الثلاثاء, يناير 13, 2026

بجبال بخوخة والمنشار (ترارة) / معركة فلاوسن مجاهدو ن يسترجعون الذكرى الـ 61

    تميزت الاحتفالات بالذكرى الــ 61 لمعركة فلاوسن إحدى المعارك الكبرى لحرب التحرير الوطني ببلدية عين فتاح دائرة فلاوسن بتلمسان بتنظيم عدة نشاطات منها تدشين وتسمية مرافق، حيث أشرف والي ولاية تلمسان السيد “علي بن يعيش” رفقة السلطات المحلية المدنية والعسكرية ومجاهدين وأبناء الشهداء ومنتخبين محليين على مراسيم الاحتفالات بهذه الذكرى أمام النصب التذكاري المخلّد لهذه المعركة بمكان وقوعها في جبال ترارة بحضور جمع غفير من سكان المنطقة، أين رفع العلم الوطني ووضع إكليل من الزهور وقراءة سورة الفاتحة ترحما على أرواح الشهداء الطاهرة.

ولدى كلمته الافتتاحية لليوم الدراسي حول معركة فلاوسن الكبرى بالمناسبة ذكّر والي ولاية تلمسان أن منطقة فلاوسن مثال لما قدّمه الشعب الجزائري عامة لاسترجاع حريته، كما تم بالمناسبة وضع حجر الأساس لانجاز مدرسة من صنف (ب1) التي سيتم استغلالها مع الدخول المدرسي المقبل، مع إعطاء إشارة انطلاق مشروع إتمام أشغال تهيئة الملعب البلدي وغرس شجرة بمقام الشهيد، إلى جانب القيام باستعراض شباني في الشارع الرئيسي للبلدية، إضافة إلى هذا عرفت مناسبة هذه الذكرى التاريخية تنظيم معرض لصور شهداء الثورة التحريرية المجيدة والصناعات التقليدية التي تزخر بها دائرة فلاوسن، وذلك من طرف المتحف الجهوي للمجاهد والجمعيات المحلية للحرف والصناعات التقليدية إحتضنته القاعة المتعددة الرياضات لبلدية فلاوسن مع عرض شريط وثائقي حول الذكرى، كما نشّط الدكتور نصر الدين بن داود بالمناسبة محاضرة حول تاريخ هذه المعركة، وعـن هذه الجريمة “الشنيعة” وأسبابها ومخلفاتها وأثارها في نفوس المواطنين الذين زادهم هذا اليوم قوة في التلاحم والالتفاف حول الثورة، وأن هذه المجزرة جاء كرد فعـل عنيف وانتقام من المستعمر على العمليات الفدائية التي قام بها المجاهدون بالمدينة واستهدفت الجيش والشرطة الفرنسيين ومقرات التي يتردد عليها الفرنسيون، كما طالت يد الإجرام الاستعماري الجامع الكبير لتلمسان أثناء أداء الصلاة، حيث أطلق النار على الإمام الذي سقط شهيدا وأصيب بعض المصلين، كما أضاف ذات المتدخل الذي ذكر بالآثار التي لا تزال بالمسجد من جراء هذه المجزرة.

    من جهته، أشار أحد المجاهدين من المشاركين في العمليات الفدائية، إلى أن الحصيلة الرسمية آنذاك قد حصرت عدد ضحايا مجزرة المستعمر الفرنسي في 39 قتيلا مدنيا، بناء على تقرير إدارة المستشفى، “غير أن الحقيقة بعيدة عن هذا الرقم، باعتبار أن العديد من القتلى لم ينقلوا إلى المستشفى وهناك العديد من الجرحى قد لفظوا أنفاسهم الأخيرة بعد هذا اليوم”، كما أرجع متدخل آخر من هؤلاء المجاهدين السبب غير المباشر لهذه الجريمة، إلى الخسائر الفادحة التي تكبدتها قوات المستعمر الفرنسي في معركة فلاوسن التاريخية بالمنطقة قبل أيام قليلة من ذلك التاريخ.

     للتذكير إندلعـت معركة فلاوسن يوم 20 أفريل 1957 بجبال بخوخة والمنشار (ترارة)، حيث واجه 155 مجاهد بشجاعة كبيرة على مدار خمسة أيام مئات الجنود الفرنسيين المدعمين بالطيران وألحقوا بالعدو الفرنسي خسائر فادحة· وقد تم إحصاء من جانب جيش التحرير الوطني حوالي ثلاثون شهيدا سقطوا في ميدان الشرف، ليختم الحفل بتكريمات لفائدة الأسرة الثورية ولأعوان الحرس البلدي بمبادرت من السلطات المحلية.

شهادة المجاهد بعوش محمد (اسم الثورة) رحمه الله

سي الطاهر الذي كان أسيرا بالقرب من مركز قائد إحدى

فيالق العدوّ المهاجمة، حول وقائع معركة فلاوس

     في 29 سبتمبر 1955 كنت وثلاثة من رفاقي المجاهدين في مهمة سرية، وقبل إتمام تلك المهمة وقعنا في كمين للعدو، فألقي القبض علينا، ونقلنا بعدها إلى السجن بمدينة تلمسان حيث قضينا هناك ثلاثة سنوات منها عامين بالسجن المدني والعام الأخير بسجن المنصورة الذي كان تابعا لفرقة اللفيف الأجنبي، وفي نهاية الأسبوع الثالث من شهر أبريل 1957  بدأت قوات العدو في المنطقة ومنها فرقة اللفيف الأجنبي الذي نحن سجناء لديها، تستعد للقيام بالهجوم على منطقة جبل فلاوسن، وكان عددنا نحو أربعين مجاهد (40) وكانت المهمة التي كلفنا بها هي حمل القذائف و أجهزة الاتصال الثقيلة لجنود العدو، وبعد وصول القوات المهاجمة إلى حافة جبل فلاوسن، جمع قائد الفيلق وهو برتبة رائد جميع الضباط وضباط الصف و خاطبهم قائلا ( إننا سنقوم في هذا اليوم بأكبر معركة  وأن قـوات الفلاقة المتواجدة هنا في أحراش ومنحدرات  هذا الجبل يوجد ضمنها جميع مسئولي الأفلان بالقطاع الغربي الوهراني ولا تظنوا أن الأمر سهل، إذ أنه رغم علمهم (أي المجاهدين) بقدومنا لمحاصرتهم إلا أنهم رفضوا الانسحاب وبالتالي فهم مصرون على الكفاح إلى آخر قطرة من دمهم، وعلى حسب المعلومات التي وصلتنا أن قوات الفلاقة تتكون من 3 كتائب ومدفع هاون و10 مدافع رشاش، ومن ثم ليس من السهل كما يتصور البعض القضاء عليهم بسرعة إذ يمتازون بالشجاعة والإقدام، لكن ينقصهم التنظيم، وعلى ذالك فمن الممكن أن نقضي عليهم، أما نحن فلدينا 33 ألف جندي مدعمين ببطاريات مدفعية والبوارج الحربية المتواجدة قرب ميناء الغزوات وتسندنا مجموعة من الطائرات المقاتلة المختلفة، وعدد كبير من الدبابات ومدافع الميدان على اختلاف أنواعها.

     في الربع الأخير من ليلة العشرين من شهر أفريل سنة 1957 كانت عملية الحصار قد تمت وأحكمت بدقة وعناية، ومع إطلالة شعاع الصباح كانت اللمسات الأخيرة لخطة الهجوم على أتم ما يرام، إذ سبقها عملية الاتصالات عن طريق أجهزة الاتصال الميدانية بين قادة الوحدات المشاركة في هذا الهجوم، مع المراكز العسكرية المتواجدة بالناحية كمركز مزرعة أفار والخريبة ودار بن طاطة، الزياتن وحصحاص وكما هي العادة عندما تقوم قوات العدو بعملية هجوم أوحصار لأي منطقة، فان أوّل عمل تقوم به هو تسليط نيران مدفعيتها بشكل مكثف ووحشي ثم يتبعها زحف القوات البرية، وبالفعل، فقد قامت المراكز العسكرية المجاورة والمحيطة بجبل فلاوسن بقصف جهنمي بواسطة مدفعية الميدان تساعدها من البحر مدفعية البوارج الحربية الراسية بالقرب من ميناء الغزوات.

     كان قائد قوات العدو بالقرب من الجهة التي كنت فيها وقد أعطى تعليمات محددة حول الأسرى من المجاهدين، ووجه لهم الأمر بنزع جميع الأشياء التي تكشف عن هويتهم (أي أنهم عرب) كنزع الشاش والطربوش من فوق الرؤوس…وحوالي السادسة صباحا من يوم 20 أفريل أعطى أحد قادة الوحدات أمر لمجموعة من جنوده بعد أن قسمها إلى فوجين بالتقدم  نحو المنطقة التي أمطرتها قذائف مدفعية الميدان، واكتشاف الطريق إن كان آمنا أم لا، لكن هذين الفوجين سيطر عليهما الخوف الشديد وتمكنا منهما، فرفضا وأصرّا على الرفض بتنفيذ أوامر قائدهم، والقيام بالمهمة التي كلفوا بها، وهذا رغم علمهم المسبق بأن الإقدام على مثل هذا في زمن الحرب يعتبر عصيانا وتمردا وجزائه الإعدام بدون محاكمة.

     ولما شاهد قائد الفيلق بنفسه عصيان هؤلاء الجنود لقائدهم نزل إليهم ووبخهم، ثم أشبعهم ضربا بالركل وقال لهم (عار عليكم)، بعد ذالك قامت طائرة استكشاف بجولة تفتيشية في المنطقة استطاعت خلالها تحديد أماكن ومواقع المجاهدين، أخطرت بعدها في الحال القيادة الأرضية، وبعد حوالي 25 دقيقة بدأت عملية القصف الوحشي بواسطة المدافع معززة بأسراب من الطائرات المقاتلة من مختلف الأنواع كان يتراوح عددها ما بين 16 إلى 18 طائرة، وبعد أن دقت المنطقة بنيران جهنمية تحركت القوات الأرضية نحو مواقع تمركز المجاهدين في تحصيناتهم وهي على شكل حلقة دائرية، ولقد شاهدت قوات العدو وهي مرتبة في 3 أو4 صفوف وراء بعضها البعض الأمر الذي أتاح للمجاهدين المحصنين في مواقعهم الدفاعية من توجيه نيران شديدة وبصورة متواصلة ألحقت بقوات العدو المهاجمة خسائر فادحة وجسيمة اضطرت هذه الأخيرة إلى التقهقر نحو الخلف واستمر الحال على هذا المنوال لمدة من الوقت، كان العدو يحاول جاهدا اختراق الحائط الدفاعي للمجاهدين إلا أنه مني بخسائر كبيرة كلما حاول ذالك.

     ولعـل من الأسباب التي مكنت المجاهدين من إنزال خسائر كبيرة ضمن صفوف العدو، هو كون تحرك قوات العدو المهاجمة في منطقة عارية مما سهل اصطيادها والقضاء على جزء كبير منها بسهولة.

     وعند الساعة الواحدة بعد ظهر يوم 20 أفريل  وبعد محاولات مستميتة من قبل قوات العدو تمكن جنوده من التقدم والوصول إلى طرف الغابة التي تغطي سفح الجبل، الأمر الذي وفر لهم الحماية والغطاء والتقدم بسرعة نحو مواقع المجاهدين، وقد لاحظت في هذه الفترة اشتداد لهيب المعركة وبدأت الأوضاع تسير في غير صالح المجاهدين المحاصرين من كل جهة، وعند الساعة الثالثة بعد الظهر، بدا واضحا أن المجاهدين أصبحوا فاقدين السيطرة على الوضع وأن وضعيتهم القتالية أصبحت بالفعل تسير نحو الهاوية، زاد حماسهم للقتال، ورأينا بعض إخواننا يطلقون النار على جنود العدو وهم واقفون منادين ” الله أكبر”، وسارت وتيرة القتال على هذا الحال، وبات واضحا أن وضعية المجاهدين تزداد بمرور الوقت سوءا، حاول المجاهدون تغيير إستراتيجية القتال لكن السلاح الجوي للعدو استطاع بمشاركته في المعركة أن يقضي على عدد كبير من المجاهدين الأبطال الذين خرجوا يواجهون جحافل قوات العدو وجها لوجه.

     عندما وصل جنود العدو إلى مواقع القتال وجدوا كل المجاهدين الذين سقطوا في ميدان القتال مرتبين في صف واحد بطريقة منظمة وجوههم نحو القبلة، لا توجد بحوزتهم قطعة سلاح واحدة، أرجلهم خالية من الأحذية، الأمر الذي أذهل  قادة قوات العدو وجنودهم، وفي تلك اللحظة أمرنا قائد قوات العدو بتناول طعام الإفطار لأن يوم 20 أفريل صادف يوما من أيام شهر رمضان لتلك السنة.

     وسط هذا الجمع من الشهداء امتنعنا من الإفطار احتراما وتقديرا لتلك الأرواح الطاهرة، وكم هي الحالة صعبة وقاسية جدا على نفوسنا ونحن أمام زملاء لنا كانوا بالأمس القريب رفقاء سلاح.   

خسائر معركة فلاوسن بالنسبة لقوات العدو من قتلى

وجرحى وعدد الشهداء بالنسبة لجيش التحرير الوطني

     بحكم موقعي القريب من مركز قائد فيلق العدو وصلت إلى أسماعي أثناء اتصال لا سلكي جرى بين قائد الفيلق و قادة للوحدات الأخرى أن الخسائر في الجانبين كانت على النحو التالي : بالنسبة لقوات العدو في المنطقة التي كنت فيها أفاد بأنها تشمل عددا كبيرا بين قتيل وجريح، أما بالنسبة للمجاهدين فذكر بأنه تم القضاء على 80 مجاهدا (شهيدا)، وأمّا ما شاهدته بعيني فكانت خسارة العدو ما بين 35 إلي 40 عسكري مصاب بإصابات متفاوتة الخطورة وما بين 30 إلى 35 قتيل، وحسب المعلومات التي أفضى بها المجاهدون بالمنطقة أن خسارة العدو في هذه المعركة تتراوح ما بين 700 قتيل و400 جريح، أما عدد الشهداء كان حوالي 106 وعدد الجرحى 60، غير أن الرائد مستغانمي أحمد اسم الثورة سي رشيد يفيد بان الخسارة في صفوف المجاهدين حسب التقارير التي أرسلت للقيادة آنذاك كانت على النحو التالي : استشهد في المعركة 24 مجاهدا و13 مواطن مدني وإصابة 14 مجاهدا بجروح مختلفة وأسر 11 مجاهدا، أما خسائر العدو فيتفق الجميع على أنها كانت جسيمة كما تم ذكرها، وفي اليوم التالي أي في 21 أفريل خضرت قوات العدو وحملت معها  العديد من البغال، وبمساعدة سكان المداشير والقرى المجاورة نقلت موتاها من ميدان المعركة، وقد وصل إلى أسماع الأخوة المجاهدين يومها من قبل هؤٍلاء المدنيين حسب ما شاهدوه أن عدد الموتى من جنود العدو كان كبيرا جدّا، وأنهم حملوا الجنود الذين هم من أصل فرنسي وتركوا الجنود السود من السنغاليين العاملين ضمن القوات الفرنسية و24 مجاهدا في ميدان المعركة، إنها ملحمة خالدة من ملاحم ثورة التحرير الوطني…وهكذا انتهت شهادة المجاهد بعوش محمد اسم الثورة سي الطاهر رحمه الله.

شاهد أيضاً

العدوان الصهيوني على غزة : ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 70654 شهيدا و 171095 مصابا

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023, إلى 70654 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *