محمــد يبرير yabrir_med@live.fr
كفيلة هي الأرقام التي تؤشر على أداء الجزائر في شتى المجالات، أن تضع يدها على جرح المسؤولية الادارية الكبير، و تظهر حجم المأسات التنظيمية و تفسخها، و مدى تضييع فرص و طاقات مجتمع بأكمله، فأزمتنا اليوم و تضعضعنا، لا يتعلق بأسعار البترول إرتفاعا و نزولا، أو تراجع مداخيلنا منه، و لا يتصل بحظ عاثر يتبعنا، بقدر ما هو غياب لقراءة الخيارات و البدائل، وفشل للنظام الإداري الرث الضرير، الذي دوما كان و لا يزال متسقا و محاكيا للفساد السياسي في أبسط جزئياته و أوجهه، و لم ينفصل عنه أو ينمو خارجه و لو قليلا.
لا نريد أن نركز على الأرقام، و لكن أهم و أعمق و جوه فشلنا الراهن، المنعكسة على رأس مالنا الإجتماعي، و قصور المفاهيم المعرفية و التنظيمية، و الرؤى البديلة، و محدودية الأداء الإقتصادي الريعي، و صولا إلى عجزه، ذلك هو غياب الإستثمار في الإنسان و عقله الفاتح، و تقوية قيمه الثمينة، و رفع مستوياته العلمية و المهارية، و توفير الفرص العادلة في شتى المجالات.
تمثل التنمية البشرية خيبة الأصل في كل الحاصل حولها، و هذا ينطبق على كل الأقطار العربية، فحسب مؤشر التنمية البشرية الذي تنشره الأمم المتحدة كل سنة، يضع الجزائر في المرتبة الثالثة و التسعين(93) للسنتين الأخيرتين، و هي مرتبة دون الوسط، لا تبعث على السرورإطلاقا، و الواقع أشد إيضاحا و إيلاما، و نعلم أن ما يرتبط بقياس مؤشر التنمية البشرية، هو متوسط العمر المتوقع عند الولادة، ومستوى التعليم، و الدخل الإجمالي للفرد، إنها معضلات تتغذى من بعضها في أصقاعنا، فمثلا من وجهة نظر إدارية، فإن المستوى المتدني للمناهج التعليمية و الأكاديمية، و ضعف المحتوى، يكرس ضعف الفرد على التحصيل المهاري و مردوديته، و يتسبب في ضمور الأداء الذهني، و العزوف عن الإستقرار العملي إذا توفر، عبر تغيير الوجهات، و هجر كل مواطن و مكامن الإنتظام و التميز، و الولاء لمكان العمل، و ينطبق نفس المسار السلبي، في حال حضور و تواجد المنظومات التعليمية ذات الجودة، ولكن بغياب آليات إدارية رفيعة التحفيز في المنظمات و بيئات الأعمال، و عدم حصولها على مفاهيم و أساليب قيادية عالية التوجيه، ستظهر نفس المشاكل، من ذهنيات متسمرة في أداء محدود، إلى فاقد كبير و إنتاجية متدنية، و صولا إلى عائد ضعيف (الدخل)، يؤدي إلى عدم الإستقرار لدى المنظمات و الأفراد سواء. و هو الحاصل في كل مؤسساتنا و منظماتنا الحاسمة (التعليمية و الأكاديمية و المهنية ) ، ثم عبر هيكل المؤسسات الخدمية و الإنتاحية، بسبب غياب القيم المضافة للإنسان المثمن، و مايفت في عضد مجموعات العمل من غياب الرسالة الحقيقية و الباعث الحيوي على زرع الأهداف و تحقيقها.
و لكن على الرغم من ضعف كثير من المؤشرات المدللة على حال و وضع الجزائر، و منها أساسا مستوى التنمية البشرية المتدني في الجزائر، و تفاقم الفجوة بين مخزونها الكبيرمن القوى البشرية القادرة و الراغبة في العمل، و السياسات و البرامج الموجهة للإستثمار فيها، و تأهيلها و القضاء على عطالتها الفكرية و البدنية، فبجانب القدرات الفلاحية و السياحية فهناك الموارد المتجددة، التي تعتبر الجزائر من أهم الأقاليم التي تمتلك منها نسبا عالية، تمكنها من حفظ أمنها الإجتماعي و الإقتصادي لأجيال قادمة، فالإستثمار في الطاقات النظيفة و أهمها على الإطلاق الطاقة الشمسية، التي تستفيد من خلالها الجزائر من 2000 إلى 3000 ساعة إشماس في السنة، هذا المورد يتميز بقدرته العالية على التجدد، كما أنها طاقة غير ملوثة، و يشير الخبراء و المختصون ، أن الإستثمار في الطاقات النظيفة المستمدة من الشمس و الرياح أقل تكلفة من الناحية الإقتصادية، من خيار التوجه نحو إستغلال الغاز الصخري، كما أنه لا يتطلب عمليات تنقيب أو بحث مثل الغاز و النفط. إن مثل هذه الموارد المتجددة تعتبر عطاءا و منحة مثالية للجزائر و للبلدان العربية للإنتقال، على إعتبار أن أكبر مخزون من هذا النوع من الطاقات المتجددة يوجد في منطقة شمال إفريقيا و الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الإمكانيات السياحية و الزراعية. إن الواقع يثبت أن هناك تشتت للرؤى، و غياب للخطط الإستراتيجية لتمييز بين البدائل الحقيقية، و الفرص الأقل تكلفة و مخاطرة، و الأكثر مردودية و فعالية. إنه الإصرار على الإبحار دون و جهة ، و التعنت للبقاء على ظهر المنظومة الحلزونية.
إن هذه المجالات الموردية المتجددة ، بالإضافة إلى خزان الموارد البشرية الكبير، تدعو للتأمل و الملاحظة على إمتلاك الجزائر لإمكانات مميزة، و طاقات حيوية، و هوامش ضخمة للتخلص من مصيدة الإقتصاد الريعي، تدعوا أصحاب القرار لإغتنامها، و ضمان الحياة النوعية للأجيال القادمة، و لكن سوف لن يتحول هذا الأفق إلى واقع حقيقي ملموس، يستفيد منه الأفراد و المجتمع و المؤسسات، إلا بربط هذه الطاقات المتجددة و الإمكانات المادية بالقوى البشرية معرفيا، وفق مسار إداري حكيم، و رؤيا سديدة للنظام السياسي ، بفتح دوائره المتعالية المغلقة.
محمــد يبرير yabrir_med@live.fr
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة