ليلة “السابع والعشرين” أو ليلة “القدر” هي ليلة مميزة لدى جميع المسلمين، هي ليلة فضلها الله سبحانه وتعالى على كل الليالي فيها العبادة خير من عبادة ألف شهر حيث قال سبحانه وتعالى في سورة القدر: “إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر”، وأجواء ليلة القدر بتلمسان وضواحيها تتسم بنوع من التميز عن باقي الشعوب حيث تمتزج الأجواء الروحية بالعادات والتقاليد والطقوس المتوارثة أبا عن جدّ : كزيارة الأهل والأقارب وزيارة القبور إضافة إلى تميز هذه المناسبة بتزيين الأطفال والاحتفال بمناسبة صيامهم الأول كتشجيع لهم على الصيام إضافة إلى تحضير مجموعة من الأكلات والأصناف تختلف من منطقة إلى أخرى.
ومع حلول هذه الليلة المباركة التي ينتظرها الجميع بشوق كبير، والتي يبدأ الاستعدادات لها ابتداء من اليوم العـشرين من شهر رمضان العظيم، حيث تنتعش تجارة موسمية خاصة بيع البخور والشموع فضلا عن أنواع كثيرة من الحناء والسواك التي تستعمل للزينة في تلك الليلة التي تعد آخر احتفال روحي متميز قبل عيد الفطر، كما تقبل الأسر التلمسانية على شراء ألبسة تقليدية جديدة وأنواع جيدة من البخور تليق بهذه الليلة المقدسة التي تعتبر من خير الليالي عند الله سبحانه وتعالى التي تعد العبادة فيها خير من ألف شهر، فضلا عن ذلك يحافظ التلمسانيون على إقامة طقوس روحية واجتماعـية متنوعة منها مرافقة أبنائهم إلى المساجد مرتدين اللباس التقليدي بهدف تشجيعهم على الصلاة والعبادة، كما تتميز ليلة القدر أو ليلة السابع والعشرين من رمضان في تلمسان وضواحيها على غرار باقي ليالي الشهر الكريم، بنكهة ورائحة خاصتين لما تحتله من مكانة وأهمية بالغة في قلوب الجزائريين عامة وتلمسان خاصة، فهي ليلة، بالدرجة الأولى، للتسابق إلى المساجـد من أجل العبادة والاستغفار وكذلك موعد للإكثار من الدعاء، وإلى جانب هذا، فهي موعد لتواصل الأرحام وتلاقي الأسر في مناسبات قلما تتكرر على مائدة الشاي والحلويات والسمر والحديث الحلو الذي تزينه البوقالات، فلا يكاد يخلو بيت تلمساني من مظاهر الاحتفال بالليلة المباركة، من خلال صنع أجواء كلٌّ حسب إمكاناته، غير أنها تشترك في أنها أجواء مغمورة بالفرحة والبهجة بالليلة التي يهبط فيها الملك بإذن ربه، وما يُعرف عـن العائلات التلمسانية قوة إيمانهم وحـبّهم الجم لبيوت الرحمان، فلطالما كانت المساجد وطيلة شهور السنة ممتلئة عن آخرها بجموع المصلين، ولكن ليلة القدر تصنع لنفسها الاستثناء، حيث يهرع المصلون جماعات جماعات لتأدية صلاة التراويح، التي تكون في أيامها الأواخر من أجل ختم كتاب الله مع الإمام وكذلك التذرع إلى الله بخالص الدعاء، وعادة ما تقام في المساجد بعد الفراغ من صلاة التراويح في الليلة المباركة…احتفالات دينية توزَّع خلالها الجوائز على المشاركين في مسابقات حفظ وترتيل القرآن الكريم التي أقيمت في شهر الصيام، والتي غالبا ما تمتد إلى ساعات متقدمة من اليوم الموالي، يصدح الرجال فيها بين الفينة والأخرى بأروع الأناشيد التي تغنت بفضائل ليلة القدر وخير الأنام محمد بن عـبد الله، كما تعرف المساجد في هذه الليلة المباركة اكتظاظا لا نظير له حيث تقام مراسم صلاة التراويح لتليها صلاة ختم القرآن وبين الفينة والأخرى تخصص فقرات للأذكار والوعظ والإرشاد يستغلها الناس للإتيان بما لذّ وطاب من المأكولات من كسكس وشاي وفواكه جافة وفطائر لمن يلزمون حصن المسجد، وفي هذا الإطار تقول رقية ربة بيت من منطقة جبالة بتلمسان : “في هاته الليلة يجتمع الرجال من أجل الذهاب إلى المسجد حيث يظلون إلى الصباح أما النساء فينهمكن في إعداد المأكولات وهي غالبا عـبارة عن طاجين يقوم الرجال بحمله إلى المسجد أما ما هو متميز بمنطقتي فهو غياب أي نوع من أنواع الإحتفال بالنسبة للنساء والفتيات”، وكذلك الحاجة الزهور المعروفة بـ “الفقيرة” وهي تقطن بحي المطمر بمدينة مغنية فقد قالت : “هاته الليلة هي ليلة عبادة حيث على الإنسان قصد المسجد من أجل الصلاة حيث أن شهر رمضان هو شهر عبادة بالخصوص ولا شيء سوى العبادة وخاصة في مثل هاته الليلة العظيمة، أما فيما يخص الأطفال فيجب تشجيعهم هم كذلك على الصلاة عن طريق مرافقتهم هم كذلك إلى المسجد”.
ليلة السابع والعشرين
فرصة لتصويم الصغار…وحفلات الختان الجماعي
من جهة أخرى، تُعتبر ليلة القدر بالنسبة للعائلات التلمسانية فرصة لا تعوَّض لتعويد أطفالهم على الصيام لأول مرة، حيث تقام للصغار احتفالات خاصة بهدف تشجيعهم على أداء شعائر الصيام وتحبيبا لهم في الشهر الكريم، إذ يحظون بالتمييز من أجل دفعهم أكثر للمواظبة على أداء ثالث أركان الإسلام، حيث تقوم الأمهات بإلباس بناتهن أفضل ما يملكن من ألبسة، ليجلسن كملكات على طاولة الكبار، وهو الأمر ذاته بالنسبة للذكور…كل هذا يقام وسط احتفال بهيج بصيامهم، فكل منطقة من مناطق ولاية تلمسان تنفرد بعاداتها وتقاليدها عن المنطقة الأخرى في نمط الاحتفال، مع اشتراكها في أنها تحـيا وسط جوّ أسري يغلب عليه مناخ من الفرحة والبهجة، افتخارا بأوّل صيام لوليدها، فالتتويج بالإفطار مع الأسرة وعلى مائدة الكبار بمثابة مكافأة للصغار على صبرهم طيلة يوم شاق، وبخصوص أجواء الإفطار عـند هؤلاء الأطفال كذلك مميزات خاصة إلا أنها تختلف من منطقة إلى أخرى فهناك أسر تحرص على أن يكون أول ما يتذوقه الطفل في هذا اليوم هو سبع تمرات وكوبا من الحليب البارد فيما أسر أخرى تحرص على أن يكون أول الفطور بيضة مسلوقة.
وليس بالبعيد أيضا عن جوّ الاحتفال في هذه الليلة التي تستغلها معظم الأسر التلمسانية على اعـتبار أنها ليلة مباركة من أجل ختان أبنائها، إذ شاع في تلمسان في السنوات الأخيرة ختان الأطفال في هذا اليوم، لأنها الفرصة التي تجنب الآباء ذوي الدخل المحدود عناء مصاريف كثيرة، لذا تراهم يقومون بختان أبنائهم ضمن احتفالات جماعية يقوم بإحيائها ذوو البر والإحسان، فضمن جوّ أسري مفعم بمشاعر الأخوة تتكفل العديد من الجمعيات الخيرية وعبر كامل التراب الولاية على غرار مكتب الهلال الأحمر الجزائري بالتنسيق مع المصالح الاستشفائية بإقامة حفلات ختان جماعي للصغار وسط أهازيج الزرنة وزغاريد العائلات التي لم يسعفها مالها ولم تمكنها قدرتها الشرائية من الاحتفال بولدها، غـير أن التكافل الاجتماعي داخل المجتمع الواحد لم يمنع الصغار وأهليهم من فرحة الاحتفال بــ “الطهارة”، حيث توزَّع عليهم الهدايا على شكل لعب ومبالغ مالية معتبرة تزيد من بهجة وسعادة الجميع، الصغار منهم والكبار، وعادة ما تقوم النسوة أيضا بوضع الحناء في أيدي الصغار فرحا خاصة بالنسبة للمولود الجديد الذي لم يسبق أن مرّ عليه رمضان من قبل، ومن العادات الجديدة أيضا التي دخلت البيوت العائلات التلمسانية واحتضنتها معظم العائلات بكل محبة في شهر رمضان المعظم، دعوة أهل الفتاة لخطيبها وأهله في هذا اليوم من ليلة القدر للإفطار معا، وهي الفرصة التي لا يمكن تفويتها من قبل العائلتين بهدف التعرف أكثر والتقريب بينهما قبل الزواج، ويقدم الرجل خلال هذا اللقاء لخطيبته هدية تُعرف باسم “المهيبة”، وعادة ما تكون خاتما أو إسوارة من الذهب، أو قطعة قماش رفيع كما يمكن لها أن تكون لباسا تضيفه الخطيبة إلى جهازها، كما تبدأ النسوة تحديدا في ليلة السابع والعشرين بتحضير أشهى حلويات العيد بعد أن فرغن من اقتناء ملابس عيد الفطر المبارك لأطفالهن.
فهذه هي أجواء العيد المبارك الذي يسبق عيد الفطر في تلمسان، فإضافة عـلى كونها ليلة قيام وتلاوة وذكر وتضرع فهي مناسبة لإحياء عادات طالما ارتبطت بمجتمعنا، ويوما بعد يوم تكاد شمعة هذه الأخيرة تنطفئ لولا أنه من حين إلى حين تأتي مناسبة كليلة القدر لتبعث الروح فيها من جديد.
طقس آخر ارتبط بليلة القدر لا يمكن إغفاله مع كل مناسبة، هو “الوزيعة” أو “القرعة” التي دأبت كل بعض القرى والدواوير للجهة الجنوبية لدوائر تلمسان على تنظيمه منذ القدم في إطار فلسفة من التضامن والتكافل بين كوانين الدوار الواحد، إنها عملية تضامنية تتوخى تعزيز الروابط الاجتماعية بين أهل الجماعة من السكان وبذل ما في الجهد من أجل الحفاظ عليها، حيث تختلف طقوسها من دوار لآخر و إن اجتمعت في طريقة تنظيمها ما بين توزيع ثمن الذبيحة بين أهل الدوار وما بين أريحية محسنيه، الحكاية تبدأ منذ صباح السادس والعشرين من رمضان من كل سنة، الكل مستعد للتعاون والانخراط في عملية الذبح والسلخ والتوزيع، الأجواء الاحتفالية تبرز من خلال جوّ التضامن الذي يطبع السكان خلالها والفرحة في أوساط الأطفال الذين في الغالب ما يتابعون كل تفاصيلها، وانفرد أهالي منطقة غرب تلمسان بأكلة تسمى “الكليلة”، وهي عـبارة عن لبن مجفف يستعمل بدوره في تحضير مأكولات أخرى من أشهرها أكلة “المردود” التي تشبه إلى حدّ كبير ما يعرف في مناطق أخرى من المغرب بـ “بركوكش”، وهو أحد أنواع الكسكسي أيضا، إلا أن حباته تكون أخشن من حبات الكسكسي العادي…طقوس موغلة في القدم ستتبعها أخرى في صلاة صبح أوّل أيام العيد وقبل صلاته (صلاة العيد)…إنه طبق الكسكس باللحم والخضر، فلا تنسوه، والذي يعوّض حلويات العيد في أيامه الأولى، ومن أهم عادات ليلة القدر لدى العائلات التلمسانية، زيارة المقابر والترحم على الأموات، في صبيحة اليوم السادس والعشرين، حيث تستيقظ الأسر للسحور، بعد صلاة الفجر تبدأ تلاوة القرآن إما بالمساجد أو بالمنازل، وبعدها يتجه أفراد الأسرة إلى المقابر لزيارة أهلهم وذويهم الترحم عليهم محملين بالتمر والتين الجاف للتصدق وقراءة القرآن، تقول “مريم جبابرة” وهي شابة في مقتبل العمر من منطقة ندرومة العريقة، نحرص كل سنة في ليلة السابع والعشرين على زيارة قبر جدّي والترحم عليه، فمنذ وفاته من نحو سبع سنين ونحن حريصون على زيارته وخصوصا في هذا الشهر الفضيل، والتصدق، كما نشهد امتلاء المقابر بالزوار في هذا اليوم، فقد أصبحت زيارة الموتى من أهم عاداتنا وتقاليدنا خلال هذا الشهر الفضيل، في نفس السياق تعيش زاوية الشيخ سيدي بن أعمر ببلدية عين الكبيرة منذ دخول العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل أجواء روحانية، حيث تحرص كل سنة على إحياء ليلة القدر المباركة على غرار باقي ولايات الوطن، وتخلل المناسبة إحتفالات دينية وتكريمات لحفظة القرآن العظيم والسنة المطهرة بحضور السلطات المحلية أين تم تكريم سهرة اليوم بعد صلاة الترويح العشرات من حفظة كتاب الله تعالى بجوائز قيّمة تشجيعا لهم وللفتيات المقبلين على حفظ الكتاب الحكيم، وكان حفظة الحديث الشريف بدورهم ضمن المدعـويين لتكريمهم بجوائز قيمة خلال الحفل الذي سيكرم من خلاله كذلك جمع من الأئمة والمقرئين تقديرا لجهودهم الجبّارة لهم خلال الشهر الفضيل الذي سهروا على إمامة الناس بالإضافة لتحفيظ القرآن الكريم للنشء من الأطفال والفتيات والفتيان.
وتجدر الإشارة إلى الإحتفال الرسمي الذي ستحتضنه الزاوية سيتواصل إلى غاية فجر اليوم دون انقطاع سيتم من خلالها الإستماع إلى تلاوة القرآن الكريم على لسان عدد من المشايخة، الخطب والأحاديث الدينية التي دعا عـن طريقها الخطباء جمع المصلين إلى التمسك بدين الله ودور العبادة ومساجد الله في غرس مبادئ الدين الكريم والتمسك بمفاضل الأخلاق على غرار حثهم على التسامح فيما بينهم ونبذ الخلافات والدعوة إلى إصلاح شؤون البلاد والعباد هذا ناهيك عن الأناشيد الدينية التي ستزين الاحتفال، كما ستكون الفرصة سانحة لإخراج زكاة الفطر وتوزيعها على العائلات الفقيرة والمعوزة.
ك.م
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة