الثلاثاء, يناير 13, 2026

هضبة لالة ستي / أروع منتجع سياحي وشريط غابي يعيش تحت أكوام النفايات

المشروع ينتظر مصادقة السلطات الولائية لتفعيله ويبقى المسؤول الحاجز المانع للتنمية ببيروقراطيته

   تتميز ولاية تلمسان بثروة غابية كبيرة تمتد على مساحة 225 ألف هكتار ما يعادل 24 بالمائة من مساحة ولاية تلمسان التي تحتل بذلك المرتبة الأولى جهويا والثالثة وطنيا، وفضلا عن أدوارها البيئية والمناخية أعطى هذا الطابع الغابي للولاية قفزة كبيرة للعجلة السياحية بتلمسان خلال السنوات الأخيرة.

وصارت السياحة الغابية ثقافة منتشرة لدى الزوار من كل ولايات الوطن، وتعتبر هضبة لالا ستي، هذا الشريط الغابي والمنتجع السياحي والتاريخي الذي يقع على علو 800 متر من المواقع السياحية والأثرية التي أضحت خلال السنوات الأخيرة تنافس شواطئ تلمسان خاصة شاطئ مرسى بن مهيدي من حيث استقبال السياح في الصيف، وأصبحت أهم مركز للسياحة بالولاية، حيث تشير الإحصائيات أن الولاية تسجل 20 مليون مصطاف وسائح سنويا منهم أكثر من 10 آلاف أجنبي، فهاته البحيرة، الغابة والمنتجع السياحي المطل على حي بودغن العتيق يعود نسبة لضريح المرأة الصالحة لالا ستي، حيث دشّنه رئيس الجمهورية في شهر أكتوبر من سنة 2008 ليكون واحدا من أهم الوجهات السياحية وباتت هضبة لالة ستي تستقطب آلاف الزائرين كل سنة بسبب موقعها الجغرافي الممتاز، هذه الهضبة التي أقيمت بها مرافق سياحية كبيرة على غرار المنتجع السياحي والبركة المتحركة التي ضاعفت من الجمال الطبيعي للمنطقة، امتزجت فيها المناطق الاصطناعية بالغابة الجميلة التي سهرت السلطات على إقامة المقاعد الحجرية مما زاد من إقبال العائلات عليها خاصة خلال فصل الصيف والسهرات الليلية أين لا تخلو الهضبة ليل نهار من السياح الذين يقضون أوقات طويلة هناك خاصة في ظل تواجد كل الضروريات من خلال فتح المطاعم والمقاهي التي تقدم أشهى الأطباق كما زاد مشروع  التيليفيريك الذي يربط الهضبة بوسط المدينة بمبلغ رمزي لا يزيد  عن الـ 30 دج من قوة الاتصال، حيث لا تكاد العربات تخلو من الصاعدين والنازلين للهضبة عابرين أزقة تلمسان من الأعلى مستمتعين بالمناظر التي تشكل لوحة تلمسان التي تكونت منذ الأزل في الوقت الذي تعطل لمدة زادت عن السنة في انتظار استكمال إصلاحه من قبل مؤسسات أجنبية مختصة، إذ أكد مدير النقل لولاية تلمسان بالمناسبة أن المصعد الهوائي (التليفيريك) لايزال حيّز الخدمة بسبب أشغال الصيانة، ويجري حاليا شحن المعدات فرنسية لصيانته بعدما تم إنشاء شركة للشراكة مع الطرف الفرنسي 51/49 لتتولى الصيانة بعدما تم فسخ العقد مع الشركة التي أنجزته بسبب المبالغ الباهضة التي طلبتها لصيانتها، هذا وقد اقترح مدير النقل خلال اللقاء الخاص بالمجلس الشعبي الولائي فتح خط خاص للمؤسسة العمومية للنقل الحضري ما بين الحوض الكبير وهضبة لالة ستي لتأمين النقل السياحي في انتظار إعادة فتح المصعد الهوائي، كما أن هذا الموقع السياحي المتميز بمناظره الطبيعية الخلابة تقصده العائلات ليلا لقضاء السهرة في جو عائلي حول الموائد الحجرية المهيأة على ضفاف الغابة أين يتواصل السمر العائلي إلى ساعات متأخرة من الليل إذ تجد الأطفال الصغار وهم يستمتعون باللعب في الوقت الذي يرافق الآباء أبناءهم للقيام بجولة على الماء في البركة المتحركة على متن الزوارق التي تسير باستعمال البيدال من جانب آخر، يختار بعض الزوار زيارة ضريح لالا ستي الواقع بالجهة الغربية على بعد أمتار قليلة من البرج الذي يعد أحد المعالم الخمسة التي تحتويها الهضبة لاكتشاف السر الدفين الذي تخفيه هذه المرأة الصالحة التي يقال أنها جاءت من بغداد وهي بنت الشيخ عبد القادر الجيلاني وعاشت بتلمسان خلال القرنين الـ 6 و7 هجري الموافقين للقرنين 12و13 ميلادي وهي أصغر أخواتها واختلفت الروايات في سرد حكاياتها، حيث تؤكد بعض الروايات أنها شقيقة لالة مغنية   المدفونة بمدينة مغنية، من جانب آخر تزيد غابة بتي بيردرو المحيطة بهضبة لالة ستي، والتي لا تزال بها بعد مراكز الاعتقال والتعذيب الفرنسي من قيمة هذه الهضبة، ما أثار فضول السياح والزوار الذين يقصدون المكان خصيصا لمشاهدة الزنزانات التي أقامها الاستعمار في تلك الفترة، حيث يقف هؤلاء بعددها المنتشر وبآثارها التاريخية الشاهدة على جرائم الاستعمار ووحشيته في حق الشعب الجزائري، هي مشاهد وشواهد تاريخية هامة جعلت من الغابة متحفا طبيعيا مفتوحا يتزاوج فيه الجمال الطبيعي والتاريخي والاصطناعي وحتى الرياضي والسياحي والعلمي على خلفية إقامة ملعب رياضي هناك، والذي احتضن مؤخرا فعاليات الطبعة 13 للبطولة الإفريقية لألعاب القوى لصنف أواسط (أقل من 20 سنة)، المنظمة من طرف الاتحادية الجزائرية لألعاب القوى بالتنسيق مع رابطة تلمسان لألعاب القوى ومديرية الشباب والرياضة بتلمسان وتحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة بمضمار المركب الرياضي في هضبة لالة ستي بتلمسان، والتي عرفت مشاركة ما لا يقل عن 438 مشارك من بينهم 331 رياضي، إضافة إلى 105 من الوفود الرسمية يمثلون 36 دولة افريقية، فضلا عن فندق رنيسونس الذي هو أحد فروع  ماريوت زيادة على المركب السياحي التابع للحظيرة الذي صار مركزا خصبا للملتقيات العلمية والثقافية ضاعفت من القيمة السياحية للهضبة.

حرائق سببها انتشار النفايات وسط الغابة

    إلا أن بعض التصرفات اللامسؤولة وبعض السلوكات السلبية لازالت تشكل نقطة سوداء خاصة منها الرمي العشوائي للنفايات وسط الغابة والتي قد تكون سببا في الكثير من الأحيان في اندلاع حرائق غابية تأتي على الأخضر واليابس، وقد وجهت الحضيرة الوطنية لتلمسان في هذا الصدد نداء إلى مرتادي هذه الفضاءات الغابية من اجل الحفاظ عليها والارتقاء بالحس المدني وتجنب كل ما من شأنه إحداث الحرائق، بالمقابل مديرية محافظة الغابات لتلمسان وبهدف تجنب أسباب نشوب الحرائق الغابية أطلقت مشروع ينظّم ويحدّد أماكن المواقد المستعملة للشواء في الأماكن الغابية، المشروع ينتظر مصادقة السلطات الولائية لتفعيله، باعتبار أن السياحة الغابية ثقافة وسلوك وأدب تتوجب الحفاظ على المكاسب الطبيعية لاسيما نظافة المحيط واحترام القوانين وبعض الضوابط، خاصة عدم الشواء وإشعال النار، فقد عانت مصالح الحماية المدنية لولاية تلمسان خلال الأسابيع الماضية الأمرين لإخماد الحريق الذي شبّ بغابة مرباح التابعة لبلدية بني صميل، حيث عزّزت وحدات الحماية المدنية من تواجدها، حيث بلغ تعداد عناصرها 201 عون أكفاء من مختلف الرتب التابعين للحماية المدنية لتلمسان والرتل المتنقل لولايتي عين تموشنت ومعسكر و19 شاحنة إطفاء وسيارتي الإسعاف وسيارة الاتصال، بمشاركة أعوان محافظة الغابات والبلدية وأفراد الجيش الوطني الشعبي، وقد دامت عملية إخماده خمسة أيام كاملة، والسبب الذي زاد من صعوبته عوامل التضاريس والمناخ والأهم حسب المكلفة بالإعلام على مستوى مديرية الحماية المدنية لولاية تلمسان، وكذا الغطاء النباتي المتكون من الصنوبر الحلبي والأدغال المتفرقة والحشائش اليابسة السريعة اللهب، كما يبقى حسب مصالح محافظة الغابات المواطن هو العامل الرئيسي والمباشر لأسباب هاته الحرائق بسلوكاته الغير مسؤولة أحيانا ما لم يتخذ الاحتياطات ويتبع التعليمات، فإذا كانت الغابة ـ حسبها ـ جمال والسياحة استجمام فالحس المدني تمام ودوام.

لالة ستي بين الولاية والزيارة

    هي من الوجوه القليلة النسوية في تلمسان والمغرب الكبير، المتصدرات للولاية، فهي على ما تذكر الباحثة ‘’سوسي آنديزيان’’ إحدى بنات سيدي عبدالقادر الجيلاني أو زوجة سيدي أحمد بن يوسف الملياني، وفي تلمسان تحتل المرتبة الثانية بعد سيدي بومدين من ناحية التبجيل…فهي ولية صالحة، تُعالج النساء من خلال بركتها كل الأمراض، بما في ذلك العُقم، جسدها الطاهر مسجى بالقرب من المقبرة على شفا جُرف في أعالي تلمسان، في قُبتها ليس فيها ما يدل على أنها من الآثار التاريخية، توجد فيها أفرشة وبساطاً للنوم، إذا كان للزائرات رغبة في رؤية الولية الصالحة، وتوجد غرفة جانبية لطهي الطعام لمن تُريد إعداد الصدقة لها، سواء للشكر أو لإسداء فضل إلهي أو عربون للوفاء…

    إن حارسة القبة تفتحها كل خميس مساءً وكل جمعة وأيام الاحتفالات، وهي التي تجمع الهبات التي تُقدم للضريح، وغالباً ما تكون المستفيدة الوحيدة من ‘’الكسكسي’’ التي تُقدم للولية الصالحة، أما المتسولون فليست لديهم الشجاعة الكافية لكي يصلوا إلى مقامها.

    الزيارات ليست مُكثفة، والمسجد الكبير أكثر أهمية في تحصيل الصدقات، وهي أكثر في فصل الصيف، حيث تأتي عائلات بكاملها للنزهة والسياحة، وحين تزور النساء الضريح يتجه الأطفال إلى الفضاء الواسع قرب الضريح للعب، أما الرجال فهي فرصة بالنسبة لهم للمناقشة، وفي رمضان – إذا كان الجو معتدلاً- تأتي العائلات بعد الإفطار…هذا المكان يُعطي انطباعاً جميلاً عن المدينة والسهول المحيطة بها، إلا أن الظروف الأمنية غير متوفرة، فالإشاعة تنتشر عن حوادث الاختطاف والقتل والسرقة، الارتباط بلالة ستي، لا يتأسس على الإنتماء إلى تنظيم الإخوانيات أو الإنتماء العائلي، فهو علاقة شخصية دون وساطة عائلية، وهي حارسة المكان…تذكر الباحثة أن المقام أصبح مهجوراً والنساء أصبحن يُفضلن الطب المُعاصر ولا تتدخل لالة ستي إلا للإستشارة أو للترف المناسباتي.

    تمثّل لالة ستي بالنسبة للتلمسانيين الذاكرة بامتياز، وقد ذكر ‘’مصالي الحاج’’ زعيم الحركة الوطنية، خروج النساء للمقام، يحضرن معهن الحلويات والشاي والقهوة ويتمتعن بالنظر لسهول تلمسان، يتحدّث عن مقامها الشيوخ المسنون كجنة مفقودة، أين كان يجد النساء الهدوء والأمان والحرية، فيقتحمن المكان في أي لحظة، كما لم تستطع المدينة الجديدة إلغاء المدينة القديمة، لأن لالة ستي تمثل الديمومة وتُشكل مرجعاً مجالياً وزمانيا. ك. س

شاهد أيضاً

العدوان الصهيوني على غزة : ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 70654 شهيدا و 171095 مصابا

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023, إلى 70654 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *