وجهتنا هذه المرّة كانت إلى غرب عاصمة الولاية تلمسان، حيث شدّدنا الرحال لقرية تحمل اسم إحدى رموز شجرة تدعى “البطمة”، إنها قرية البطيم أو ما تعرف بالعامية لدى قاطنيها بـ “تيريبان” التابعة إداريا لبلدية مغنية والبعيدة عنها بنحو 7 كلم غربا، لنقف على ما حمله قطار التنمية لهذه القرية الحدودية التي ورغم طابعها الفلاحي الرعوي وبكثافتها السكانية التي تقدّر بحوالي 12 ألف نسمة، إلاّ أنها وفي ظل القفزة النوعـية التي عرفتها بلدية مغنية مؤخرا تعمل جاهدة في أن تجد لها مكانا بين القرى الثمانية.
وبمجرّد وصولنا والكشف عن هويتنا حتى بدا العديد من المواطنين الذين التقتهم “العالم للإدارة” في طرح العديد من النقائص التي تنغص عنهم حياتهم وتؤرّق يومياتهم بدء بتأهيل شبكة توزيع المياه، حيث لاتزال هذه الشبكة تثير قلق المواطنين، بحكم الأنابيب المعدنية قديما جدا وتآكلت بفعل الزمن والصدأ، كما أصبحت التسربات تظهر بشكل مستمر وملفت للانتباه، كما أن عملية اقتناء الماء من الشبكة تبقى شاقة ومكلفة، إذ يتطلب امتصاص الماء عن طريق مضخة، إلى جانب هذا يبقى مشكل العدادات قائما مما خلق استياء لدى السكان بسبب الفواتر التي تقدّم لهم دون عدادات.
مشكل آخر يبقى عالقا لدى سكان القرية وهو الانسداد على مستوى شبكات التطهير، خاصة مع حلول كل موسم شتاء، حيث تنتشر الروائح الكريهة ناهيك عن انتشار الحشرات الضارة تزامنا وموسم الصيف، فضلا عن مشكل البالوعات التي لاجدوى منها منذ تجسيدها بالقرية، إذ تتحوّل هذه الأخيرة عند تهاطل الأمطار إلى برك وأوحال ومستنقعات يصعب على المارّة الولوج بطرقات القرية، وهو نفس المشكل طرحه سكان دوار أولاد معيذر التابع للقرية والذي يبعد عنها بحوالي 5 كـلم، من تأخر تجسيد مشروع انجاز قنوات الصرف الصحي وربط المساكن بشبكات التطهير بالرغم من الشكاوى الكثيرة التي تهاطلت على مكتب الجهة الوصية قصد التدخل لإنهاء المعاناة التي دامت لسنوات حسب تعبير هؤلاء السكان المتضررين، وذكر رئيس الجمعية أن أغلبهم يعتمدون على الحفر التقليدية المتمثلة في المطامير للتخلص من فضلاتهم مما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة، وامتلاء الحفر بالقذارة التي غمرت الطرقات ، حيث أثّـرت على حركة السير، من جهة وتهدّد سلامة الأطفال الذين يقومون باللعب بجوارها غير عابئين بالأخطار التي تحدق بهم، هذا وقد علمنا من مصدر ببلدية مغنية أن إنشغالات السكان قد تسلمها والي ولاية تلمسان في رسالة موقعة من طرف السكان ورئيس الجمعية، كما يشتكي سكان قرية البطيم، من غـياب التهيئة الحضرية، خاصة على مستوى الأرصفة والطرقات، إذ استغل المواطنون الفرصة لطرح المزيد من الانشغالات كافتقار العديد من أحياء وشوارع القرية للتهيئة الحضرية، حيث يأمل العديد من السكان من السلطات المعنية بضرورة التدخل العاجل لانتشالهم من حياة الغبن ودائرة العزلة التي باتت عنوانا لمعاناتهم والتي تتقدمها انعدام التهيئة الحضرية بالأحياء للتراكم مشاكلهم اليومية مع طرقات بعض الأحياء التي قال عنها المواطنين بأنها قد تصلح لكل شيء إلا للسير حتى على الأقدام فما بالك بالمركبات نتيجة الحفر المنتشرة هنا وهناك لتصبح صيفا مصدرا للغبار والأتربة وشتاء إلى برك مائية وأوحال يصعب تخطيها وبدرجة أكثر المتمدرسين من تلامذة المدارس، إضافة إلى هذا يناشد العديد من سكان القرية المسؤولين المحليين لبلدية مغنية التدخل العاجل قصد وضع حـدّّ لمعاناتهم وذلك بإعادة تأهيل الإنارة العمومية بالعديد من أحياء وشوارع القرية، وكذا رفع القمامة التي بات انتشارها كابوس يؤرق السكان، حيث عبّر المواطنون عن تذمّرهم من الظروف الصعبة التي يعيشونها جراء غياب الإنارة الأمر الذي صعب من حركة المواطنين، ممّا جعلهم يلتزمون بيوتهم ويغلقون نوافذهم مع حلول الظلام، وعدم الخروج خوفا من الاعـتداءات ناهيك عن انتشار القمامة والأوساخ في كلّ مكان من أرجاء هذه القرية بسبب الرمي العشوائي والتفريغ للسكان وانعدام حاويات لتجميع القمامة، ممّا أدى إلى انبعاث الروائح الكريهة من كل مكان وفي كل الاتجاهات، إضافة إلى توافد عدد كبير من الكلاب الضالة والقطط المتشرّدة وظهور الجرذان ممّا يشكّـل خطرا على سلامة القاطنين وبخاصة الأطفال، كما أصبح فضاء مساحاتها مكانا مفضّلا لظهور الحشرات وانتشار مذهل للناموس، هذا ما يشكل خطرا كبيرا على الأطفال الذين يلعبون بدافع الفضول ويعرضون سلامتهم لخطر الأوساخ والحيوانات الضالة والزواحف، خاصة وأن السكان وجّهوا عدة شكاوى إلى المسؤولين بالبلدية يطالبونهم من خلالها بضرورة التدخل العاجل وأخذ انشغالاتهم بعين الاعتبار خاصة بعد إصابة أبنائهم بأمراض عديدة مزمنة كالحساسية والربو وغـيرها من أمراض الصدر، كما أبدى عـدد من أهالي القرية، تذمرهم من نقص الخدمات الصحية وأوضح المواطنون في تصريحاتهم لــ “العالم للإدارة”، أنه يوجد بالقرية قاعة علاج واحدة لا تتوفر فيها الخدمة الطبية المناسبة، حيث لا يوجد بها سوى طبيب وممرض يداومان يومين فقط خلال الأسبوع، وتفتقر للعتاد الطبي والأدوية اللازمة والكافية وسيارة إسعاف لنقل المرضى لمستشفى ” شعبان حمدون بمغنية الذي يبعد عنها بأكثر من 8 كـلم.
ومن جملة المطالب المرفوعة أيضا إلى السلطات الولائية، غاز المدينة ذلك المشروع الحلم الذي تتطلع إليه مداشر قرية البطيم على غرار دوار التلالسة، أولاد معيدر، القناندة، أولاد قدّور المعروفين لدى القرية بالكبار والصغار منذ مدة، ورغم وعـود مسؤولين بتجسيد المشروع إلا أن الأمر بقي حبرا على ورق ومجرد وعود زائفة، حيث يشتكي السكان من معاناتهم إزاء غـياب هذه المادة الضرورية بمنازلهم رغم أن الأنبوب الرئيسي للغاز يمر بمحاذاة هذه المداشر، إلا أنهم مهمّشين ولا يزالون يلهثون وراء توفير قارورات غاز البوتان خاصة في فصل الشتاء، إذ يكـثر الطلب عليها لبرودة الطقس، فضلا عن أسعارها الباهظة التي تتراوح بين 250 و400 دج للقارورة الواحدة ما أثقل كاهلهم وأفرغ جيوبهم، لتبقى عشرات العائلات القاطنة بدواوير هذه القرية الحدودية تعيش على الاحتطاب أو الجري المضني خلف قارورة الغاز الطبيعي في انتظار غـد أدفأ.
تلاميذ مداشر ودواوير القرية
يزاولون دراستهم في ظروف صعبة
كما يعاني تلاميذ مداشر هذه القرية الحدودية من نقص كـبير في النقل المدرسي، ما زاد من صعوبة الالتحاق بمدارسهم، فعلى الرغم من توفر كرسانات الخاصة بالنقل الجماعي والتي خصّصت لنقل التلاميذ لنقل التلاميذ على مستوى البلدية، إلا أن معظم أصحابها توقف في الآونة الأخيرة لعدم تسديد مستحقاتهم من طرف المصالح البلدية التي أبرمت معهم الاتفاقية مع بداية الموسم الدراسي، هذا المشكل سبب أزمة في النقل المدرسي، مما أجبر على البقية يوميا النهوض باكرا من أجل الالتحاق بمدارسهم في الوقت المحدّد، وفي الكثير من الأحيان يلجأ الأولياء إلى كراء سيارات كلونديستا لنقل أبنائهم، والتي لاتقل عن 400 دينار، وهي تكاليف هم في غـنى عـنها، بسبب الظروف المالية المتدهورة للسكان، وعلى ما يتصل بالموضوع يبقى قطاع التربية يعاني الاكتظاظ على مستوى المدرستين الابتدائيتين والمتوسطة، التي يفوق عدد تلاميذتها في القسم الواحد 45 تلميذ، حيث طالب أولياء تلاميذ القرية بانجاز مشاريع أخرى لتخفيف الضغط عن المتوسطة والمدرستين مع إدراج أقسام التحضيرية حتى يستفيد منها أبناؤهم على غرار المدارس الابتدائية الأخرى ببلدية مغنية، كما أبدى العشرات من سكان قرية البطيم، خاصة الشيوخ الكبار استنكارهم وامتعاضهم الشديد إزاء غياب مركز بريد بذات قرية التي تعتبر أكبر تجمع سكاني، حيث أن هذا الأخير يعدّ ـ حسبهم ـ من أبسط ضروريات الحياة التي يتطلب على السلطات المعنية توفيرها لمواطني القرية، وحسب السكان الذين تحدّثوا لـ “العالم للإدارة”، فإن معاناتهم قد طالت لسنوات عدّة وتأزمت أكثر نتيجة لارتفاع الكثافة السكانية بالمنطقة لغياب المركز البريدي بالمنطقة، مما يضطر السكان إلى التنقل إلى البلديات المجاورة من أجل الكشف عن رصيدهم أو سحب أموالهم من خلال قطع عدة مسافة 7 أو 8 كـلم، وحسب السكان المتضررين فإن هذا المشكل بات هاجسا كبيرا خاصة بالنسبة لكبار السن الذين يضطرون في كل مرة عندما يحين موعد دفع رواتب المتقاعدين التنقل إلى البلديات المجاورة، مشيرين في الإطار ذاته إلى أن هذا المشكل يمكن له أن لا يكون، وذلك أنه منذ مدة تم تخصيص قطعة أرضية لتجسيد المشروع، هذا ويناشد سكان البطيم دعوتهم للسلطات المختصة بضرورة تجسيد المشروع وفي أقرب الآجال، على غرار ذلك انجاز مجمّع إداري يضم مختلف المرافق الإدارية، كملحقة لسونلغاز والجزائرية للمياه لتسديد الفواتر.
سكان القرية بين زحمة لقمة العيش…واعتداءات الأفارقة
رغم المجهودات المبذولة من طرف مختلف الهيئات الأمنية للقضاء على الهجرة السرية، إلا أنها لازالت ترسم بصماتها اللامتناهية بدائرة مغنية، التي تُعد ممرا أساسيا لمختلف الجنسيات التي تقصدها للاستقرار بها والعبور منها للالتحاق بالبلدان الأوربية المجاورة، فالمتجول بشوارع هذه القرية الفلاحية الواقعة على الشريط الحدودي من المملكة المغربية يلاحظ الغزو المتدفق للمهاجرين الأفارقة من كل الجنسيات، فلم يعد يقتصر الأمر على مكان أو آخر، بل أصبح المرء يجدهم في كل مكان وكأنهم أصبحوا أهل الدار مما جعل المواطنين يتوخون الحذر منهم، خاصة أن الأغلبية يحملون فيروسات مرضية، بإمكانها أن تنتقل وتُسبب العدوى، وأمام وجود فراغ قانوني سمح للموقوفين الذين يتم ترحيلهم إلى ديارهم يعاودون الكرة عدة مرات، وهذا بشهادتهم، فالأفارقة المغامرون لم ييأسوا من تكرار محاولاتهم في التنقل من منطقة إلى أخرى للوصول إلى الأماكن الحدودية بهذه المنطقة، من أجل الهجرة…ويذكر أحد العارفين بالمنطقة التي يجتمع فيها الأفارقة بمغنية، أن قرية البطيم بمغنية تحوّلت إلى مكتب شبه رسمي على الهواء لتشغيل الأفارقة، حيث يجتمع أمامها يوميا ومنذ الساعة الأولى من الفجر العشرات من الأفارقة ومن مختلف الجنسيات على جانب طريق محاذ لمدخل هذه القرية الفلاحية، للظفر بفرص العمل التي تضمن لهم قوت يومهم مقابل أجر زهيد، وبهذه المنطقة الفلاحية، نصب هؤلاء الأفارقة على ضفاف وديانها خيما من البلاستيك ليتمركزوا فيها.
ساعـتان ونصف كانتا كافية من وقتهم لمعرفة تفاصيل مجيئهم إلى هذا المكان، ومشاريعهم وأحلامهم وآمالهم المستقبلية، ومعاناتهم ومأساتهم، حيث لم يجدوا من سبيل إلا في تحدّ الصعاب ومشاق السفر الذي صدق من اعتبره قطعة من العذاب وتذليل العقبات التي لا يقدر على تحمل مشاقها إلا من عرّكته المحن وصهرته في قالب من صبر لا ينفذ في سبيل النجاة من الجحيم والتطلع لحياة ومفاجآت غير سارة أكثر من أن تحصى أثناء الطريق، إذ أصبحت سوق اليد العاملة السوداء مصدر ربح المقاولين والبنائين والعاملين والفلاحين و…الخ، إذ وجدوا في هؤلاء الأفـارقـة المهاجرين غير الشرعيين مصدرا يدر عليهم أرباحا طائلة، دون الاضطرار إلى دفع المبالغ المالية التي كانوا يدفعونها للجزائريين العاملين عندهم، إذ يقومون باستغلال هؤلاء الأفارقة اعتمادا على عضلاتهم المفتولة وقبولهم للعمل في كل الظروف مهما كانت خطيرة أولا ترعى أدنى شروط الأمن والوقاية، إذ يكلفونهم بأشغال تعتمد أساسا على القوة وبطرق يدوية اجتنابا لكراء المعدات اللازمة، كـنـزع البطاطا أو المطرقة التي تكلف هؤلاء الفلاحين و المقاولين أموالا باهضة، والغينيون مفضلين أكثر ومقبولين لدى ساكنة مغنية، خاصة فلاحو المداشر المجاورة والتابعة لهذه القرية كأولاد قدور، أولاد معيدر والتلالسة الذين هم بحاجة إلى السواعد العاملة، فغالبا ما يستخدمونهم في أعمال الزراعة والفلاحة، إنهم عمال محترفون، ومجدّون باعتراف الفلاحين، حيث لا يكرهون العمل، كما لديهم سلوك مثالي، إضافة إلى كل هذا فإن المهاجرين غير الشرعيين يقبلون العمل من الفجر إلى المغرب أو أكثر بمعنى يتجاوزون الحجم المحدّد قانونا للعمل، كما أنهم لا يتقاضون نفس الأجر الذي يدفع للجزائريين في غالب الأحوال.
هذا وتشهد شوارع هذه القرية وبعض دواويرها يوميا تزايدا ملحوظا في تدفق عـدد الأفارقة الذين يجوبون الشوارع والمقاهي من أجل التسول، وطلب الصدقات من المواطنين رغم أن بعضهم يمتازون بطابع “جدّ عدواني” ولا يتوانون في الإعـتداء على المواطنين كما حدث مؤخرا مع أحد الفلاحين بهذه القرية بعد أن تعرّض لإعتداء خطير من طرف مهاجر غير شرعي من جنسية مالية، بدافع السرقة حسبما بينته تحقيقات عناصر الدرك الوطني بدائرة مغنية التي أوقفت المتهم وقدمته أمام العدالة، إلى جانب اعـتداء آخر على شابين من إحدى مداشر القرية، حيث قامت الكتيبة الإقليمية للدرك الوطني لدائرة مغنية إحدى المرّات بتحرير قاصر من قبضة عصابة افريقية، كانت تهدده بالقتل وانتهكت العرض، وحسب ذات المصادر الموثوقة أنه إحدى الأمسيات الحارة قام شخصان يبلغان من العمر 21 سنة و16 سنة من قرية البطيم بجولة عـبر الحقول والمزارع المحاذية للقرية إلى غاية دوار أولاد معيذر، أين أحسا بالعطش وحاولا الاقتراب من حوض مائي للشرب ـ حسبهم ـ لكن صاحب المزرعة ظن أنهما سارقان فطلب من عـمّاله الذين كانوا يشتغلون عندهم من جنسية افريقية باعتقالهما، لكن الشخصين لاذا بالفرار في حين وقع القاصر البالغ من العمر 16 سنة في قبضة هؤلاء الأفارقة الذين قاموا بتكبيله وربط يديه إلى الخلف ورجليه بسلسلة من الحجم الكبير وإغلاقها بقفل كبير، ثم وضعوه داخل كوخ مهجور يبيتون فيه، مصالح الدرك الوطني وفور تلقيها للمعلومات قامت بدوريات مكثفة للبحث عـن الضحية من خلال تطويق المكان الذي كبل فيه القاصر وتوقيف صاحب المزرعة إضافة إلى إفريقيين من جنسية مالية يبلغ سنهما 27 و28 سنة على التوالي فيما لاذ الثالث بالفرار.
ك.م
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة