عرفت حرفة الصناعات التقليدية بقصبة الجزائر العاصمة تراجعا كبيرا في عدد الحرفيين الذين كانوا ينشطون بها وهذا بسبب غياب الدعم الموجه لهذه الفئة التي تعاني في صمت منذ سنوات طويلة، بالإضافة إلى التدهور العمراني الذي تعرفه المدينة القديمة.
والزائر للقصبة العتيقة، المصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1992 سيلاحظ أن حرفييها يعدون على الأصابع ويتواجدون فقط بالقصبة العليا، وتحديدا في شارع سيدي دريس حمدوش بالقرب من مسجد سيدي رمضان.
وهنا نجد العديد من البنايات لاتزال محافظة على نفسها إلى حد ما في حال مقارنتها بالقصبة السفلى المتدهورة، كما أن الحرفيين الناشطين بالقصبة لا تتجاوز أعدادهم اليوم العشرة، بين نجارين ونحاسين وتشكيليين ومختصين في السيراميك، مؤكدين أن مهنهم تسير نحو الاندثار الكلي بالنظر إلى التدهور العمراني الكبير الذي تعرفه المدينة القديمة وعزوف الشباب عن ممارسة هذه الحرف لغياب الامكانيات والدعم الحكومي، الأمر الذي تسبب أيضا في زوال الكثير من العادات والتقاليد المرتبطة بهذه المهن.
وعبر أحد الحرفيين في النحاس عن حزنه الشديد للوضع المأساوي الذي آلت إليه القصبة وصناعاتها التقليدية، قائلا أن النحاسين اليوم لا يزيدون عن اثنين بينما كانوا في الماضي يجاوزون الثلاثين، وهذا على الرغم من أنه ساهم شخصيا في تكوين حوالي ثلاثين شخصا، مؤكدا في الوقت ذاته أن الحرفيين في القصبة على وشك الزوال النهائي إذ أن أغلبهم توفي أو توقف عن الممارسة بسبب غياب الدعم الحكومي مذكرا بأن المدينة في الماضي كانت تضم الكثير من أصحاب الحرف، وأن كل شارع كان يسمى باسم صنعته غير أن العديد منها قد اندثر اليوم كمهن الدباغين والصياغين والطرازين وصانعي الحايك والبرنوس، وآخرون يقمون بترميم القطع القديمة التي يرجع بعضها للعهد العثماني.
وعن حجم توافد الزوار إلى القصبة العتيقة وزيارتهم لهذه المحلات الصغيرة المزينة بمختلف الحرف التقليدية التي تعبر عمق التاريخ والأصالة الجزائرية، رد بعض الحرفيين أن الزائرين كانوا يأتون بكثرة قبل جائحة كورونا سواء من الأجانب خصوصا البعثات الدبلوماسية أو المحليين، قبل أن تنخفض أعدادهم” بشكل كبير جدا” مضيفين أن هذه الأزمة الصحية لم تمنعهم في كل الأحوال من مواصلة عملهم بمحلاتهم.
–حرفيون يتحدثون …
بهية رويبي حرفية السيراميك تعمل بدورها بالقصبة العليا منذ ثماني سنوات ومحلها متميز بالعديد من المعروضات الجميلة كالتذكارات الموجهة للسياح من لوحات ومرايا ومجسمات وغيرها وكذا مربعات الزليج التي مازال يطلبها زبائن من العاصمة وخارجها بهدف تجديد منازلهم .. كما تقول.
وتعمل رويبي في محل صغير مستأجر يضم أيضا ورشتها التي تنتج فيها أعمالها وتستقبل فيها زبائنها غير أنها تتأسف لبعض المشاكل التي تواجهها كالارتفاع الكبير في أسعار المواد الأولية التي تستعملها، وكذا عدم إشراكها في مشاريع الترميم المخصصة للقصبة، كما تقول، داعية في هذا الإطار السلطات المعنية إلى الاهتمام بأصحاب الصناعات التقليدية.
ومن بين حرفيي القصبة المعروفين أيضا خالد محيوت، وهو الوحيد المختص في النجارة التقليدية حيث بدأ حرفته عام 1965 متوارثا إياها عن عائلته إذ يعمل على تحويل الخشب إلى تحف فنية مختلفة الأساليب وهذا باستعمال الأدوات التقليدية فقط كالمبارد والأزاميل.
ويعمل هذا الصانع رفقة ابنه في ورشته الكائنة بأعالي القصبة على إنتاج أبواب وأعمدة ومرايا ودرابزينات وغيرها بالإضافة إلى ترميم المنتجات القديمة وهذا لفائدة أفراد ومساجد وفنادق، مضيفا أن حرفته ذات تاريخ بالقصبة ولطالما ارتبطت بـ أسلوب عيش أهلها غير أنه يتأسف لعزوف الشباب عن ممارستها بعدما كانت في الماضي تميز عائلات بأكملها كبن تشوبان وديمرجي.
ويضيف محيوت -الذي تتزين ورشته بالعديد من الصور التذكارية الخاصة به وبأبناء القصبة وكذا الشهادات والتكريمات التي تحصل عليها- أن القصبة في الماضي لم تكن بحاجة إلى حرفيين من خارجها إذ كانت تضم نجارين وحدادين ونحاسين وغيرهم ممن كانوا يلبون حاجات ساكنتها، مشددا في هذا الإطار على أن المدينة القديمة لا يمكن لها أن تنهض من جديد من دون هؤلاء الحرفيين.
ورغم الوضع الهش للقصبة وندرة زائريها، حسب ما لوحظ بعين المكان، إلا أن عددا من الساكنة المحليين أبوا إلا يفتتحوا مطاعم تقليدية بها على غرار “كريم” صاحب مطعم “الحنين” الذي أطلقه في 2019، ويقول “كريم” أن مطعمه الكائن بالقصبة العليا بمثابة لمسة للمكان عله يساعد في استرجاع ماضيه الباهر داعيا في هذا السياق السلطات إلى “دعم حرفيي القصبة وتوفير الأمن بها وإلزام ساكنة المدينة القديمة على فتح محلاتهم حتى تعود الحياة لها كوجهة سياحية”.
يذكر أن أصحاب الصناعات التقليدية بالقصبة قد أغلقوا في أغلبهم محالهم خلال جائحة كورونا قبل أن يعيدوا افتتاحها مؤخرا مع انحسار المرض وهذا في ظل الغياب شبه التام للزوار حيث يعول هؤلاء الحرفيون على عطلة الربيع التي تتميز وكغيرها من العطل المدرسية بتنظيم زيارات من المدن الداخلية إلى المدينة العتيقة.
للإشارة، فأن أزقة المدينة العتيقة سجلت مؤخرا استئناف تدريجي للزيارات المرفوقة بمرشدين بعد توقفها لعدة أشهر بسبب الجائحة، مما ساهم في بعث النشاط و الحيوية من جديد، حيث علق المرشدون الذين يقترحون مختلف الزيارات الموضوعاتية للقصبة، نشاطاتهم منذ اعتماد الإجراءات الأولى للوقاية من انتشار فيروس كورونا، و منذ تخفيف إجراءات الحجر الصحي، استأنف بعض المرشدين والجمعيات نشاطاتهم تدريجيا مع مجموعات صغيرة من الزوار والسواح قصد إعطاء نفس جديد للمدينة وإنعاش عمل بعض الحرفيين والمطاعم التقليدية والمتاحف.
وفي شبكات التواصل الاجتماعي فكثيرون هم من يقترحون زيارات مرفوقة بمرشدين في المدينة العتيقة كل يوم سبت، أما الزوار فصرح الكثير منهم أنهم “تائهون قليلا” في اختيار مرشد أو وكالة أمام “غياب مكتب سياحة” يقترح “مرشدين معتمدين أو نصائح او من يسوقون رحلات”.
وأشاروا أيضا إلى العدد الكبير من المحلات والأكشاك المغلقة ومرافق الاستقبال والترفيه وكذا “الحالة المتردية المؤسفة لهذه المدينة العتيقة المفتوحة من كل الجهات في حين ليس هناك أي مقياس جلي في الشوارع”.
ق. م
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة