الثلاثاء, يناير 13, 2026

“العالم للإدارة” تنقل صورا مفجعة وحيّة / أطفال وشباب استهدفتهم الزطلة… المخدّرات في صمت

ففي ظل عدم وجود إحصاءات رسمية، تشير التقديرات إلى أن الأرقام تظل مفجعة، لكون استهلاك المخدرات يطال نسبة هامة من المراهقين بالمؤسسات التعليمية والأحياء المختلفة بعد أن أصبحوا تحت رحمة المخدرات بكـل أنواعه، والتي كثيرا ما تدفعنا إلى التساؤل عن طريقة وصولها إلى أيادي الشباب وعن هوية هؤلاء التجار الذين يجازفون بحياتهم ومصيرهم لتموين هذه الشريحة بهذه السموم، لكن الوضعية في الأحياء الشعبية تختلف ولا يمكن مقارنتها بما يحدث في كبريات العواصم العالم المعروفة بارتفاع معدّل استهلاك وترويج المخذرات، لأن المروجين في الأحياء الشعبية لا يجرؤون على حمل كميات كبيرة من المخذرات ولا يستطعون ترويجها بسهولة، وهكذا يفضل أغـلب هؤلاء التجار تسويق كميات لا تتعدى بضع غرامات وتحقيق حفنة من الدينارات تكفيه لتحقيق لقمة العيش.

     العالم للإدارةكانت لها جولة عـبر بعض أحياء الشعبية عتيقة لمدينة مغنية، هذه الأخيرة التي كانت معبرا للسموم أصبحت في السنوات الأخيرة محطة للترويج والاستهلاك مسّت أطفال وشباب في سن المراهقة ورصدت دون لفت الانتباه بعض الحالات الحيّةهم ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين الثانية عشر والخمسة عشر عاما يلتقون يوميا أمام إحدى العمارة متواجدة بحي د.ن.س الذي يقطنون به حوالي الخامسة مساء، يتحدثون قليلا ثم يتوجهون مباشرة إلى أحد أزقة الحي ويقفون أمام منزل أحد الشبان المعروفين بانحرافهم بعض الوقت ثم ترى الطفل الأول يذهب إلى أحد أطراف الأزقة ويقف متكئا على الحائط يراقب المارةبعد ذلك يتوجه الطفل الثاني إلى الطرف الآخر من النهج ويتولى بدوره المراقبة ويبقى الطفل الثالث أمام منزل المنحرف، هذا الأخير وبعد أن يتأكد أن الوضع آمنيصفّـرمرتين وينتظر دقيقة يخرج بعدها صاحب المنزل ملتفتا يمنة ويسرة يصافح الطفل ويرجع من حيث أتى، بعدها يتجمّع الأطفال مرة أخرى ويتوجهون مباشرة إلى زاوية وراء العمارة التي التقوا أمامها أين يختفون ساعة من الزمن يخرجون بعدها يترنحون، وهو مشهد يتكرّر يوميا أمام أعين الجميع دون أن يفكر أحـد أن الأطفال الثلاثة يخفون مصيبة تجرهم نحو المجهول، مما دفعنا الفضول إلى مراقبتهم لكشف سرّهم، اتخذنا زاوية قبالة المكان الذي يجلسون فيه بعد مقابلتهم للمنحرف وبقينا ننتظر، حيث لم يطل انتظارنا إذ سرعان ما هرعوا نحو مخبئهم حيث اتخذوا من ثلاثة صخرات (حجرات) كراسي لهم ووضعوا أمامهمكرتونثم أخرج أحدهم من جيبه سيجارة وقام بإفراغها فوقالكرتونعـندها سلمه طفل آخر قطعة ورق صغيرة وضع فوقها محتوى السيجارة وجسما صغيرا جدا بنيّ اللون ثم أشعل الولاعة ومررها فوق الخليط، بعد ذلك بدأ بلف الورقة برفق وألصق أطرافها بلعابهأخذتنا الدهشة من هذا المشهد ونحن نرى أحد الأطفال يصيح على صديقه قائلا : “…دوّر السيقارو، ومكثنا في مكاننا إلى حين انتهى الأطفال من تدخين سيجارتهم وذهبواحينها رجعنا إلى الحي وسألنا أحد التجار بالقرب من هذه العمارة المتواجدة بالحي عن هويتهم فتبيّـن لنا أنهم تلامذة بإحدى ثانويات مغنيةمعلومة قادتنا إلى التساؤل عن أسباب انزلاق أطفال من الوسط التلمذي إلى عالم التدخين والمخدرات وكيف يتزودون بالمواد المخدّرة وكيف يتعاطونها بعيدا عن أعين الرقابة التربوية والأسرية.

انتشار ظاهرة ترويج المخدّرات بالقرب من المؤسسات التعليمية

     بعد عـرض المشهد السابق، انتقلنا إلى مشهد آخر يتمثل في الجلوس والتقرب من الشباب لمعرفة حقيقة ما يجري في كواليس المدارس التعليمية وفي مقدّمتها الثانويات التي تسجّل حصّة الأسد بنسبة فاقت 60 بالمائة وهي في غفلة من بعض الجهات المعنية ولا مبالاة الجهات الأخرى.

     قرب بوابة إحدى المؤسسات التعليمية لمغنية، تجمّع بعض التلاميذ، كما اعتادوا منذ مدة، جمعت بينهم أشياء أخرى غير الدراسة، إنها المخدرات وتدخينالشيرة، أي الحشيش، بين يدي أحدهم قطعة يهيئها، فيما كان زميله يعد ورقة التبغ، ويفتت بين يديه أحشاء سيجارة شقراء، بنشوة كبيرة تناوبوا على تدخينها، وكرّروا العملية لمرّات عـدّةهكذا التقينا العديد من التلاميذ وأوضحنا لهم بأننا لا نسعى لتجريمهم أو تحميلهم المسؤولية، بل نسعى لفهم الوضع ومحاولة علاجه في إطار التناصح لا غير، حيث نزلت علينا اعترافاتهم كالصاعقة، فمن التلاميذ من اعترف بتناوله أقراصا مخدّرة دون علم والديه، مما أدى به إلى الرسوب والتكرار عدة مرات، ووالده يذهب به للطبيب النفساني دون أن يتبادر لذهن أحد أنه يمكن أن يكون مدمنا على المخدرات.

     تلميذ آخر اعترف أنه يتناول المخدّرات، رغم أن والده مدرّس، تلميذ آخر صرّح بأنه كان على علم بترويج المخدّرات واتخذ كل الاحتياطات من قبل عدم مخالطة رفقاء السوء، ولكنهم دسوا له المخدّر في بعض المأكولات التي تباع أمام المدرسة بتواطؤ مع الباعة المتجوّلين الذين لا يغادرون أبواب المؤسسة طول السنة، ومن الصعب تصوّر طبيعة ما يروّج أمام المؤسسات في ظل الفوضى والازدحام واختلاط التلاميذ بالمتسكّـعين، وربما بمن سبق أن طردوا من المؤسسة نفسها، وهم ليسوا قلّة.

     تلميذ آخر صرّح لنا بأنه لاحظ أن موزعي الأقراص المخدّرة بالمجان يركزون على أطفال المدارس بين 12 و16 سنة، ويوهمونهم بأنه دواء يكسبهم الحيوية والنشاط، وهو في الواقع استدراج للإدمان وبعد ذلك للدعارة، وهناك شهادات على التحرش الجنسي بين التلاميذ يندى لها الجبين، واعتبر أحد التلاميذ أن ما يقومون به هو أخف الأضرار، مقارنة مع الباقين الذين يستعملون المخدرات القوية من زملائهم.

     آخر مشهد وقفنا عليه في انجاز هذا التحقيق هو عبارة عن حوار فردي مع أحد الأطفال دون السن 16 سنة، وهو بائع متجول للسجائر بالتقسيط، يعيش في قرية بمنطقة مغنية، لا يتعدّى سكانها سبعة ألاف نسمة، يوجد أكثر من عشرة أطفال بها يبيعون السجائر، حيث ينتظرون الفرصة للخروج من المدرسة لكي يتفرغوا لتجارتهم، وبيع السجائر بالمقاهي، حيث يجلس كل مثقفي البلدة ولا أحد نصحهم أو استنكر بيعهم هذا، بما في ذلك السلطات التي هي على علم بالقانون المانع لتشغيل الأطفال القاصرين، وعلى علم بمنع التدخين في أماكن عمومية، وعلى علم بمنع بيع الدخان بلا رخصة، وعلى علم بمنع الدعاية للسجائر…(مصطفى. م) هو الآخر لم يكن سوى أحد نماذج هؤلاء الشباب المراهقين الذي كان يخفي السيجارة وهو متربص بمركز التكوين المهني المجاور للثانوية مفدي زكرياء، أخبرنا (مصطفى) أنه يبلغ من العمر 19 سنة  ويقطن بحي المدرجات المعروف لدى عامية سكان مدينة مغنية بـالقراداتوهو من عائلة كبيرة العدد وفقيرة الحال، حيث بدأ الحديث متباهيا بأنه يشرب الخمر ويدخّـنالزطلةكلما سنحت الفرصة مع نهاية الأسبوع مع أصدقائه في الحي الذي يقطن به.

     بدأت رحلة (مصطفى) مع الإدمان في سن السادسة عشر حين أطرد من المتوسطة الذي كان يدرس بها، حيث كان حينها مدمن على السيجارة، وبعد مخالطة أصدقاء السوء تحوّل إلى مدمن لـالزطلة”…تركنا (مصطفى)، ليقابلنا أصغر تلميذ بينهم يدعى ( رضا ) يبلغ من العمر 14 سنة يظهر من هندامه أنه من عائلة ميسورة الحال، وفي قلب الحديث صرّح لنا أن والده صاحب محل تجاري كبير يبيع قطع غيار مختلف أنواع السيارات والدراجات ويقطن بحي راق وأنه يحبالزطلةلأنها تجعله رجلا و«تعمّر الرأسوبيّـن أنه ينفق معظم مصروفه لشرائها وشراء السجائر، حيث يتولى أحد رفقاء السوء توفيرها وفتلها له، حيث يتراوح ثمنطرف زطلةما بين 1000 و2000 دينار.

     المصالح الأمنية، رغم تحفظها بهذا الخصوص، إلا أنها لم تنكر حاليًا وجود الظاهرة، وتؤكّد أنها تخوض حربا ضدّ مروّجي المخدّرات، سواء الشبكات الكبرى أو تجار التقسيط، وتبقى حدود تدخلاتها في متابعة المتورّطين، وغالبا لا تدخل في التفاصيل الأخرى، حيث إن جانبها قانوني زجري في الغالب، يقول مصدر أمني، والذي يوضح عبر بعض الإحصاءات مستوى هذه المحارب، مضيفة في نفس السياق أن مصالح مختلف الأجهزة الأمنية (الدرك الوطني، حرس الحدود، الجمارك، الأمن، مصالح مكافحة المخدرات)، استطاعـت خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية فـقط تفكيك ما لا يقل عن 20 شبكة متخصّصة في تجارة وترويج المخدرات، غالبيتهم من باعة ومهربي القنب الهندي، تجلب المخدّرات من المغرب، وتقوم باقي عناصر الشبكة بتوزيعها بأماكن مختلفة لزبناء مختارين، مرورا من مغنية، عين تموشنت، وهران، سيدي بلعباسكما تعمل بعض الجمعيات بمنطقة مغنية في مجال الوقاية من المخدرات منذ أكثر من عشر سنوات متوجّـهة إلى ثلاث فئات أولاها الشباب المتمدرس بمختلف الأطوار (الابتدائيات، المتوسطات، الثانويات، الجامعات، المعاهد، مراكز التكوين المهني، دور الشباب والمراكز الثقافية…) من خلال الاتصال المباشر بهم داخل المؤسسات التربوية والقيام بأيّام تحسيسية وملتقيات وأيام علمية وتوزيع النشريات، والفئة الثانية هم الشباب غير المتمدرسين ونجدهم في الأحياء الشعبية والمهرجانات وداخل الملاعب الرياضية وعقد حلقات تكوينية للتنبيه إلى مخاطر هذه المواد وكيفية الحماية والتوقي منها عبر نشر المعلومة اللازمة فإذا لم ينقطع في القريب العاجل لسبب من الأسباب فإن بإمكانه أن يقلّـل من الاستهلاك وإلحاق الضرر بنفسه، وحسب تجربة إحدى الجمعيات بمغنية للوقاية من تعاطي المخدرات في مجالي الوقاية والعلاج والحماية القانونية للطفل من تعاطي المخدرات، فإنّ هذه الأيام التحسيسية والملتقيات العلمية عادة سنوية دأبت عليها الجمعيات في غير مناسبة تتعلق بمكافحة المخدّرات، في ظلّ الانتشار الواسع لمخدّرالزطلةفي أوساط الشباب وهو موضوع خطير جدا باعتبار أنّ الإحصائيات التقديرية تؤكد على مزيد انتشار الظاهرة وقد أثبتت التقديرات التي قامت بها الجهات المختصة وبعض الجمعيات المدنية أنّ عدد مستهلكي القنب الهندي أوالزطلةبلغ أكثر من 300 مستهلك عـبر مختلف أحياء وقرى مدينة مغنية، في حين الأرقام والإحصائيات لم تفصح سوى عـن 2 بالمائة، ويقول ناشط جمعـوي في مجال محاربة المخدرات أن التلاميذ المتعاطين هم ضحايا شبكات منظمة، تشتغل بشكل دقيق وتصطاد ضحاياها بشكل مدروس أكبر ممّا يتصور، والزبناء ـ الضحاياهم ذكور وقد يكون في بعض الأحيان إناث، ولا يتعلق الأمر بالذكور فقط، كما هو الحال بالنسبة لتدخين الشيرة، بل قد يكون عدد ضحاياهن من الإناث أكبر، ومع ذلك فمن المجازفة القول بذلك، وإن كان عدد الفتيات في هذا الخضم نسبة ضئيلة خاصة في منطقة مغنية مقارنة بالولايات الكبرى، تعتمد هذه الشبكات وفق روايات بعض التلاميذ، على البحث عن ضحية، شاب له معارف وشعبية في وسطه، تم تمكينه من بعض الكميات المخدرة مجانا، ليتعاطاها، وما أن يصبح مدمنا، حتى تبدأ المرحلة الثانية من الخطة، ليفرض عليه الالتحاق قسرا بالشبكة، ليروّج المخدّرات داخل أوساط معارفه.

شاهد أيضاً

العدوان الصهيوني على غزة : ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 70654 شهيدا و 171095 مصابا

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023, إلى 70654 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *