بدأت مدينة مغنية في الآونة الأخيرة تشهد ارتفاعا محسوسا في عدد عمليات الانتحار مقارنة بالسنوات الماضية، فالظروف اجتماعية العسيرة التي يمر بها الآلاف من أبناء المنطقة الذين سئموا من مرارة واقعهم المعيشي المزري الناتج أساسا عن انعدام فرص التشغيل، فضلا عن تسريح المئات من العمال من مصادر رزقهم، كلها عوامل دفعت ببعض المواطنين وبالأخص الشباب منهم إلى محاولة التخلص من حياتهم للهروب من هذا الواقع المتردي الذي نغص حياتهم وأفقدهم نكهة المعيشة، فالتفشي الرهيب لمشاكل البطالة الذي بات يهدد السواد الأعظم من الفئة النشيطة خلال الأربع سنوات الأخيرة نجم عنه انخفاض في مستواهم المعيشي نتيجة للفقر المدقع، والأرقام المسجلة في هذا الشأن لخير دليل على ذلك، فلقد تجاوز عدد العائلات الفقيرة بدائرة مغنية 5000 عائلة بكثير من بينها أزيد من 1000 عائلة تعيش تحت عتبة الفقر، علما أن هذا المشكل من بين أهم الأسباب التي دفعت بالمتضررين منه للتخلص من حياتهم بشتى الأساليب.
ورغم الاستفحال الكبير لهاته الظاهرة الدخيلة إلا أنها تبقى من بين الطابوهات التي يرفض المجتمع المغناوي الغوص فيها لاعتبارات عدة، لاسيما إذا كان الشخص المنتحر من جنس أنثى، حيث ترفض معظم العائلات التي فقدت ابنا أو أخا لها مدّنا بأية معلومات تتعلق بظروف إقدام الضحية على الانتحار، فمصلحة الحماية المدنية بمغنية، وفي هذا السياق تولي اهتماما بالغا لهذه الظاهرة وتحاول وفق إمكاناتها والظروف المحيطة بمسرح محاولة الانتحار، الإسراع في إنقاذ الضحية وإبطال المحاولة وإفشالها، وفعل تمكنت الصيف الماضي في إفشال حالتين، كل واحد منهما اهتدى إلى أسلوب معين لتحقيق غايته التي لم تحل المشكل مثلما كانوا يعتقدون، حيث حاول شاب يبلغ من العمر 35 سنة من بلدية بني بوسعيد وضع حد لحياته (محاولة شنق نفسه) عن طريق القفز من جسر المؤدي إلى الملحقة الجامعية بمغنية تزامنا مع السوق الأسبوعي الذي يقام كل يومي الثلاثاء والجمعة، ولحسن الحظ تدخل بعض المارّة مع مصالح الحماية المدنية ونجحوا في منعه من ذلك، وتلى ذلك تدخل آخر، حيث أنقذ أعوان الحماية المدنية رجلا في عقده الخامس بعدما تناول مادة سامة قاتلة بهدف وضع حد لحياته إذ بذل المتدخلون جهودا معتبرة في إنقاذه بعد أن نقل إلى مستشفى مغنية ثم بعد ذلك مستشفى تلمسان، ومن خلال هاتين الحالتين يتبين بأن الانتحار لم يقتصر على فئة دون أخرى بل شمل جميع الفئات على اختلاف أعمارهم وشرائحهم الاجتماعية، فحسب ما صرحت به بعض المصادر المطلعة “للعالم للإدارة” أن معدل أعمار الأشخاص المقبلين على الانتحار تتراوح ما بين 23 سنة و50 سنة وفي بعض الأحيان تصل إلى 60 سنة، معظمهم من الرجال، يحاولون وضع حد لحياتهم عن طريق الشنق وتناول الأدوية بجرعات كبيرة ودفعة واحدة وتجرع السوائل الكيميائية (سموم القوارض والحشرات، روح الملح…)، أما الإحصائيات المقدمة عن هذه الظاهرة تبقى غير دقيقة وغير موحدة بدليل اختلاف الأرقام التي تحصلنا عليها، ومردّ ذلك إلى دائرة اختصاص كل واحد منهم، فالأرقام المسجلة لدى مصالح الدرك الوطني على سبيل المثال تختلف تماما عن تلك التي سجلتها كل من مصالح الأمن والحماية المدنية، رغم أنهم جميعا دقوا لهذه الظاهرة التي أصبحت حقيقية اجتماعية ناقوس الخطر، حيث تشير التقارير والإحصائيات الرسمية لمصالح الأمن لولاية تلمسان في تقريرها الأخير، أكثـر من 120 محاولة انتحار منها 12 حالة انتهت بالوفاة، وكانت آخرها لفتاة تدرس بإحدى ثانويات الرمشي رمت بنفسها من أحد الطوابق ومحاولة أخرى سجلت بمدينة الغزوات عندما أقدمت فتاة في مقتبل العمر على الانتحار عندما تناولت مواد كيماوية خطيرة نقلت على إثرها إلى المستشفى لغسل معدتها، وكشفت مصالح الأمن أن تلمسان تحتل المراتب الأولى على المستوى الوطني من حيث محاولات الانتحار، وقد اعتبر المختصون انتشار هذه الظاهرة بالولاية إلى عدة مشاكل اجتماعية تواجه الشباب، خاصة الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 15 و20 سنة، وهي الفئة العمرية الأكثر إقبالا على الانتحار، وأرجع المختصون أيضا إقبال الشباب على إقصاء أنفسهم من الحياة بشتى الطرق إلى تدهور العلاقات الاجتماعية وبروز بشكل ملفت للانتباه الطلاق والفشل في استمرارية العلاقات العاطفية، التي كثيرا ما تنتهي بمحاولة انتحار بعد تخلي طرف عن الآخر أو حدوث أشياء أخرى، إضافة إلى المشاكل العائلية المتراكمة والفشل في الدراسة وإرغام الفتيات على الزواج من غير إرادتهن، وأكدت المصادر الأمنية أن المواد المستعملة في عمليات الانتحار تتمثل أساسا في استهلاك وتناول المواد الكيماوية السامة المذكورة سالفا، وحسب إحصائيات رسمية بلغت حالات الانتحار وسط الجزائريين 23 وفاة مقابل 23 محاولة فاشلة خلال الأشهر الثلاث الأولى من مطلع سنة 2007، ورغم تقارب عدد المحاولات بين الجنسين، بقيت حالات الوفاة وسط الذكور الأكثر معدلا مقارنة بالفتيات، وأظهرت تقارير قيادة الدرك الوطني لأشهر جانفي، فيفري ومارس أن أغلب حالات إقدام المواطنين على وضع حد لحياتهم انحصرت وسط الشباب الذي تتراوح أعماره ما بين 18 و30 سنة، بسبع انتحار شهر مارس مقابل أربعة محاولات.
وأوضحت حصيلة السنة الماضية أنه يتطلب على الهيئات الإنسانية والجمعيات الخيرية بالجزائر دق ناقوس الخطر نظرا لارتفاع عدد الوفيات بالانتحار من خمس حالات إلى 13 انتحار في السنة الماضية، والى جانب انتشار حالات اليأس وسط الشباب “المتذمر” من وضعه الاجتماعي، فان البيانات الرسمية أثبتت أنه من بين 12 محاولة انتحار توجد 10 حالات بالنسبة لأشخاص من دون مهنة أو وظيفة تشغلهم وتملا فراغهم طيلة الأوقات، وهناك 8 انتحارات فعلية لتلك الفئة من أصل تسع حالات، فيما سجل انتحار واحد لكل من فلاح، وآخر موظف وثالث يمارس نشطا حرا، وعليه فان وفاة واحدة فقط لباقي المهن الثلاث تقابلها ثمانية انتحارات لشباب عاطل عن العمل.
تشير التقارير والإحصائيات الرسمية أيضا في الجزائر إلى أن ظاهرة الانتحار أخذت تتزايد في مختلف أنحاء البلاد، التي تحصد الأرواح البشرية البريئة التي باتت تتصدر الأحداث المحلية على أعمدة أغلب الصحف الجزائرية، وبات المتصفح لهذه الجرائد يتساءل عن تداعيات هذه الظاهرة التي بدأت تأخذ منعرجا خطيرا وتدق ناقوس الخطر أمام التنامي المقلق لعدد المنتحرين من يوم لآخر هذه الحالات ليست الأولى لأشخاص يضعون حدا لحياتهم، حيث صنفت فيها الجزائر ضمن الدول العربية التي تعتبر فيها نسبة الانتحار متوسطة وقد أكدت نتائج الدراسة بأن نسبة الانتحار مرتفعة لدى الفئة التي تتراوح أعمارها ما بين 18 و40 سنة، وذلك بنسبة 63 بالمائة، وعلى الرغم من تعدد أسباب الانتحار في الجزائر، فإن تدهور المحيط العائلي وسوء الأوضاع المعيشية، من أكثر ما يدفع إلى الانتحار وأغلب المنتحرين نشأوا في محيط تسوده القلاقل والاضطرابات، إضافة إلى الحرمان أو الإحباط العاطفي الذي يصيب البعض منهم كما ذهب علماء النفس والاجتماع بالجزائر إلى أن سبب تنامي الظاهرة يعود إلى عدة عوامل، منها: تدهور القدرة الشرائية، تزايد نسبة العاطلين عن العمل، وعدم القدرة على تحمل أعباء مسؤولية الأسرة وأوضحت المديرية العامة للأمن حسب التقارير المسجلة لديها أن أغلب عمليات الانتحار تقع في المدن الكبرى والمناطق الحضرية والمناطق الفقيرة بسبب سوء المعاملة، أو سوء الحالة الاجتماعية وعلاقات الزواج الفاشلة، أزمة السكن، الفشل الدراسي، المخدرات والأسباب العاطفية وقد أجمعت مختلف التحقيقات والدراسات أن 12 % من المنتحرين يعانون من مشاكل اجتماعية وبلغ عدد حالات الانتحار جراء الانهيار العصبي 673 حالة، أي ما يعادل نسبة 15 % في ظرف 10 سنوات الماضية، كما أظهرت الدراسة المقدمة من طرف مصالح الدرك الوطني أن أغلبية المنتحرين يعانون من إختلالات عقلية حيث تم تسجيل 31 حالة من هذا النوع سنة في السنوات الأخيرة منهم 29 رجلا وامرأتان، كذلك المشاكل الاجتماعية بنسبة 12.05%، بالإضافة إلى عوامل أخرى فيما بينت أحدث الدراسات الأكاديمية التي قامت بها مؤخرا الخبيرة النفسانية نادية قاسمي رئيسة جمعية إلتقاء المتوسطية بمرسيليا بالتعاون مع جامعتي السوربون وأكس بروفينس الفرنسيتين حول ظاهرة الانتحار في الجزائر، اعتبرت الظاهرة من أخطر المشاكل التي تواجه الشباب الجزائري الذي أصبح يُقدم على ارتكاب هذا الفعل الشنيع هروبا من المشاكل التي أفقدته لذة وطعم الحياة والملاحظ من خلال هذه الدراسة رسالة دكتوراه، أن أكبر نسبة لمحاولات الانتحار قد سجلت في أوساط الفتيات اللائي يقدمن على هذا الفعل ليس رغبة في التخلص من حياتهن بل طريقة للتصدي للظروف الصعبة ولفت الانتباه للحالات الاجتماعية حتى تجد من يصغي لهن ويلفتن انتباه المحيطين بهم، حيث خلصت الدراسة إلى كون المشاكل الاجتماعية هي عادة ما تدفع بالبنات اللائي تفوق أعمارهن 23 سنة إلى محاولة الانتحار كرفض عديد الأسر السماح لبناتهن بمزاولة الدراسة وهذا ما يؤكد حسب الدكتورة قاسمي دور العوامل الاجتماعية والثقافية في انتشار الصعوبات النفسية لدى المراهق الجزائري لعدم وجود من يفهم هؤلاء الشباب خاصة في فترة المراهقة وبينت الدراسة أن أكبر نسب انتحار سجلت لدى العائلات الفقيرة وبالنظر إلى تردي الظروف الاجتماعية للكثير من الأسر جراء احتدام مشكل البطالة، السكن، وغيرها من المشاكل الاجتماعية الأخرى، فقد تنبأت الخبيرة النفسانية السيدة قاسمي بمزيد من الارتفاع في منحى الانتحار الذي قالت عنه بأنه لا يجب أن يبقى تابوها بل لابد من تسليط الضوء عليه والتفكير في إيجاد إستراتيجية وقائية للحد من انتشار الظاهرة ويبقى من الصعب التعرف على الأسباب الحقيقية للكثير من الحالات انتحارا لأن أغلب العائلات الجزائرية ترفض الكشف عن الحقيقة من أجل الحفاظ على سمعة العائلة، فنجد 1710 حالة انتحار أسبابها غير معروفة، أي بنسبة 33 %، أما ما يمكن استخلاصه أن السبب الرئيس الذي يؤدي بالكثير إلى الانتحار هو غياب الوازع الديني أي الفراغ الروحي الذي يعاني منه الكثير، وغياب الوازع الديني لديهم يقف وراء تفشي هذه الظاهرة وسط الجزائريين والجزائريات وما زاد الظاهرة تفشيا توفر كل الأسباب التي تجعل المواطنين يلجئون إلى تفضيل الانتحار على العيش في ظروف قاهرة. ك.س
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة