تعـتبر المقابر في الشريعة الإسلامية من بيوت الله التي لها هيبتها وحرمتها، ما يفرض على داخليها من المسلمين آدابا وضوابط من بينها السلام على أهل القبور والحرص على احترامها، والأسرة الجزائرية وعلى سابق عهدها تضرب موعدا كل جمعة للترحم على موتاها والدعاء لهم بالرحمة و الغفران، ومع ذلك تجد تلك المقابر وكأنها صحراء تخلو من الخدمات حيث لا توجد نظافة أوعناية بالمكان، فالمشهد يوحي للناظر بالبؤس، على العكس من المقابر التي نراها في الدول المجاورة التي تراها وكأنها حدائق حيث تملؤها الورود وهي كمروج خضراء، ولكن ما نراه في مقابرنا هو عكس ذلك تماما، ولا يعطينا حافزا بزيارة الميت في المقبرة دائما، وبدلا من الورود نرى الكلاب والقطط السائبة تصول وتجول في ظل غياب الرادع تضع أوساخها في المكان وتذهب فلا توجد رقابة ولا يوجد نظام، ونرى قبور الأموات مهملة وتملؤها القاذورات، ولا يعرف كل قبر إلى من يعود أو تاريخ ولادة الميت أو وفاته، وعـندما يتوفى شخص ما يبنى له في البداية قبرا نظيفا وبعد ذلك يترك ويهمل ويأكله الغبار…فالمقابر مكان مقدس، عندما ندخلها نشعر بالخوف والرهبة من الخالق سبحانه وتعالى لقدسية وحرمة المكان، لكننا إضافة إلى ذلك عندما ندخل بعض المقابر في منطقة مغنية نشعر بالإحباط لعدم نظافة المكان وإهماله، كذلك نشعر بالخيبة على ما وصل إليه الإنسان بالتعدي على حرمة الميت، إذ استاء العـديد من المواطنين الذين يقصدون مقبرة الحاجّة “لالة مغنية” لزيارة موتاهم، عن تذمرهم وامتعاضهم من الوضعية المزرية التي آل إليها هذا المكان المقدس بفعل الإهمال واللامبالاة من قبل الجهات المعنية التي لم تتدخل من أجل نزع الأعشاب الضارّة التي غطت القبور وحاصرتها من جميع النواحي، أو تحسيس المواطنين بذلك عن طريق المساجد أو غـير ذلك، حيث طالب سكان المنطقة من الجهات المسؤولة، التدخل العاجل لإنقاذ المقبرة من الضياع بالعمل على برمجة حملة واسعة لتطهيرها، وإعادة ترميم ما دمرته سيول الأمطار بعد أن جرفت عددا كبيرا من القبور، خاصة في الجهة الجنوبية بمحاذاة الجدار الخارجي للمقبرة، إذ ظهر تصدعات وانزلاقات خطيرة للتربة في أكبر مقبرة ببلدية مغنية معدة لاستقبال الموتى، حيث بدأت القبور تتهاوى في مقبرة (الحاجة لالة مغنية) بشكل جماعي ما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بتلك القبور جراء الأمطار المتساقطة التي عرفتها المنطقة خلال اليومين الأخيرين ويخشى ذوو الموتى من تعرض رفات أقاربهم إلى أضرار مباشرة أو تكشف القبور بفعل تلك الانزلاقات الشديدة التي اعترت المدافن في الفترة القليلة الماضية.
ويقول أحد كبار السن لـ “الـعالم للإدارة” أن مقبرة الحاجة لالة مغنية عمرها تجاوز خمسين عاماً ولاحظ تهاوي العديد من القبور منذ بضعة أشهر رغم حديثة الدفن وأبدى استغرابه من استمرارية هذه الانزلاقات والردم خاصة في الجزء الجنوبي من المقبرة، وأرجع السبب في حدوث هذه الانهيارات للقبور إلى الأمطار بالإضافة لهشاشة التربة في هذا الجزء من المقبرة، وقـد حـذّر عـدد من زائري القبور من أن استمرار تهاوي القبور على هذا النحو، مؤكدين أن عمليات ردم القبور المنهارة بالتراب مطلب وإن يكن حلاً جذرياً ناجعاً في ظل تفاقم الوضع بهذه الطريقة مطالبين السلطات المحلية التدخل وأخذ التدابير اللازمة لحماية رفات أمواتهم وأموات المسلمين في هذه المقبرة من الضرر الذي بدأت معالمه في التكشف بشكل لافت لكل زائر للمقبرة، كما حـذّر عدد من زائري القبور أيضا من أن استمرار تهاوي القبور على هذا النحو بسبب تعرضها لهجمات الكلاب الضالة التي تشاهد بمحيط المكان ليلاً، مؤكدين أن عمليات ردم القبور المنهارة بالتراب مطلب وإن يكن حلاً جذرياً ناجعاً في ظل تفاقم الوضع بهذه الطريقة مطالبين السلطات المحلية سرعة التدخل وأخذ التدابير اللازمة لحماية رفات أمواتهم وأموات المسلمين في هذه المقبرة من الضرر الذي بدأت معالمه في التكشف بشكل لافت لكل زائر للمقبرة.
أعـداد من المتسوّلين والمشعوذين
والمنحرفين يعترضون زوّار المقبرة
من جهة أخرى وعلى ما يتصل بالموضوع تتعرض مختلف المقبرة هذه الواقعة وسط أحياء شعبية عريقة، والتي تتوسط كل من حي العزوني والبريقي وحي القاضي لإنتهاك الحرمات، إذ بات هذا المكان مرتعا للمنحرفين الذين لم يراعوا حرمة المكان بعد أن حوّلوه إلى بؤرة للفساد، وقد تباينت إنتهاكات زوار المقابر لحرمتها بين التخفي بجانب الأموات لممارسة طقوس الشعوذة، أو تناول المنحرفين للمخدرات وكذا زيارة العشاق لهذا المكان بأوقات معينة بعيدا عن الأعين، لمختلف المشاهد غير الأخلاقية التي إمتزجت بين زيارة العشّاق لهذا المكان قصد أخذ راحتهم بعيدا عن أعين المارة، خاصة العاهرات، والغريب أن زوار المقابر من العشّاق لا يضعن أي إحترام للمتواجدين بل يمارسن أفعالهم المخلة بدون حرج خلف المقابر، وما إستغربنا له لدى زيارتنا لإحدى المقابر هو ظهور الشابات اللواتي قصدن المكان لزيارة الموتى بأجمل حلة ضاربات حرمة المقابر عرض الحائط، ما جعلهن يتعرضن للمغازلة من قبل الشباب المتواجدين بالمقبرة، في المقابل يستغل المتسولون في كل جمعة زوار المقابر للتصدق عليهم على الموتى فيشترطون عليهم تقديم مبالغ كبيرة للدعاء لموتاهم بالرحمة وهم يدّعون أن دعواتهم مستجابة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل باتت المقابر من الأماكن المفضلة للمشعوذين الذين إستغلوا زيارة ضعاف النفوس لهذا المكان، أو من يعانون من صدمة موت أقاربهم لإيهامهم بإيجاد حلول سحرية كفيلة بعلاجهم، وعوض الترحم على الموتى تحولت المقابر إلى أماكن يحقق بها زوارها مصالحهم الشخصية، ليصل الأمر إلى حد تنظيم مواعيد غرامية، كما تعـيق الأعداد الكبيرة من المتسولين المتواجدين أمام وداخل ساحات المقبرة حركة المواطنين بشكل كبير، حيث يشكو المواطنون من كثرة وجودهم ويطالبون الجهات المختصة بضرورة العمل على الحد من تكاثرهم خصوصا أيام العطل وآخر الأسبوع يومي الخميس والجمعة وأيام الأعياد التي تتزامن زيارة الأهالي لموتاهم والترحم عليهم، إذ مع حلول صبيحة أول أيام العيد ينطلق الكثيرون لزيارة موتاهم في المقابر، أين يصطدم الزائرون بعدد كبير من المتسولين من الأطفال أو النساء الذين يستجدون الزوار لاستدرار عطفهم وكسب القليل من النقود التي قد تصبح مبلغا كبيرا مع حلول فترة الظهيرة هذا اليوم، بعد أن أصبحت عادة التسول أمام المقابر من المظاهر المألوفة لدى مرتادي المقابر في العيد حيث تخصص الكثير من العائلات مبالغ نقدية أو الكعك أو الحلوة لتوزيعها عن روح موتاهم أمام المقبرة، وقد عـزا بعض الزوّار ارتفاع أعداد المتسولين المكررين إلى استجابة المواطنين وتعاطفهم معهم، مطالبين المواطنين مكافحة التسول للحد من هذه الظاهرة ومحاربتها من خلال عدم الاستجابة لمطالب المتسولين الأمر الذي سيحد من عمليات التسول.
وفي زيارة قادت “الـــعالم للإدارة”، تفاجأنا أن بنات حواء بتن يقصدن المكان لا للترحم على الموتى بل لتنظيم مجالس للحديث عن مشاكلهم الخاصة من خلال جلب وجبات الفطور وكذا البحث عن عروس مناسبة من زائرات المقابر، وحسب شهادة المقبلين على زيارة القبور الذين التقتهم “الــعالم للإدارة” خلال تحقيقها، أن المقبرة شهدت الإهمال وتحوّلت إلى مفارغ للنفايات بفعل تصرفات زوارها غير الأخلاقية سواء برمي فضلات الوجبات التي يجلبونها معهم، ليصل الأمر إلى حد قضاء البعض لحاجتهم أمام مقابر الموتى ما كان سببا في إنتشار الروائح الكريهة، ناهيك عن رمي الزائرين للمقبرة لأكياس النفايات، وما زاد الطين بلة إنتشار كبير لقارورات الخمر وبقايا سجائر المنحرفين في بعض الأكوان منها، كما وقفنا خلال تحقيقنا هذا على الإهمال المطلق لمقابر الفقراء بينما تلقى مقابر الأغنياء عناية كبيرة من قبل عمالها بعد تقاضيهم مبالغ من أقارب الموتى، حيث بات بناؤها بالرخام موضة جديدة لحفظها من الزوال ليمتد الأمر إلى حد تزيينها بالأحجار الطبيعية خاصة مع غلاء ثمنها الذي يتراوح بين مليونين وخمسة ملايين سنتيم فلم يسلم حتى الأموات من التمييز وبات التباهي بالقبور من العادات اللصيقة بالأثرياء والتي جعلت الفوارق الطبقية من الظواهر الغريبة التي لم يسلم منها حتى من فارقوا الحياة، والغريب أن الوساطة غزت المقابر، حيث لم يعد الفقراء بإمكانهم الحصول على مساحة شاغرة لدفن ذويهم ببعض المقابر، إذ تعـرف منطقة مغنية، في المدة الأخيرة، أزمة حادّة فيما يخص دفن الموتى بسبب نقص الوعاء العقاري، حيث أصبح إيجاد شبر من الأرض لدفن عزيز أو قريب عملية في غاية الصعوبة، حيث يضطر العديد من أهالي الموتى إلى حفر قبور موتاهم بين الممرات المخصّصة لدخول المقبرة، ما يعرقل عملية السير داخل المقابر، وهو الأمر الذي دفع بالسلطات المحلية إلى البحث عن حلول آنية تمثلت في تخصيص وتهيئة أرضية لمقبرة جديدة بطريق حمام الشيقر لاحتواء الأزمة، ولكن سوء الأرضية وطبيعتها الحجرية عرقلا عملية الحفر والدفن ما جعل أهالي الموتى يضطرون للبحث عن مساحات شاغرة بين القبور في المقبرة لدفن موتاهم، ما دفع بهم لمناشدة السلطات المحلية التفكير بجدية لإيجاد حل لأزمة المقابر بالمدينة، عن طريق إعادة تهيئة أرضية جديدة وتخصيصها كمقبرة لاستحضار حرمة الأموات.
“محمد” بيّـن لـ “الـعالم للإدارة” أن المواطن عندما يقوم بدفن شخص ميت له، يأتي إلى المقبرة ويدفع ما عليه من أجور الحفر والدفن، ومن ثم يذهب ولا يأتي بعد ذلك، فتبقى المقابر بيد العمال وحراس المقابر الذين لا يهتمون بها ولا يكترثون لما يحصل لها لكونها لا تعنيهم ولعدم وجود الرقيب الرادع لهم، ويرى “محمد” أن عمال وحراس المقابر هم المسؤولين عن عدم نظافة المكان وإهماله وسرقة ما يحويه قبر الميت، من جهتها الحاجّة “ربيعة” أوضحت أن مسألة دفن الميت هي مسألة دينية بحتة، حيث المواطن يتعلم كيفية دفن واحترام الميت من رجال الدين، والمواطن هنا بطبعه يسمع من رجل الدين أكثر من استماعه إلى أي مسؤول في الدولة، وبرأيي لوكل رجل دين مسلم أو مسيحي أو من أية طائفة أخرى يثقفون المواطن ويقومون بتوعيته وإرشاده إلى النظافة وعدم التعدي على حرمة الميت لأصبح الحال أحسن، فرجال الدين مسؤولون عن إهمال المقابر، في نفس السياق “سعاد” (ربة بيت) ترى أن : المسؤولية تقع على الدولة لعدم وجود الرقابة والنظام، وفي نفس الوقت تقع على المواطن لعدم ثقافته ووعـيه، حيث يرمي الأوساخ ويهمل بناء الميت الخاص به، فالدولة والمواطنون هم المسؤولون عن إهمال المقابر، مضيفة أنه يجب على الدولة أن تقدم برامج توعية وتثقيفية للمواطن، تؤكد على عدم رمي الأوساخ، ووضع غرامة على كل شخص ومعاقبته إذا تجاوز على قدسية القبر أو يقوم برمي النفايات في المقابر، مضيفة بأنه يجب عدم السماح بوجود الحيوانات داخل المقابر، مما تسببه من أمراض عند الزيارة موضحة أن منظر مقبرة غير نظيفة تكون عدد الزيارات لها قليلة جدا، وأيضا أن عدم توفير الأمان اللازم لزيارة المقابر تؤدي إلى حصر الزيارات في الأعـياد والمناسبات فقط، من جهته أوضح “حسام” (سائق تاكسي) الذي كان واقفا على قبر والد يدعو له، أن المواطن أثناء زيارته لقبر احد الأقرباء، وعـندما يجد بعض النفايات على ذلك القبر يقوم برفعها ووضعها على أحد القبور القريبة، فلو كان هناك مكان مخصص لرمي النفايات لما فعل ذلك وهنا المسؤولية تقع على إدارة المقبرة وكذلك المواطن الذي يقوم بذلك التصرف، مضيفا انه على الدولة أن تقوم بتعيين عمال لتنظيف المكان والاهتمام والعناية به، مبينا بان المقابر في منطقة مغنية أو غيرها تختلف عن بقية الدول، ففي الدول الأخرى مثل تركيا ترى مقابرهم نظيفة تملؤها الورود والأشجار والعناية بالمكان واضحة للزائر بحيث يوحي لك المشهد بأنك وسط إحدى المتنزهات، وذلك لأن الدولة تولي العناية اللازمة لتلك الأماكن، فالمنطقة عـندما تكون شوارعها وأماكنها نظيفة، سينعكس الأمر على بقية المرافق ومن ضمنها المقابر كما يقول حسام.
وفي ختام تحقيقنا هذا أكـد أحد أئمة مساجد مدينة مغنية لـ “الــعالم للإدارة” على ضرورة الحد من هذه التصرفات والتجاوزات الشنيعة في حق الموتى مشيرا إلى أن للميت حرمة كحرمته وهو حي، مضيفا أن المقابر يجب زيارتها ودخولها بتواضع واحترام الموتى، وهي للعظة والاعتبار وتذكر الموت والدعاء للأموات بالمغفرة والرحمة، وليست للاستغاثة بالأموات والتبرك بهم وطلب الشفاعة منهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أصحابه رضي الله عنهم، لقوله صلى الله عليه وسلم : “زوروا القبور فإنها تذكّـركم الآخرة”، والقيام بالدعاء لهم، هذا ما رواه سليمان بن بريدة عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية)، ولفظ آخر: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين)، داعـيا إلى ضرورة احترام هذه الأماكن التي تبقى من مقدسات المسلمين فحرمتها كحرمة المساجد، ولذلك يجب رعايتها وتنظيفها، احترام أهل القبور ومعاقبة الذين يقومون بسلوكات غير لائقة.
وأمام هذه الوضعية المزرية التي آلت إليه مقابر الطبقة الكادحة في مجتمعنا، بات الأمر يستلزم تدخل السلطات المعـنية من أجل إعادة الاعتبار للموتى واحترام قدسية هذه الأماكن المقدسة التي تسوجـب منا منحها حقها من الاهتمام والرعاية، بعيدا عن كل الفوارق الاجتماعية بين الموتى، لأنها وإن تعددت الفوارق في الحياة الدنيا، وتميز الغني فيها عن الفقير، يبقى المصير واحدا، والتراب لا هروب منه، فكل ابن آدم من تراب وإليه الرجوع، ولن نجد من مفر لنا، وتبقى أفعال المرء وحدها من توسع رقعة قبره وتجعلها روضة من رياض الجنة، أو تضيق به إلى أن تتداخل ضلوعه. ك.م
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة