في جولة مع لاجئين جاءوا من أرتيريا وأثيوبيا والسودان ومصر والعراق وسوريا
يبدو أن أحداً على جانبي الحدود بين فرنسا وبريطانيا، وربما في العالم، لا يريد سماع اسم كاليه، مدينة العبور الفرنسية بين البلدين. هناك حيث يتكوّم اللاجئون، بما يمثله هؤلاء من كوارث وأزمات استعصت على العالم، وساهم العالم بصناعتها، وبما يمثله هؤلاء أيضاً من مشاهد بؤس في طريق مدينة هادئة لا تلوي على أكثر من سبعين ألفاً من السكان.
كزائر للمدينة يمكنك أن تميز بين ثلاثة مشاهد، مستويات لها، أولها الميناء، الأسوار العالية، والشاحنات الكبيرة العابرة، وثانيها بيوت المدينة الوادعة المؤلفة في الغالب مما لا يزيد على الطابقين، وبواجهات من القرميد، بما يجعلها مدينة وردية أخرى من بين المدن الفرنسية، وفي المســتوى الثالث مدينة وطرقات أخرى، تلك التي يحوم فيها المـــهـاجرون، أولــئــك الـــذين جاءوا من المناطق الأكثر بؤســاً حـــول العالم، للوصول إلى ضفته الآمنة؛ بريطانيا.
ستجدهم يحومون في طرقات خاصة، على السكك الحديد، في الغابة البعيدة، على أسوار الميناء يتحيّنون اللحظة المناسبة للوثوب إلى داخل الميناء. الكتلة الكبيرة منهم ستجدها في الغابة في مخيم حمل اسم «الجانغل»، وهو خيام عشوائية متناثرة زرعها اللاجئون بأنفسهم، وتوزعت في تجمعات صغيرة حسب الجنسيات.
لن يحتاج المرء إلى السؤال عن الطريق، عند سكة حديد مهملة لمحت شاباً، عرفت أنه ذاهب إلى المخيم. اسمه خالد، من اثيوبيا، كان عائداً لتوه من كنيسة في المدينة. قال إنه سمع عن توزيع ثياب فيها، وها قد عاد خائباً.
كان لدينا، خالد الأثيوبي وأنا، من الطريق ما يكفي ليسرد لي قصة سنوات، منذ جاء أول مرة على طائرة سودانية إلى دمشق، ليقضي بضعة أيام في السيدة زينب، يتابع بعدها قاصداً الهروب عبر الحدود التركية. هناك سيلقي عليه القبض حراس الحدود السوريون. سبعة شهور في السجن، ثم يعاد إلى بلده. إلى أن يعيد الكرّة ثانية قبل ثلاث سنوات حين يسافر عبر السودان، إلى ليبيا، ومنها عبر البحر إلى أوروبا.
دكان صغيرة هو كل ما يلوي عليه خالد في بلده، تناوب عليه هو وأمه بعد أن سجن أبوه، الذي ما زال سجيناً منذ خمس سنوات لأسباب سياسية، على ما يقول الابن، قبل أن يضيف «حتى أنا سجنت وأطلق سراحي مقابل مبلغ كبير».
خالد (27 عاماً) ينتمي إلى جماعة أورومو المغضوب عليها، وصل إلى هنا منذ عشرين يوماً مع امرأة أرتيرية تزوجها في السودان، وباتت الآن حاملاً، أما لماذا المخاطرة من جديد والسفر من هنا فيجيب خالد بعربية مكسرة تعلمها في السودان وليبيا «هنا ما في شغل».
قبل أن نصل المخيم سنلتقي شاباً مصرياً عائداً منه. باسم، من المنوفية، أعلن لنا توقفه عن المحاولة المستمرة منذ أسبوع، وهو راجع إلى باريس التي يقيم فيها منذ سبعة شهور. هو أساساً جاء ليجرب حظه على مدار أسبوع، هو إجازته من عمله. باسم يعمل بالأسود، مثله مثل عشرات المصريين المقيمين في فرنسا بصورة غير شرعية، ما يعرضهم بالتالي لابتزاز أصحاب العمل، وهؤلاء غالباً من أبناء جلدتهم، المصريين أو العرب.
اللجوء إلى لغة أخرى
على مدخل المخيم ستجد مجموعة خيام للأثيوبيين، خيام فردية صغيرة، غالباً ما حشر فيها اثنان أو ثلاثة. ميزة خيام الأثيوبيين، وهم لا يتعدون المئة شخص كما قال خالد، من بين تجمعات المخيم أنها احتوت على نساء إلى جانب الشبان، أخوات أو زوجات. فبسبب من قسوة العبور يفضل الناس الهروب بمفردهم أولاً، إلا من عليه أن يشتري طرقاً خاصة من مهربين يتقاضون مبالغ كبيرة مقابل تأمينهم عبر شاحنات باتفاق مع سائقيها. لعلنا نتذكر حكاية شبان زجّهم المهربون في خزان الشوكولا، وكان عليهم قضاء الطريق غارقين في لزوجة كادت تقتلهم.
أتركُ خالد وأمضي في طريق ترابي بين الأشجار، يقود إلى خيام الأفغان. لا يستطيع هؤلاء إخفاء أنفسهم، «شارعهم» يبدأ بالعلم الأفغاني فوق إحدى الخيام، ثم إن ملابسهم لا تخفى، بعضهم مصرّ على ارتدائها حتى أثناء الهروب. يبدو أن هؤلاء بسبب أزمتهم المستديمة بنوا لنفسهم وضعاً أدوَم قليلاً من الآخرين، أو أن أبناء جلدتهم من ذوي الإقامة الفرنسية جاءوا يعتاشون فوق خيامهم فأقاموا بعض الدكاكين الصغيرة في خيام، لبيع البضائع الضرورية واليومية.
العبارات وأسماء المدن السودانية المكتوبة على جدران الخيم، في نوستالجيا مبكرة للبلاد، تشي بما يؤكده الجميع، أن أبناء السودان هم النسبة الأكبر بين لاجئي كاليه، وقد جاءوا من مختلف أماكن النزاع فيها كما قال لي أحدهم، دارفور والنيل الأزرق وسواها.
العالم الجزائري صحيفة يومية إخبارية وطنية متخصصة