ضغط العمل…اتهامات بعض الحوامل في انتظار الإفراج عن القانون الأساسي
كان وصول القابلة إلى أحد البيوت يعد حدثا فريدا ينتظره الجميع، نساء ورجال فتيات وأطفال، فذاك الحضور المهاب دائماً ما يبشر باقتراب كائن حى جديد لينضم إلى الأسرة على يد “القابلة” التي تستقبل أولى صرخات الوجود، ومن ثم تبشر بالذي اكتحلت عيناه بنور الحياة “ولد” أو “بنت”، وعندها تنطلق الزغاريد لتشق عنان السماء فرحاً بالمولود الجديد خاصة إذا كان الطفل الأول للأسرة، وطوال السنوات الماضية ظلت “القابلة” تمثل مصدرا موثوقا للنساء، ليس فيما يليها من قضايا الحمل والولادة وصحة الوالدة والمولود، بل تعدتها إلى أبعد من ذلك وأضحت خبيرة في الشؤون الاجتماعية بشكل عام، وحتى الآن تؤدّى دورها في المجتمع وتظل محاطة بذلك الحضور الذي يلعب دورا مهما في تهدئة نفسية الوالدة وطمأنتها بأنها في أيد أمينة، وكغيرها من المهن المختلفة، حتى أنه جعل من الخامس مايو من كل عام الاحتفال بـ “اليوم العالمي للقابلات” تقديراً لأساهماتهن المقدرة في المجتمع ودورهن العظيم في انخفاض نسبة وفيات الأمهات والأطفال في العالم، خاصة وأن صندوق الأمم المتحدة للسكان يولى اهتماما كبيرا بقضايا الطفولة والأمومة والصحة الإنجابية وتعزيز دور المرأة في المجتمع ويساهم بشكل مقدر في دعم البرامج الوطنية التي تعنى بتطوير مهارات القابلات ودعم الكوادر الصحية في هذا المجال من أجـل تحقيق شعار “أن يكون كل حمل مرغوب فيه، وكل ولادة هي ولادة آمنة، وكل مولود بصورة صحية ومعافاة”، فالقابلات يسهمن في تعزيز الصحة الإنجابية للأفراد والأزواج، كما أن الاستثمار في القابلات هو استثمار في صحة الأمهات والأطفال، لأن أي أم لا يمكن أن تضع مولودها دون أن تكون موجودة…ليس هذا بلغز ينتظر حلا وإنما حقيقة تعلمها كل النساء، خاصة ممن هن على مقربة من موعد الولادة، ما يدفع للوقوف على واقع العلاقة التي تربط بين الحامل والقابلة، خاصة وأننا نسمع أنها علاقة كثيرا ما تكون متوترة تبررها المرأة بخوفها على نفسها وترجعها القابلة إلى الضغط والظروف المهنية غير المواتية التي تعمل فيها…علاقة خاصة تجمع بين الحامل والقابلة، ومن الشائع أن هذه العلاقة عادة ما تكون متوترة، فالحامل تتميز بالحساسية المفرطة نتيجة خوفها على نفسها وجنينها، والقابلة تمارس عملها وسط ضغط شديد يؤثر سلبا عليها في بعض الأحيان ما يجعلهما يصطدمان في مواقف عديدة.
ورغم أن للقابلة دورا مهما في التكفل بالمرأة الحامل، كونها هي من تقوم بتهدئتها أثناء المخاض ومنحها الطمأنينة، إلا أنها لا تجد من يعيد لها هدوءها عندما يحدث وتموت حامل بين يديها، حيث تصاب باضطرابات نفسية، يفترض أنها تستدعي تكفلا من مختصين نفسانيين، إلا أن القابلات يجبرن على العودة إلى المهنة والإشراف من جديد على ولادة أخرى، وهو ما يشكل خطورة على الحوامل، وهذا تحت طائلة محدودية العدد الذي يجبر الكثيرات منهن بالدخول الاضطراري أثناء العطل، واللجوء إليهن في أي ساعة، فتجد نفسها تلبي كل هذا، ولا تطالب بحقوقها عن ساعات خارج الدوام، لكنها تجد نفسها تلبي النداء في كل مرة بدافع الواجب المهني، في المقابل، تعاني القابلات من نقص كبير في التكوين، فرغم أن الوزارة وعدت بالإشراف على العملية، إلا أن هذه الخطوة لازالت بحاجة إلى دعم أكثر وتعميمها عبر المستشفيات والمراكز الصحية للوطن، وهو إجراء يحمي الأم وجنينها ويحمي القابلة فيما بعد، وهو الأمر الذي وقفت عليه “العالم للإدارة” خلال إجرائها لهذا التحقيق على مستوى المؤسسة الاستشفائية “شعبان حمدون” بدائرة مغنية، أين بادرت مصلحة التوليد والنساء بالمؤسسة إلى تنظيم يوم دراسي تكويني لفائدة القابلات العاملات بالمصلحة التي تعرف نقصا في القابلات، حيث تحصي الآن 22 قابلة مقابل 3300 ولادة في السنة أي بمعدل 10 ولادات في اليوم، كما أن المصلحة تعرف ضغطا كبيرا في الفترة ما بين شهر أفريل وسبتمبر، مع العلم انه عدد كبير من القابلات ستحالن على التقاعد، وهو الأمر الذي يستدعي من الجهات الوصية وفي مقدمتهم مدير الصحة تدعيم المصلحة بقابلات، لتدريبهن واخذ التجربة عن القدماء منهن قبل إحالتهن على التقاعد، في حين بها طبيبتين مختصتين فقط موزعتين على فرق، مما يستحيل تجسيد تغطية صحية كاملة بسبب العاملين بها الذين أحيلوا على التقاعد أو الذين هم في عطلة مرضية، مضيفا في سياق حديثه انه تم مؤخرا إلى التعاقد مع تسعة أطباء مختصين في هذا المجال في الحالات الاستعجالية، أما بخصوص الحالات المستعصية تتكفل بهم الطبيبة وهو الأمر الذي قلص بنسبة كبيرة من عملية توجيه المرضى إلى المستشفى الجامعي لتلمسان، كما أن الجديد في المصلحة هو تدعيمها بعتاد طبي جديد لتحسين المستوى العلاجي للمرضى.
الدكتورة “ابرير سهام” طبيبة مختصة في أمراض النساء والتوليد
” أرفع قبّـعتي تحية واحتراما للممرضات والقابلات”
القابلة دورها لايقتصر على متابعة الحمل وعملية التوليد بل دورها أساسي، لأن المرأة عندما تواجه مشكلا فإنها تذهب عند الممرضة أي القابلة لهذا فإنها تساعد على توعية النساء وتنصح بإجراء فحوصات خاصة بعنق الرحم يتم إجراءه من طرف القابلة وعنده مهلة 10 سنوات كي يصبح سرطان، أما حاليا فهناك وعي لدى النساء للقيام بهذا الفحص من طرف القابلات التي تقمن به ويتم إرساله إلى مخبر التحاليل، أما فيما يتعلق بعدد الولادات التي نستقبلها بالمصلحة فهي تختلف من شهر لآخر، فمثلا في الصيف يصل معدل الولادات يوميا إلى 30 ولادة مقابل 3 إلى 4 قابلات، وأنا من هذا المنبر أرفع قبعتي احتراما للممرضات والقابلات لأنه في غالب الأحيان وخاصة في المناوبة الليلية يقومون بواجبهم ويبذلون مجهودات كبيرة رغم وجود بعض الحالات المستعصية والتي تفوقهم، أما فيما يتعلق بمهنتي كطبيبة فإنني اضبط نفسي حسب مفكرة خاصة، وابذل ما في وسعي وجهدي في تقديم الخدمات اللازمة مقابل ما استقبله يوميا من حالات الولادة والفحوصات الطبية لدى المريضات، أما فيما يتعلق بالمشكل المطروح والخاص بالولادات القيصرية أضافت الدكتور ابرير سهام أنه بمستشفى مغنية لاتجرى هذه العمليات إلا على الحالات المستعصية، كما أننا كأطباء مختصين لايوجد قانون يحمينا فعند ولادة الرضيع أو المولود ميتا فحتما هناك شكوى ترفع من ذويه ضدنا، فنحن بحاجة ماسة لنقابة تدافع عن هؤلاء الأطباء، والدليل على ذلك هناك وفيات لعدة أشخاص حدث بمصالح مختلفة بالمستشفى وكان الأمر عاديا، ولكن ما حدث بمصلحة طب أمراض النساء والتوليد كان عكس ذلك سواء كانت وفاة المرأة الحامل أو المولود، أما بخصوص الأجهزة والعتاد فهناك أجهزة حديثة استفادت منها المصلحة…فنحن ننتظر الكثير لأن الصحة في تطور دائم واطلب بالمناسبة المعنيين والمسؤولين في مجال الصحة التركيز على تنمية الأشخاص من خلال تكوينهم وتعليمهم تكوينا عاليا يؤهلهم في مجابهة الصعاب والتحدي في وظيفتهم، فالقوانين الأساسية موجودة يبقى فقط على الجهات المعنية تطبيقها، كما أن الكفاءات موجودة علينا تأطيرها وتمكينها من العتاد الذي يمكننا مستقبلا من نتائج ايجابية مباشرة على المجتمع.
في الختام نصيحتي من هذا المنبر لنفسي ولزملائي وكل العاملين في القطاع والمجال الصحي، أن يعلموا أن مفهوم الصحة كبير وواسع جدا والهدف منه تجنيد المرضى والعاملين على الصحة، هذه الأخيرة لاترتقي إلا بتظافر الجهود والتعاون بين شرائح المجتمع، لأنه من واجب المريض احترام الطبيب والممرض واحترام المؤسسة الاستشفائية عامة، كما انه الطاقم الطبي الذي مهمته قبل كل شيء مهمة إنسانية، حيث تتعدى العمل الصحي وهو مسؤول أيضا على تطور الصحة.
قــــابـــلات مـــتــابـــعــات قـــضائـــيــا
قــانـــون جـــديـــد…مــطــلــب الــقــابــلات
وتعرض ”الــعالم للإدارة” المشاكل الكثيرة التي تواجهها القابلات أثناء أدائهن وظيفتهن وتحصي النقاط السوداء في محيط معادي فتقول إحداهن ظروف العمل شاقة وصعبة، وهناك نقص واضح في التكوين، كما أن الرواتب لا تتماشى مع تعقيدات المهنة ومشاق المهمة الملقاة على عاتقهن، مع ذلك فالقابلة ظلت دائما مجندة، فهناك تهم عديدة توجه للقابلات من طرف المجتمع عموما وأسر الحوامل خصوصا، منها الإهمال وعدم الإكتراث بصحة النساء الوافدات على المستشفى والتسبب في مضاعفات خطيرة لهن أو لمواليدهن، بل وتتهمن أيضا بالتسبب في وفاتهن في بعض الحالات، ولهذا فليس غريب العدد الهائل من الدعاوى القضائية المرفوعة ضدهن من قبل أهالي الحوامل والإدارة نفسها، وبلغة الأرقام فإن قابلة من كل قابلتين بالجزائر متابعة قضائيا، فوفاة وجرح المواليد أثناء الولادة بالإضافة لتدهور الحالة الصحية للأم هي أكثر الأسباب التي تدفع العائلات لمقاضاة القابلات، وقد أدى عدد كبير من الشكاوى المودعة إلى تطبيق عقوبات صارمة ضد عدد كبير منهن وصلت في بعض الحالات إلى خمس سنوات سجنا وهو وضع يشغل بال القابلات ونقابتهن، فبعد أن كانت ممارسات هذه المهنة النبيلة تقفن كشاهدات على أهم لحظة في تاريخ الإنسان وهي مجيئه للحياة، أصبح عدد كبير منهن نزيلات سجون، إذ تقول بعضهن أصبحت المهنة أشبه بالمهجورة بسبب الضغط القضائي المسلط علينا وبسبب الصعوبات المتعلقة بممارسة المهنة في حد ذاتها، وليس من الصعب تعداد الأخطاء التي ترتكبها القابلات، أو التي تنسب لهن من قبل أهالي النساء الحوامل – على الأقل – والذين أصبحوا لا يتوانون عن اللجوء للعدالة، خاصة في حالات تكون فيها النتيجة وخيمة كموت الأم أو المولود أو تعرض هذا الأخير لعاهة مستديمة، أو تدهور حالة أحدهما، ومن بين المشاكل الأخرى التي تصادفها القابلة في أدائها لعملها أن أصابع الاتهام دائمة موجهة لها حتى لو لم ترتكب أي خطأ، فيكفي أن يتم إرتكاب خطأ حتى ينسب لها، إذا غادرت القابلة حتى لأسباب مهنية مستعجلة كنقل سيدة حامل، فهي مخطئة إذا وقع مشكل في غيابها، وإذا بقيت بالقسم أو القاعة، فهي أيضا مخطئة إذا حل بالسيدة الحامل الأخرى مشكل ما.
مشكل آخر هو كثرة المسؤوليات، فبالموازاة مع عملها كقابلة تؤدي هذه الأخيرة عملا إداريا محضا كالتكفل بالتصاريح وتدوين أسماء المواليد وجنسهم…وغيرها من الأعمال التي تشغلها عن عملها الأساسي وتستنزف قدرا معتبرا من وقتها وتركيزها وجهدها، والأهم أنه يزيد من مسؤولياتها الثقيلة، ويظل عدم تحديد المهام أكبر مشكل تصادفه القابلة التي لم تعرف يوما قانونا أساسيا خاصا بها يحميها قبل أن تقع في الخطأ بأن يحدد مهامها والمطلوب منها بالتحديد فتدرك مسبقا مجال المسؤولية فتتحملها وتعمل على تجنب الخطأ.
كل ما نريده اليوم تقول إحداهن “هو الحماية”…هذه العبارة الشعار أكثر ما يلخص مطالب القابلات الجزائريات، لتأتي خطوة المطالبة بقانون أساسي خاص بهن خطوة عملاقة في مسار الكفاح لتغيير الأوضاع المزرية، حيث وجدت القابلات أنفسهن موظفات بلا قانون يحميهن، متهمات من قبل الإدارة والمجتمع، مهددات بدخول السجن في أية لحظة، في كل هذا لا إعتبار لهن، لكل هذا فإن الحماية من خلال قانون خاص بهن هو أملهن في رد الاعتبار وإحداث تغيير جذري لأوضاع جعلت الكثيرات منهن تتوقفن عن ممارسة مهنة نبيلة بعدما تحولت إلى سبب في دخول الكثيرات منهن السجن، وبهذا تكون القابلات قد تنفسن الصعداء بعد عقود من المعاناة، ويعد القانون الخاص بهن إنتصارا في هذه المعركة ضد الجهات المسؤولة التي قررت هذه المرة التعامل مع القابلات بأكثر جدية وهن اللواتي أبدين تصميما أقوى على انتزاع حقوقهن ومحو الصورة النمطية السيئة المرسومة عنهن في أذهان أفراد المجتمع خاصة بنات جنسهن.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة