الثلاثاء, يناير 13, 2026

بلدية بني سنوس بتلمسان معقل الثوّار الجزائريين تراهن على فك العزلة

     عاشت دائرة بني سنوس بولاية تلمسان حالة خاصة ضمن الخريطة الأمنية طيلة العشرية الماضية، فقد حوّلها الموقع الذي تتواجد فيه بين جبلي موطاس وميزاب إلى ممر إجباري لفيالق (الجيا) وكتائب الموت، كانت تحت رقابة (الكلاش)، بلدة لم تخرج من هذه الدائرة الجهنمية التي شهدت اغـتيال أكثر من 40 مواطنا في عمليات فردية متفرقة وحرق وتدمير مرافق عمومية من الفترة الممتدة ما بين 94 و96 على غرار باقي مناطق ولاية تلمسان.

     وتعدّ بلدية بني سنوس التي زرناها والواقعة داخل الشريط الحدودي الغربي والمعروفة بتضاريسها الوعرة مثل جبل عصفور البالغ ارتفاعه 1200 متر والمترامي بأعلى منطقة بني بحدل حوالي 2300 ساكن موزعين على 28 قرية تابعة لثلاث بلديات هي بني سنوس والعزايل وبني بحدل…ورغم الجهود المبذولة الذي يميز نشاط هذه المنطقة التي تتوسط أخطر معاقل الجماعات المسلحة في التسعينات أقصى جنوب غرب تلمسان إلا أن سكانها يتطلعون إلى نهاية عاجلة لكل ما يشير قلقهم ومخاوفهم من إمكانية عودة هواجس وكوابيس العشرية الحمراء التي حرمتهم من خدمة الحقول والبساتين المترامية الأطراف وسط جبال بني سنوس، كيف كان محرّم عليهم إظهار أي شكل من أشكال الفرح، فالناس كانوا يسمعون بأخبار الموت والحرق والدمار المتحرك، لكنهم لم يسمعوا أخبار الفرح إلا بالقضاء على آخر العناصر الإرهابية التي انهارت نتيجة عدة عوامل موضوعية ومترابطة، فقد عاد سكان قرى بني زيدان وأمازيغن وأولاد العربي والطاقة لممارسة نشاطهم الاعتيادي في قراهم، فبداية من سنة 1999 شرعـت أكثر من 150 عائلة في العودة، بعد أن عادت الحياة إلى هذه المناطق نتيجة تحسن الوضع الأمني بفعل الضربات الموجعة التي تلقتها الجماعات المسلحة ويقضة السكان ووعيهم بأهمية حماية أنفسهم وقواهم، مما أعاد الطمأنينة للسكان، وقد أدى الاستقرار الأمني بداية من سنة 2000 إلى تنفيذ عددا من المشاريع أكبرها حماية أحياء بني سنوس من الفياضانات والمياه المنحدرة من الجبال التي يبلغ غلافها الإجمالي مليارين و500 مليون سنتيم، موزعة على منطقة الفحص بمليار و200 مليون سنتيم و400 مليون سنتيم بقرية أولاد موسى، فيما خصت 500 مليون سنتيم إنجاز حواجز بقرية بني عشير فيما قدر نفس المشروع بسيدي العربي بـ 400 مليون سنتيم، ورغم هذه المبالغ التي استفادت منها المنطقة إلا أنها لم تأت ثمارها نظرا للمشاكل التي تراكمت خلال السنوات الماضية، فانكبت الجهود كلها على الجهة الأمنية التي أفرزت ديونا ضخمة على البلدية، كما استفادت هذه الأخيرة من دفع ديونها التي كانت على عاتقها.

     وتجدر الإشارة أن بني سنوس تتربع على 35 ألف هكتار ذات توزيع متباعد للأحياء الكبرى، البالغ عددها 13 مجمعا سكنيا، مما يؤدي إلى تزايد الاستهلاك للطاقة بسبب الاستغلال الواسع، وتعد مصادر مياه السقي من أهم انشغالات الفلاحين الذين استفادوا مؤخرا من آلاف الشجيرات من أجل النهوض بمستوى الفلاحة التي تشكل مصدر لأغلب السكان الذين انتشروا على حافة وديان المنطقة وهي الوديان التي كانت تشكل ممرا آمنا لسريا الموت، ولكن ومع استتباب الأمن وتسليح معظم الشباب عادت مظاهر الحياة إلى بلدية بني سنوس انطلاقا من بلدية العزايل بمجمعاتها السكنية الثلاثة، مرورا ببني بهدل ثم الخميس…مظاهر عودة الحياة تجسدت أيضا بافتتاح ثانوية ببني سنوس منذ الموسم الدراسي 99/2000.

     وعلى صعيد آخر تحاول الجماعات المحلية التي تتميز بعدم استغلال مواردها الطبيعية من مياه ومعادن وتراث غابي بعناء كبير الخروج من عزلتها بفضل استفادتها من مختلف البرامج التنموية على غرار مخطط التشغيل الريفي المسطر منذ سنة 1998 من طرف محافظة الغابات بدعم من البنك الدولي، وتتمحور أهم العمليات المنجزة في إطار هذا البرنامج حول غرس أكثر من 600 هكتار من الأشجار المثمرة من الخوخ واللوز والمشمش بالبساتين المحيطة بسد بني بحدل (53 مليون متر مكعب)، حيث كان مردود هذه البساتين جيدا للغاية أما الفلاحة التي تعتبر النشاط الرئيسي لسكان هذه البلدية بمساحة صالحة للزراعة تقدر بـ 37000 هكتار، فتعرف تربية الأغنام والماعز على وجه الخصوص تراجعا كبيرا ونفس الركود تشهده زراعة الحبوب التي تغطي سوى 1800 هكتار بإنتاج ضعيف يناهز 15000 قنطار من القمح سنويا في حين تخصص باقي المساحة المتواجدة بمنحدرات الجبال للرعي وغرس الأشجار، وسمح برنامج الصندوق الوطني للتنمية والضبط الفلاحي المعزّز ببرامج الإنعاش الاقتصادي ومخطط التنمية الفلاحية والريفية لدائرة بني سنوس بالإنعاش من جديد في المجال التنموي بفضل توفير كافة الشروط الضرورية الموجهة أساسا لتشجيع سكان الريف على العودة إلى أراضيهم الذين استفادوا من مئات المساكن الريفية وإعانات لإعادة ترميم البيوت المتصدعة وفي مجال إنعاش القطاع الفلاحي قام الصندوق الوطني للتنمية الفلاحية بتمويل 47 مشروعا لفائدة الفلاحين يتعلق الأمر بحفر الآبار وإنجاز أحواض مائية واقتناء تجهيزات السقي كما تم تخصيص قروض مصغرة للشباب المستثمرين في نشاط تربية الدواجن والنحل، وعلى الصعيد الاجتماعي استفادت مقرات البلدية من إنجاز 140 مسكنا اجتماعيا جماعـيا.

     هذا ولا تزال العديد من القرى والمناطق النائية ببلدية بني سنوس تصارع البرد، في ظل انعدام قارورات غاز البوتان التي خضعت لمضاربة رهيبة خلال الأيام القليلة الماضية، وأصبح الحصول عليها أقرب إلى المستحيل، وهو ما يهدّد حياة مواطني هذه القرى المعزولة التي لم تجد بديلا آخر تستعمله حتى الحطب أصبح مفقودا.

     ورغم محاولة السلطات المحلية تجاوز هذه الظروف إلا أنها لم تتمكن من تلبية كل حاجيات العائلات المعنية، حيث تم خلال فترة التقلبات الجوية الأخيرة توزيع أكثر من ألف قارورة غاز بوتان عبر تراب الدائرة، حسب ما أفاد به مصادر مسؤولة، الذي قال إن عملية تزويد القرى والمداشر بغاز البوتان ستتواصل لضمان تموين كامل المناطق التي لم يتم ربطها بعد بشبكة الغاز الطبيعي وتحديدا بالبلديات المتبقية،

    وتنفيذا لهذا المشروع الوطني لتحسين المستوى المعيشي للسكان، استفادت دائرة بني سنوس ببلدياتها الثلاث بني بحدل، العزايل وبني سنوس من مشروع إيصال الغاز الطبيعي المشروع القطاعي تشرف عليه مديرية  الطاقة والمناجم وبالتنسيق مع سونلغاز، وحسب  مصادر مسؤولة بدائرة بني سنوس، فقد شرعت مقاولة خاصة في تجسيد المشروع، إذ من المنتظر أن يتم تعميم شبكة الغاز الطبيعي على سكان بني سنوس، ويشمل كمرحلة أولى أزيد من 2000 عائلة موزعة على البلديات الثلاث، المشروع الضخم من شأنه التقليل من معاناة سكان دائرة بني سنوس ذات الطابع الجبلي، مع قارورات غاز البوتان.         

     وفي مجال قطاع الأشغال العمومية استفادت دائرة بني سنوس من مشروع يعتبر من أهم المشاريع بالجهة الجنوبية الغربية للولاية وهو توسيع الطريق الولائي ما بين سبدو مرورا بعدّة قرى كانت في طي النسيان نتيجة غـياب النقل لضيق واهتراء هذا الطريق، وحسب إطار بمديرية الأشغال  العمومية فإن هذا المشروع يوجد قيد البداية في الأشغال بعد الدراسة التقنية، كما يدخل هذا المشروع ضمن إستراتيجية القطاع الرامية إلى تجهيز وتدعيم وتوسيع شبكة الطرقات بالولاية من أجل خلق سيولة في حركة المرور وتخفيف الضغط، هذا المشروع يكتسي حسب نفس المتحدث أهمية اقتصادية ذات أبعاد سياحية، حيث يمثل شريانا حيويا سيربط عدة قرى تابعة لأربع بلديات سبدو منها عين غرابة وبني سنوس وسيكون هذا الطريق بكامل المواصفات من حيث ضمان أمن وسلامة المواطنين من المطبات فضلا عن توفير عدة مرافق، كما ستتكفل هذه المديرية أيضا بتدعيم محاور الطرقات المتواجدة على طول هذا الخط الذي يفوق طوله الــ 30 كم، كما يتوقع ذات الإطار أن يخلف أثرا إيجابيا بالنسبة لسكان المنطقة عامة والشريط الحدودي بصفة خاصة، كما سيعطي نفعا قويا للحركة التنموية بالجهة ويساهم في فك العزلة عن العديد من المناطق النائية وسيساهم في التنمية السياحية بمناطق بني سنوس التي تعتبر من المناطق الهامة التي تزخر بمعالم أثرية وأضرحة لعلماء أجلاء.

     من جهة أخرى تدعمت البلديات الثلاث لدائرة بني سنوس من منشآت صحية جديدة مثل العيادات المتعددة العلاجات ومراكز وتجهيزات تربوية عن إعادة تأهيل العديد من التجهيزات الأخرى التي تم تخريبها في السنوات الماضية، ولم يقل خط قطاع الشبيبة والرياضة من هذه المشاريع التنموية، بل تدعمت هذه الدائرة بإنجاز ثلاثة ملاعب لكرة القدم ومركب رياضي جواري وخمس قاعات متشبعة وقاعة من نوع ميدياتيك، لكن المشكل الذي رفعه العديد من شباب بلدية بني سنوس إلى السلطات الولائية، تتقدّمها تهيئة الملعب البلدي الذي أصبح يصلح لكل شيء إلا لممارسة رياضة كرة القدم، حيث تحوّل إلى حفر وبرك مائية شكلت معاناة حقيقية لشباب المنطقة الذي أصبح مؤخرا ملاذهم الوحيد في غياب المرافق الشبانية في بعض القرى التابعة للبلدية، كما استفادت دائرة بني سنوس ببلدية الفحص بمكتبة للبلدية تم تدشينها من طرف والي ولاية تلمسان والتي أنجزت  في إطار مشاريع عاصمة الثقافة الإسلامية  لسنة 2011 وتدعـمت أيضا بــ 400 عـنوان  كحصة أولية إختلفت فيها المصادر العلمية وطغى عليها المجال التاريخي على سبيل المثال  تطور النشاط الديبلوماسي للثورة الجزائرية  والجواسيس الفرنسيين في الجزائر  خلال سنة 1782 إلى 1830 وقادة جيش التحرير الوطني وكذا التاريخ السياسي والحضاري لتلمسان والمغرب الإسلامي والمهاجرون الجزائريون وغيرها من المراجع التي ستثري المقروئية وتكون في متناول أبناء هذه الدائرة، أما ببلدية لعزايل فقد اشرف الوالي خلال زيارته للدائرة على إطلاق عملية تموين التجمعات السكنية بالإنارة الريفية التي كانت تنقصها هذه الأخيرة عن طريق مركز التزويد بالكهرباء وتزودت منه 346 بيت بالعزايل  فيما  تم ربط 240 منزل جديد في إطار البناء الريفي ببلدية بني سنوس وإستهلك  المركز غلاف مالي قدره 185.816 دج على إمتداد خطي يبلغ 282,42 كلم، أما بخصوص شبكة غاز المدينة  فالعملية متواصلة لتعميم ذات الطاقة  بقي منها قرى الخميس وأولاد موسى وبني عشير وسيدي العربي  التي تنتظر  حظها من الإستفاذ.

     وفي المجال الاقتصادي تبقى منطقة بني سنوس رهينة الإعانات المالية الممنوحة من طرف الدولة وتقلبات المناخ بالرغم من توفرها على سد بني بحدل الموجه لتموين مدينة تلمسان والتجمعات الحضرية الأخرى بالمياه الصالحة للشرب، إذ أن استغلال الهكتارات القليلة من الأراضي المسقية لا يتم إلا في فترات فيضانات وادي بني سنوس (الوادي الكبير) الذي يشكل خطرا كبيرا في فصل الشتاء على القرى المجاورة له وتـم تم تخصيص مبلغ بقيمة 16 مليون دج لبلدية بني سنوس لمكافحة ظاهرة فيضانات هذا الوادي حيث تمت أشغال التهيئة في كل من أولاد موسى.

     كما تشتهر منطقة بني سنوس بنشاطها الحرفي التقليدي خاصة الزرابي المصنوعة من الحلفاء المعروفة محليا بنسمة (الحصيرة) وصناعة الفخار والأواني الخشبية بيد أن الحرف القديمة أصبحت اليوم مهددة بالاختفاء بسبب المنافسة الحادة للمنتوج العصري وعدم اهتمام الشباب بهذا النشاط القليل المردودية ويحاول قطاع السياحة والصناعة التقليدية من جهته تثمين هذا النشاط عن طريق الشروع في عمليات تدخل في إطار المخطط الوطني للتنمية الفلاحية الريفية، وبالرغم من اختزان هذه المنطقة الجبلية لثروات معدنية هامة من البارينز والغرانيت وتوفرها على يد عاملة شابة، فيبد وأن الاستثمار في هذا المجال لم يأخذ حظه الآخر باستثناء وجود وحدة تابعة للمؤسسة العمومية، (إينوف) التي ما تزال تقوم باستغلال البارينز وضمان العديد من مناصب الشغل في مجال مواد البناء، وتشكل عزلة هذه المنطقة وصعوبة الوصول إليها عن طريق تعرقل تنمية دائرة بني سنوس بالرغم من توفرها على إمكانيات اقتصادية أكيدة، كما طالب المهتمين بالتاريخ ومجاهدي المنطقة خلال زيارة والي تلمسان إلى منطقة بني سنوس ووقوفه على سجن التعذيب ببني سنوس بتسييج “دار البولوني” لتكون شاهدا ناطقا وأهم مركز للتعذيب والتنكيل ببلدية بني بحدل، إذ خصّص هذا النفق الصخري المحفور تحت الأرض للتعذيب الجسدي الشامل في الحقبة الإستعمارية  وبالضبط  سنة 1955 إلى عام  1961  كفترة شهدت أخطر أساليب الإستنطاق وشتى وسائل التجريم  وكان يضم  بين ثناياه  أكثر من 120 محبوس من فئة الثوار ومناضلي حرب التحرير بمكان واحد ومظلم صداه صراخ الأبرياء  اللذين نادوا أمام البوليس الفرنسي “الجزائر جزائرية وليست فرنسية” رغم ما لحق بهم من ممارسات وأشكال العنف الذي خلف  المئات من الشهداء ألقي بهم  بالغابة المجاورة مع العلم أن الدار لا تزال تحتفظ بجدرانها الداخلية  وغير بعيد عن الموقعين يمكن للزائر أن يتمعن بموقع ثالث للتنكيل  تنعدم فيه  جرعة الأكسجين  لوجوده  تحت سفح سور السد المائي وهو فضاء صعب التنفس فيه  تم أنذاك إدخال على مستواه  ما يربو عن 500 مجاهد  لم ينج منهم أي أحد بسبب الإختناق لغياب منافذ التهوية حسب ما رواه شهود عيان من المجاهدين بالمنطقة.   بــومـــديــن مــحـمـد

PAGE

PAGE  3

شاهد أيضاً

العدوان الصهيوني على غزة : ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 70654 شهيدا و 171095 مصابا

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023, إلى 70654 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *