الزلزال و مراجعة النصوص التقنية و التنظيمية في المجال و يسهر كذلك على التطبيق السليم و التطوير المتواصل لمختلف القواعد المتعقلة بمجال اختصاصه التي أصبحت إجبارية التطبيق بعد زلزال 10 أكتوبر 1980 و تقديم النصائح و الملاحظات العلمية لمنفذي قواعد البناء.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة