وجـوه غـبرة يغشاها السواد…ثياب بالية ممزقة الأطراف…وآخرون يسيرون حفاة عراة…تائهين في ملكوت بعيد يتحدثون إلى أنفسهم حينا ويتشاجرون ويضحكون في آن واحد مع أشخاص لا يراهم أحد سواهم…إذا اقتربت منهم لن تجد سوى السب والضرب…يقذفون المارة بالحجارة ويكيلون لهم السباب والشتائم…لاتستطيع أن تجادلهم وترد لهم الصاع صاعين…فهم ليس عليهم حرج وغير مؤاخذين بأفعالهم…فـبمدينة مغنية يسير المختلون عقليا أو كما يطلق عليه العامة “المجانين” بالشوارع في حرية تامة…ينامون على الكارطون وقـد يقرر أحدهم أن يفترش الرصيف أمام منزلك لينام في هدوء بعيد عن ضجيج أصحاب العقول دون أن تمتلك حق الاعتراض فهو شخص مريض فقد عقله وبات بلا مأوى، لا يستحق سوى العطف والإحسان…وآخرون يستقلون المواصلات العامة ليشاركوك مقعدك بإحدى الحافلات، يتعرضون لك إما بالسب أو البصق أو الضرب دون أن يعترضه أحد من أفراد الأمن.
فـفي الآونة الأخيرة، تحـوّل انتشار المجانين في الشوارع الرئيسية والأحياء والتجمعات السكنية ببلدية مغنية بولاية تلمسان إلى ظاهرة ملحوظة تثير الكثير من التساؤلات حول السر وراء تقاعس دور مستشفيات الأمراض العقلية والسلطات المحلية عـن أداء دورها في التقاط المختلين عقليا وتقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم…فظاهرة تواجد هؤلاء المختلين عقليا ونفسيا بشوارع بلدية مغنية، صارت أمرا عاديا بل وروتينيا، على مرأى ومسمع الجميع من المواطنين والمسؤولين أيضا، غـير أن المعاناة وحدها يتحملها هؤلاء المختلون عقليا الذين يعانون في صمت خاصة أمام قلة بل إنعدام التكفل بهم من طرف السلطات المعنية من أجل انتشالهم من هذه الشوارع وإيداعهم بالمراكز والمؤسسات الصحية الكفيلة بالعناية بهم…معاناة كبيرة يتجرعون مرارتها في غياب أي نوع من الرعاية والاهتمام من طرف المسؤولين كل من مركزه، إذ يتعرضون للطرد بشكل استفزازي من لدن النوادل العاملين بالمقاهي والمطاعم ومحلات بيع الأكلات الخفيفة التي يلجأون إليها للحصول على أطعمة تشبع جوعهم، مما يضطرهم إلى التنقيب عن بديل لها بين القمامات دونما إحساس منهم بحجم الخطر الصحي الذي يحدق بهم جراء ذلك، بل وحتى عندما تضطرهم الحاجة إلى المبيت فإنهم لا يجدون من العراء ملاذا إذ غالبا ما يلجأون إلى أماكن وفضاءات يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء حتى وإن كانت الظروف المناخية في أشد قساوتها، كما يبدو تقصير الجهات المسؤولة في القيام بواجبها تجاه هؤلاء المحرومين من خلال التغاضي عن حالات بعضهم وهم يرتدون لباسا رثا لا يحجب عوراتهم، بل وآخرين في حالة عري تام تدفع المارة – سيما النساء – إلى تغيير اتجاه الوجهة التي يقصدنها، فضلا عن أولئك الذين تتغير ملامحهم من فرط الأوساخ العالقة بأجسادهم وثيابهم ولحيهم وخصلات شعرهم الكثة.
اعـتداءات وجرائم بالجملة…
أبطالها “مـختلون عقليا…ومجانين” عـلى المواطنين
لعـلّ أبـرز ما يلاحظه المارّ بأحـياء وشوارع مدينة مغنية هـو كثرة المختلين عقليا، الذين أصبحوا يتجولون بكل أريحية سواء في الأسواق، المرافق العمومية وحتى في المساحات الخضراء ووسائل النقل، فلا تدري في أي وقت ستصطدم بهم أو تأتيك الضربة من حيث لا تدري، وهذا نتيجة الإهمال مما سبب ذلك تضرّر سكان وزوار المدينة من سلوكات بعض هؤلاء المرضى النفسانيين عندما يتحولون إلى مصدر خطر على حياة المارة، خاصة أولئك الذين تنتابهم حالات هيستيرية تجعل منهم أشخاصا عـدوانيين فيشرعون في الاعتداء على كل من يضعه القدر في طريقهم، إما بالسب والشتم أو الضرب أو الرشق بالحجارة وهو ما من شأنه أن يخلف أضرارا جسمانية أو خسائر مادية لدى الضحايا عندما يتعلق الأمر بتكسير واقيات السيارات أو المحلات التجارية…بل وقد يتضرر بعض هؤلاء المختلين عقليا أيضا، إذ يصيرون عرضة للضرب والتنكيل من طرف غير الأسوياء في حال إبدائهم أي نوع من العنف تجاههم، بالإضافة إلى استفزازهم من لدن الصبية الصغار بسباب وشتائم لايقبلون سماعها، بمن فيهم الفتيات اللواتي فقدن قدراتهن العقلية وتُهن في شوارع المدينة، حيث يتعرضن للتحرشات الجنسية من طرف بعض المجهولين عـديمي الضمير وهو ما تعكسه حالات الحمل التي تظهر من حين لآخر في صفوفهن، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول المتابعة الطبية لحملهن وظروف ولادتهن ومصير أولادهن، وفي السياق تحدثنا “جميلة” وهي موظفة بالبلدية أنها تعرضت لموقف غريب مع إحدى المختلات التي كانت على متن حافلة لنقل المسافرين، تقول إن المختلة اختارت المقعد الأمامي للحافلة والذي نفر منه كامل الركاب متجنّبين الجلوس رفقتها، في حين جلست هي بشكل عاد ولم تنتبه إلى المختلة، قبل أن تشرع هذه الأخيرة في الصراخ والكلام الفاحش، إلى هنا تمالكت محدثتنا نفسها وفضّلت البقاء في المقعد، غير أن تمادي المختلة ومحاولتها الاعـتداء عليها جعلها تسرع في النهوض من المقعد وهي في قمة الرعب، كما تحدثنا السيدة “كريمة” في عقدها الخامس عـن قصتها مع إحدى المختلات، وقالت أنها بينما كانت تتجول بالسوق في إحدى أحياء بلديات مغنية : “كنت أحمل أغـراضا كثيرة من خضر وفواكه وكنت قد أكملت التسوق، ولم يبقى لي سوى شراء الخبز وإذا بي أهم بالخروج من السوق متوجهة نحو المخبزة، فجأة أشعر بشيء يضربني على رأسي بشدة ومن شدة الضربة فقدت الوعي ولم استيقظ إلا على صراخ الناس من حولي”، أين قام أحـد المختلين عقليا بتوجيه ضربة قوية على رأس الضحية، مستغلة انشغال “كريمة” بترتيب أغراضها، فيما وجه الأشخاص المتواجدون في مسرح الحادثة اللوم الكبير للمختل الذي كادت يـودي بحياة السيدة المسكينة، “فـاطمة الزهراء” هي الأخرى لم تسلم من اعـتداءات المختلين عقليا، وقالت إنها امرأة في الثلاثينات من عمرها كانت ساعتها رفقة ابنها البالغ من العمر 3 سنوات، تروي قصتها مع المختل الذي صادفته في إحـدى المساحات الخضراء بحي العزوني بمغنية وتقول “لقد كنت جدّ متعبة فقررت الجلوس في إحدى المساحات الخضراء بمحاذاة الشارع الرئيسي لحي العزوني بلدية مغنية، وأنا أهم بالجلوس رفقة ابني البالغ من العمر 3 سنوات كان حينها الجو ربيعي، وإذا برجل ضخم متسخ الملابس كثيف الشعر يقوم بالاقتراب مني وركلي بكل قوة، ما جعلني أسقط أرضا ولولا تدخل المارة لما استطعت الوقوف من وقع الضربة التي لم تكن بالسهلة”، وتضيف أن رجلا عجوزا هو من أنقذها من قبضة المختل الذي لم يتوقف عند حد ضربها، بل كان ينوي ضربها بشدة أكثر، وقد تعرض المختل إلى الضرب من طرف شاهدي عـيان وشباب الحي، الذين قالوا أنه ليس المرة الأولى التي يعتدي فيها على المارة، “إيمان” هي الأخرى ضحية لهذا المختل عقليا تقول : “لقد كنت أهم بالخروج من الثانوية (بوعزة الميلود) رفقة زميلتي، فجأة شعرت وكأن أحدا يشدّ شعري فالتفت إليه لأجد رجلا تبدو عليه علامات الجنون فملابسه متسخة ورائحة كريهة تنبعث منه، وكان قوي البنية، لم أستطع أن أخلّص شعري منه حيث أن شعري طويل جدا وبدأ بشده وتحريك رأسي يمينا وشمالا حتى شعرت أن شعري سيقتلع”، وتضيف ذات المتحدثة “بعد حوالي دقيقتين من الشدّ تدخل حارس المدرسة وزملائي بالثانوية من أجل إنقاذي وأكدوا لي أنها ليست المرة الأولى بل حـدث ذلك كثيرا”.
لكل مختل ومتشرد بالشوارع…حكاية
و70 بالمائة من المختلين عقليا من خارج الولاية
فـظـاهـرة انتشار المجانين، بأحياء وشوارع مدينة مغنية أمرا يثير الجدل، ويطرح العديد من علامات الإستفهام حول الأسباب التي تجعل الإنسان يعيش حياة مختلفة عن حياة الناس المحيطين به، حياة لا يحكمها قانون العقل البشري، وغير خاضعة لقيود المجتمع وغير مبالية بأخلاقه وسلوكياته، إلا أننا اليوم أصبحنا نلمس كيف أن بعض الأشخاص في كامل قواهم العقلية يشترون الجنون واللاوعي بالمال، فـأغلب ضحايا الأمراض النفسية اليوم، قد يكونوا في مقتبل العمر، يدمنون على تناول المخدرات، إلى درجة قد تؤثر على عقلهم النابض، فقد أصبح هذا السم المنتشر بين شبابنا ذكور وإناث، يعرض عقول الكثيرين للخراب، والإنتهاء في مصحات العلاج النفسي، فالإدمان على تناول المخدرات كالقنب الهندي والعقاقير والحقن الشديدة التأثير مثل الهروين والكوكايين، يعد كذلك من الأسباب الرئيسية فيما أصبح يعرف اليوم بالحمق الذي تصنعه وتتناوله الأيدي البشرية…بمحاذاة المسجد الكبير ومركز البريد ومقر البلدية القديمة والمقاهي والمطاعم…وغيرها بوسط مدينة مغنية وسط ضجيج السيارات، يجلس محمد وحسين، ومصطفى، وفاطمة، ونورة…وغـيرهم اختلفت أسمائهم وربما قصصهم، إلا أنهم جميعا لا يعلمون من أين أتوا…؟، لكن الشارع جمعهم في ظروف قاسية تحت أشعة الشمس الحارقة صيفا وفي برد الشتاء يجلسون سويا يتحدثون بعبارات غير مفهومة للعقلاء أمثالنا…لم يسلموا من أذى المارة خاصة من الأطفال الذين يلقون عليهم الحجارة ويوجهون لهم السباب وسط تعالي ضحكاتهم الساخرة، وقد حاولنا الإقتراب من هؤلاء المختلين عقليا، رغم أن بعض الحالات كانت صعبة، إلا أننا إستطعنا التحدث إلى الشاب محمد، حيث تبادلنا معه أطراف الحديث وفهمنا أنه شاب أدمن على المخدرات حتى صار ضحية لها ويعاني من إختلالات عقلية وبالتالي هرب من المنزل بسبب ضرب إخوته له يوميا وهو ينحدر من ولاية تيارت، كما أن طريقه في وصوله إلى مغنية تمت عبر سيارة الأجرة منذ أكثر من خمسة أشهر، وهو يقتات من القمامة ويبيت أمام محطة سيارات الأجرة ما بين الولايات بحي بلال، حالة أخرى عبرت كثيرا عن الحقرة، حيث تقول الفتاة نورة أنها تنحدر من ولاية عين تموشنت، ولها قصة غريبة وحزينة، فتقول : “كنت على علاقة مع شاب وطلب يدي للزواج من أخي الأكبر إلا أنه رفض ذلك بحجة أن الشاب – تقول المتحدثة وهي تذرف دموعا خفيفة بلا شعور منها- لا يعمل، وبعد تطور الأحداث، صار أخوها يحبسها بالمنزل طيلة سنتين لتفادي الالتقاء به إلى أن أصبحت تستهلك حبوبا مهدئة أضحت بها مجنونة تقول، وخلال الصيف الفارط تمكنت من الهرب من المنزل وهي الآن في الشارع ولم ترد الكشف عن مكانها الذي تأوي إليه وبعد ذلك لم تواصل الحديث معنا وفرت وهي تتلـفـظ بألفاظ بذيئة…والمثير للانتباه أن جل المعتوهين والمجانين المختلين عقليا الذين يجوبون شوارع وأزقة أحـياء بلدية مغنية هم غرباء عنها وعن المنطقة ككل، ولعل ذلك ما تترجمه لهجات ولكنات وطريقتهم في الكلام، مما يعكس توقعات بعض المصادر التي تعتبر بأن مسؤولي مدن أخرى يقومون بترحيلهم إلى مدن أخرى وولايات ثانية على متن الحافلات القادمة إليها من خلال دسهم بين المسافرين، من جهة أخرى ما يقارب 70 بالمائة من مجانين ببلدية مغنية يقطنون خارج الولاية، حسب مصادر رسمية، إلا أن مصادر صحية تحصي نسبة زيادة فاقت 20 بالمائة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بإمكانيات البلدية للتكفل بهذه الفئة، فالعرف المعمول به أن عملية التكفل بالمجانين تتم حسب الإقليم الموجودين به فعلا، لكن وبالعودة إلى الإمكانيات المادية للبلدية نجدها شبه عاجزة عن التكفل بهذه الفئة، رغم الحملات التي تقوم بها السلطات المحلية لبلدية مغنية ممثلة في مصلحة الشؤون الاجتماعية بالتنسيق مع مكتب الهلال الأحمر الجزائري وبالتعاون مع بعض الجمعيات النشطة، فهي لا تملك حتى مركزا صحيا خاصا بالمجانين، وفي محاولة لتدارك هذا العجز يتم إرسالهم إلى مركز دار الخيرية الذي يضم حوالي 80 مختلا عقليا في انعدام قاعة خاصة بالنساء والأمر الذي ألح عليه القائمين على هذا المركز المتواجد بحي بلال، حيث بات ـ حسبهم ـ ارتفاع أعـداد المختلين عقليا يدعو إلى القلق، سيما وأن سلوكات بعضهم أضحت تهدد سلامة وصحة السكان والزوار على حد سواء، مما صار يحتم على السلطات المحلية التدخل للحد من انتشارهم بتوفير الملاجئ الكفيلة بإيوائهم مع محاولة البحث عن ذويهم قصد تسليمهم إليهم لمواكبة ما يلزمهم من علاج قد يحد من معاناتهم المرضية.
المختصين في علم النفس والاجتماع بمغنية
“على الدولة التحرك للتكفل الفوري بشريحة المجانين“
وجّـه المختصين في علم الاجتماع بمغنية، نداءهم إلى السلطة الجزائرية والسلطات المحلية والجهات المختصة، بمختلف فاعليها، بضرورة التكفل العاجل بشريحة المختلين عقليا، التي قالت أنها باتت تشكل ظاهرة حقيقية ينبغي التصدي لها، أمام تنامي المجانين ببلادنا، ودعـت بالمناسبة إلى توفير مراكز لإيواء المختلين عقليا، مع وضع أناس أكفاء يتولون رعايتهم، بعيدا عن الضرب والعنف المطبق من قبل بعض العاملات اللواتي يعمدن الإساءة إليهم ما يجعلهم يفرون من هذه المراكز والتوجه نحو الشارع، مشيرة في سياق حديثها أنه يجب ترجيح الشقّ الإنساني لصالح هذه الفئة المحرومة، معترفة بذلك أن العائلات لا يمكنها التكفل بالمجنون سيما في حالات خاصة، أين تتطلب تكفلا خاصا تضمنه الدولة، بتوفير العلاج النفسي والطبي للمرضى عقليا الذين يشكّلون ـ حسبهم – خطرا على سلامة الأفراد وممتلكاتهم، خاصة الذين يميلون إلى طبع العنف والتخريب، كما اتّهم هؤلاء المختصين، عائلات المجانين بالإهمال واللامبالاة، التي تصل على حدّ تعبيرهم إلى رمي المختل عقليا، وتركه يصارع المرض في الشارع لوحده، متحدثة عـن ظاهرة نزوح المجانين من ولاية لأخرى، هروبا من الظروف المعاشة في أحيائهم وبحثا عن راحة نفسية قد توفرها الدولة وتخلّص هؤلاء من تشرد فرض عليهم أمام فقدان عقولهم بإنشاء مراكز خاصة تأويهم.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة